الخَشية
رَهبةٌ تَنفُذُ في الكَيانِ وتَنتَشِرُ فيه فَتُخضِعُه وَتُلَيِّنُه. مَزيجٌ من الهَيبةِ والإجلالِ ينفُذُ من خِلالِ الكَيانِ كُلِّه لا على سَطحِه وَحدَه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثَلاثةُ حُروف:
- خ: تَخَلخُلٌ واختِراقٌ، رَشَحٌ يَنفُذُ من الخَلف.
- ش: انتِشارٌ وَتَفَرُّق.
- ي: امتِدادٌ وَلِينٌ وَسَريان.
النَّواةُ خش = اختِراقٌ يَنتَشِر: ما يَنفُذُ من خِلالِ الكَيانِ ثُمَّ يَتَفَرَّقُ فيه. الإغلاقُ بـي يُلَيِّنُ هذا الانتِشارَ ويَمُدُّه، فيَصيرُ الجَذرُ: اختِراقٌ يَنتَشِرُ بِلُطفٍ في كَيانٍ فَيَملَؤُه إجلالاً وَرَهبة. الخَشيةُ أَعمَقُ من الخَوف: الخَوفُ (خ-و-ف) فَراغٌ يَحتَوي فَيُفَرِّق، بَينَما الخَشيةُ اختِراقٌ يَنتَشِرُ فَيَملَأ. الأُولى مُفَرِّقةٌ والثّانيةُ مُلَيِّنةٌ مُخضِعة.
ومنه في كَلامِ العَرَب:
- خَشِيَ: رَهِبَ وأَجَلَّ مَعَ عِلمٍ بِالمَخشيِّ وَتَقديرٍ لَه.
- الخَشيةُ أَخَصُّ من الخَوف: مَن يَخشى يَعرِفُ ويُجِلّ، ومَن يَخافُ قَد يَجهَل.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- مِن خَشيَةِ الله (مَصدَرٌ مُضافٌ): في ٢:٧٤. الإضافةُ إلى اللهِ تُحَدِّدُ مَصدَرَ الخَشية: لا خَوفٌ من أَذىً خارِجيٍّ بَل إجلالٌ من معرفةِ الله. «يَهبِطُ من خَشيةِ الله» وَصفٌ لِبَعضِ الحِجارة: الهُبوطُ الانكِسارُ والتَّواضُعُ، والخَشيةُ سَبَبُه.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الاختِراقُ المُنتَشِرُ اللَّطيفُ في الكَيانِ من الجَذر.
الفُروق المَعنويّة
khushu3: خ-ش-ع يُفيدُ الخُضوعَ المَرئيَّ والظّاهِرَ على الجِسم (في الصَّوتِ والبَصَرِ والهيئة). الخَشيةُ الحالُ الباطِنيَّةُ التي تَستَلزِمُ الخُشوع. انظُر الخُشوع.khawf: الخَوفُ (خ-و-ف) شِحنةُ الفَراغِ والاهتِزاز. الخَشيةُ أَعمَقُ: اختِراقٌ يَنتَشِرُ بِمَعرِفة. انظُر الخَوف.
المَواضع: مَواقعُ الخَشيةِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٧٤ ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الخَشيةُ تَدخُلُ القُرآنَ هُنا في سِياقٍ مُفاجِئ: الحِجارةُ التي ضُرِبَ بِها المَثَلُ لِقَسوةِ القُلوبِ تُوصَفُ بَعضُها بِأَنَّها «يَهبِطُ من خَشيةِ الله». الانقِلابُ البَلاغيُّ صارِخ: القُلوبُ أَشَدُّ قَسوةً من الحِجارة، وبَعضُ الحِجارةِ لَها خَشيةٌ تَهبِطُ بِها. والآيةُ تُسنِدُ الخَشيةَ إلى الحَجَرِ إسنادَ خَبَرٍ لا إسنادَ تَشبيه، وتَسوقُها في مَعرِضِ الاحتِجاجِ على القَلبِ القاسي: ما هُوَ مَبنيٌّ مِن الجَمادِ يَستَجيبُ للمُريدِ قَبلَ القَلبِ الغَليظ.
- ١٧:٣١ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾: الجَديدُ: يُضافُ المَصدَرُ إلى غَيرِ اللهِ لِأوَّلِ مَرَّةٍ في هذا المَفهوم. كانَت في ٢:٧٤ «خَشْيَةِ اللَّهِ» فتُلَيِّنُ الحَجَر، وتَصيرُ هُنا خَشيةَ عَدَمٍ فتَحمِلُ على القَتل. فالجَذرُ لا يُقَوِّمُ صاحِبَه بِنَفسِه: هو اختِراقٌ يَنتَشِرُ في الكَيانِ فيَملَؤُه بِما دَخَلَ عليه، والمَخشِيُّ هو الذي يُقَوِّمُ أو يُفسِد. ويَتلوهُ ما يَنقُضُ المَخشِيَّ نَفسَه ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾. انظُر الرِّزق.
- ٢٠:٣ ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾: الجَديدُ: يَقَعُ الفِعلُ مُطلَقاً بِلا مَخشِيٍّ مَذكور، فيَصيرُ وَصفاً لِصِنفٍ من النّاسِ لا مَوقِفاً من مَعلوم. وكانَ في ٨٧:١٠ شَرطاً لِلتَّذَكُّرِ اللّاحِق، ويَصيرُ هُنا حَدّاً يُعَرَّفُ بِه المُنَزَّلُ نَفسُه: التَّذكِرةُ توصَفُ بِمَن تَبلُغُه. فالخَشيةُ سابِقةٌ عليها لا ثَمَرةٌ لَها. انظُر الذِّكر.
- ٢٠:٤٤ ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾: الجَديدُ: تَصيرُ الخَشيةُ مَرجُوّةً بَعدَ القَولِ لا شَرطاً قَبلَه، و«أو» تُسَوّي بَينَها وبَينَ التَّذَكُّرِ في كَونِهِما غايةً واحِدةً لِلِّين. فالمُسَجَّلُ يَحمِلُ الوَجهَينِ مَعاً: خَشيةٌ تُؤَهِّلُ لِلذِّكرى (٨٧:١٠ و٢٠:٣)، وخَشيةٌ تُرجى من القَول. ولينُ القَولِ هو الذي يُناسِبُ الجَذر: اختِراقٌ يَنتَشِرُ بِلُطفٍ لا بِقَرع.
- ٢٠:٧٧ ﴿لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ﴾: الجَديدُ: يَجتَمِعُ الجَذرانِ في نَفيٍ واحِدٍ ويَفتَرِقانِ في التَّعدِية: الخَوفُ مَذكورٌ مَعَه مَخوفُه «دَرَكًا»، والخَشيةُ مُطلَقةٌ بِلا مَفعول. وهو أضبَطُ شاهِدٍ في المُسَجَّلِ لِما في §٣: الخَوفُ يَتَعَلَّقُ بِما يُدرِكُك، والخَشيةُ حالٌ في الكَيانِ لا تَحتاجُ أن تُسَمّيَ ما مَلَأَها. انظُر الخَوف.
- ٢٠:٩٤ ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ﴾: الجَديدُ: أوَّلُ إسنادٍ لِلفِعلِ إلى مُتَكَلِّمٍ عن نَفسِه، والمَخشِيُّ قَولٌ لم يَقَعْ بَعد. فيَتَّسِعُ المَفهومُ إلى خَشيةٍ بَينَ أخَوَينِ مَوضوعُها كَلِمة، ويَبقى الوَصفُ الجامِعُ قائِماً: ما دَخَلَ الكَيانَ فمَلَأَه حَمَلَ صاحِبَه على تَركِ ما هَمَّ بِه.
- ٣٦:١١ ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ﴾: الجَديدُ: تُقَيَّدُ الخَشيةُ بِحالِ الغَيب، ويُذكَرُ مَخشِيُّها بِاسمِ الرَّحمنِ لا بِاسمِ القَهر. فتُقرَأُ حالاً تَقومُ حَيثُ لا رَقيبَ ولا مَشهَد، ومُتَعَلَّقُها الرَّحمةُ لا البَطش. انظُر الغَيب.
- ٨٧:١٠ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ﴾: الخَشيةُ هنا شَرطُ التَّذكُّرِ المُنتِج: ليسَ كُلُّ مَن سَمِعَ التَّذكِرةَ يَستَجيبُ، بَل مَن يَخشى. الجَذرُ خ-ش-ي (اختِراقٌ يَنتَشِرُ بِمَعرِفة) يُفسِّرُ لِماذا: الخَشيةُ فَتحُ الكَيانِ للتَّأثُّر، ومَن لَيسَت فيه هذا الانفِتاحُ المُعرِّفُ لا تَدخُلُه التَّذكِرة. التَّقابُلُ في ٨٧:٩-١٠: «فَذَكِّر» أَمرٌ بِالتَّذكِرَة + «إن نَفَعَت» تَحديدٌ لِمَن تَنفَعُه = «مَن يَخشى».
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
hijara: الحِجارةُ في ٢:٧٤ هي الهابِطةُ من خَشيةِ الله.qaswa: القَسوةُ نَقيضُ الخَشيةِ في الآيةِ نَفسِها.khushu3: الخُشوعُ المَرئيُّ الناتِجُ عَن الخَشيةِ الباطِنيّة.
الإشكالات المَفتوحة
- كَيفَ تَعمَلُ شِحنةُ الخَشيةِ في الحِجارة في ٢:٧٤؟ الجَذرُ
خ-ش-ي يَعمَلُ في الحَجَرِ كَما يَعمَلُ في القَلب: رَهبةٌ تَنفُذُ في الكَيانِ وتُلَيِّنُه. ٢:٧٤ تَنسِبُ هذا الفِعلَ إلى نَوعٍ من الحِجارة («وَإِنَّ مِنها لَما يَهبِطُ من خَشيَةِ الله») في مَوقِفِ مُقابَلةٍ بِالقُلوبِ القاسية. الجَذرُ لا يُفَرِّقُ في عَمَلِه بَين المَوضوعَين، يَفعَلُ في الحَجَرِ ما يَنبَغي أَن يَفعَلَ في القَلب، والقَلبُ الغَليظُ هو الذي خَرَجَ عَن سُنَّةِ الجَذر. السُّؤالُ المَنهَجيُّ ليسَ في صُدورِ الخَشيةِ عَن الحَجَر، بَل في كَيفِيَّةِ انعِكاسِ المِيزانِ: الجَمادُ أَكثَرُ استِجابةً للجَذرِ مِمَّن قَسا قَلبُه.