الخَوف
التَّخَلخُلُ الداخِليُّ أمامَ ما يُهَدِّدُ: الفَضاءُ يَتَفَتَّحُ فَجأةً داخِلَ الكائِنِ حين يُواجِهُ خَطَراً يُدرِكُه ولا يَملِكُ دَفعَه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- خ: تَخَلخُلٌ واختِراق.
- و: وَصلٌ وامتِداد.
- ف: تَفريقٌ ونَفاذ.
النَّواةُ خو (خ + و) = تَخَلخُلٌ مُمتَدّ: فَضاءٌ يَنفَتِحُ ويَمتَدّ. الإغلاقُ بـف يُضيفُ التَّفريقَ والنَّفاذ: الفَضاءُ المُتَخَلخِلُ يَنفُذُ فيه ما يُهَدِّد، فيَصيرُ الجَذرُ: تَخَلخُلٌ داخِليٌّ مُمتَدٌّ يَنفُذُ فيه الخَطَرُ أو شَبَحُه. «الخَوف»: الحالةُ التي يَتَفَتَّحُ فيها الداخِلُ أمامَ ما يُهَدِّد.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- لا خَوفٌ عَلَيهِم (نَفيٌ + «عَلى»): في ٢:٣٨. «لا خَوفٌ عَلَيهِم»
نَفيٌّ لِلهَيمَنةِ من فَوق: الخَوفُ لا يُحيطُ بِهِم من عَلُو.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ، التَّخَلخُلُ المُمتَدُّ، من الجَذر.
الفُروق المَعنويّة
لا فُروعَ مُتَمَيِّزة.
المَواضع: مَواقعُ الخَوفِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٣٨ ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾:
مَوضِعُ الافتِتاح. الخَوفُ يَدخُلُ القرآنَ هنا في صيغةِ النَّفيِ مَقرونٌ بِنَفيِ الحُزن. «لا خَوفٌ» + «لا حُزن»: نَفيُ الانفِعالِ السَّلبيِّ نَحوَ المُستَقبَلِ (الخَوف) ونَفيُه نَحوَ الماضي (الحُزن). الجَمعُ بَين النَّفيَين يَرسُمُ حالةَ الاستِقرارِ التّامِّ. وشَرطُ هذا النَّفيِ هو: «مَن تَبِعَ هُدايَ»: التَّبَعُ للهُدى هو المِعيارُ الوَحيد.
- ٢:٦٢ ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: تَكرارُ الصِّيغةِ الوارِدةِ في ٢:٣٨ مَعَ فَرقٍ في الرَّابِط: «فَلا خَوفٌ» هُناكَ جَواباً لِلشَّرط، و«وَلا خَوفٌ» هُنا عَطفاً على «فَلَهُم أَجرُهُم». الجَديدُ: الشَّرطُ تَوسَّعَ لِيَشمَلَ ذَوي الأَسماءِ الأَربَعة (الذينَ آمَنوا، والذينَ هادوا، والنَّصارى، والصّابِئون) ضِمنَ شَرطٍ فَرديٍّ جَديد: «مَن آمَنَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحاً». النَّفيُ مُتَكَرِّرٌ بِبِناءٍ مُتَطابِق: اتِّساقُ السُّنَّةِ وَحدَةُ القانون.
- ٢:١١٢ ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: المُزدَوَجُ يَعودُ للمَرَّةِ الثالِثة. الجَديدُ: الشَّرطُ هُنا «مَن أَسلَمَ وَجهَه لِلَّهِ وهوَ مُحسِن»، أَخصُّ ممّا سَبَق. نَفيُ الخَوفِ يَرتَبِطُ بِإسلامِ الوَجهِ: مَن أَسلَمَ وَجهَه لَم يَعُد مُنقَسِمَ الاتِّجاه، فَلا مَصدَرَ للخَوفِ من مُتَفَرِّق.
- ٢:١١٤ ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾: الخَوفُ هُنا لَيسَ مَنفِيّاً بَل مُقَرَّراً: مَن مَنَعَ المَساجِدَ وسَعى في خَرابِها لا يَدخُلُها إلّا خائِفاً. الجَديدُ: الخائِفُ هُنا مَن آذى المَسجِدَ، خَوفُه دَليلُ الإِقرارِ بِحُرمَةِ ما هَتَكَه. الخَوفُ يَكشِفُ ما يَعرِفُه القَلبُ وَإن جَحَدَه الفِعل.
- ٢:١٥٠ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾: الخَوفُ في الجَذرِ المُجاوِرِ خ-ش-ي (الخَشيَة): «لا تَخشَوهُم واخشَوني». الجَديدُ: المُعادَلَةُ المُتَقابِلَة، نَزعُ الخَوفِ من النَّاسِ وتَحويلُه إلى الاسمِ. الخَوفُ هنا أَداةٌ تُوَجَّه: مَن وَجَّهَ خَشيَتَه نَحوَ مَوضوعِها الصَّحيحِ تَحَرَّرَ من خَشيَةِ سِواه. انظُر الخَشية.
- ٢:١٥٥ ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾: الخَوفُ في صورَةِ المُبتَلى بِه: «شَيءٍ منَ الخَوفِ». الجَديدُ: الخَوفُ هُنا أَوَّلُ الابتِلاءاتِ المُعَدَّدَة (خَوف + جُوع + نَقصُ أَموال + أَنفُس + ثَمَرات). كَونُه يَتَصَدَّرُ القائِمَةَ يَكشِفُ أَنَّه أَكثَفُ ما يُمتَحَنُ بِه القَلبُ. «بِشَيءٍ منه» تُخَفِّفُ، لَيسَ كُلَّ الخَوفِ بَل قَدراً منه. انظُر الابتِلاء.
- ٣:١٧٥ ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾: الجَديدُ: يُنهى عنِ الخَوفِ ويُؤمَرُ بِه في جُملةٍ واحِدةٍ بِتَغييرِ المُتَعَلَّقِ وَحدَه، فيَظهَرُ أنَّ الخَوفَ لا يُنزَعُ بَل يُوَجَّه: المَنفيُّ هو مَحَلُّه لا وُجودُه. ويُشتَرَطُ لَه الإيمان. انظُر الشَّيطان.
- ٢٠:٦٧ ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾: الجَديدُ: يَرِدُ الجَذرُ على وَزنِ «فِعلة»: ﴿خِيفَةً﴾، وهي هَيئةٌ مَخصوصةٌ من الخَوفِ لا الخَوفُ مُطلَقاً. ويُعَيَّنُ مَوضِعُها: ﴿فِي نَفْسِهِ﴾، فلا تُنفى عن جَماعةٍ ولا يُبتَلى بِها قَومٌ كَما في ﴿بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ﴾ (٢:١٥٥)، بَل تَقومُ في باطِنِ واحِدٍ. و«أَوجَسَ» يَقولُ إنَّها أُحِسَّت إحساساً خَفِيّاً، فيَثبُتُ لِلجَذرِ حالٌ لا يَعلَمُها إلّا صاحِبُها. ويَتَأَخَّرُ اسمُ الفاعِلِ إلى آخِرِ الآية، فتُذكَرُ الحالُ قَبلَ أن يُذكَرَ مَن قامَت بِه.
- ١٠٦:٤ ﴿وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾: الخَوفُ مَنفيّاً عَن قُرَيش: «آمَنَهُم من خَوف». الجَديدُ: الأَمانُ هُنا خاصٌّ، من جِنسِ الخَوف، لَيسَ من خَوفٍ بِعَينِه. النِّعمَةُ مُقابَلَةٌ بِشَرطِ العِبادَةِ في ١٠٦:٣: «فَليَعبُدوا رَبَّ هذا البَيت». الأَمانُ من الخَوفِ مَنوطٌ بِالعِبادَة. انظُر الأَمن.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
huzn: الزَّوجُ التّامُّ في ٢:٣٨. نَفيُ الخَوفِ ونَفيُ الحُزن.hidaya: الهُدى الشَّرطُ لِغِيابِ الخَوف.
الإشكالات المَفتوحة
- هل «لا خَوفٌ عَلَيهِم» نَفيٌّ تامٌّ؟ في القرآنِ يَردُ المُؤمِنُ
خائِفاً في مَواضِعَ. مَوقِفُنا: الخَوفُ المَنفيُّ هنا خَوفُ المَصير: لا يَخشَى على مَصيرِه النِّهائيّ.