التَّقوى

taqwa جذر · و-ق-ي 23 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
فِعلُ الحَراسةِ المُنعَكِسِ على الذَّاتِ، على وَزنِ افتَعَل (اتَّقى): الحارِسُ والمَحروسُ شَخصٌ واحِد. لَيسَت خَوفاً ولا خَشيَة، فالخَوفُ انفِعالٌ يَتَلَقَّى، والخَشيَةُ رَهبةٌ تَنفُذ، والتَّقوى فِعلٌ يَبني. مَن وَقى نَفسَه هَيَّأَ فيها وادِيَ الاستِقبال.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثلاثةُ حُروف أَصليّة (الواوُ الأُولى تَسقُطُ في أَكثَرِ الصِّيَغ):

  • و: وَصلٌ وَرَبط. شِحنَتُه: ارتِباطٌ مُستَدام، جِسرٌ يَمتَدُّ.
  • ق: قَطعٌ وإحكام، حَرفٌ خَلفيٌّ حاسِم. شِحنَتُه: حَسمٌ مُحكَمٌ

يَستَقِرّ ولا يُزَحزَح. (الشِّحنةُ ذاتُها في الكِتاب القِسم ١ في ك، لكنَّ القافَ أَعمَق في الحَلق.)

  • ي: امتِدادٌ مع لِين. شِحنَتُه: سَريانٌ خَفيفٌ مَمدود.

النَّواةُ وق (و + ق) = وَصلٌ يُحسَمُ، ارتِباطٌ مَعَ حَسمٍ مُحكَم. الجِسرُ يَقِفُ، لا يَتمايَلُ في أيِّ اتِّجاه. الإكمالُ بـي يُعطيه امتِداداً سارِياً، فيَصيرُ الجَذرُ كلُّه: وَصلٌ مُحكَمٌ يَمتَدُّ ثابِتاً، حِصنٌ يَربِطُ الداخِلَ بما لا يُخلُّه.

ومنه في كلامِ العَرَب:

  • وَقى: حَمى وحَرَسَ. فاعِلُه هو الواقي (المُعطي للوِقاية)، لا

المُتَلَقِّي.

  • الوِقاية: الحِراسةُ من الخارج (يَقيكَ الله السُّوء). وَصلٌ يَمنَعُ

النُّفوذَ من الخارِج.

  • التَّقوى (مَصدَر من اتَّقى): إقامةُ الوِقايةِ من الداخِل، على النَّفس.

المُتَّقي هو الذي يَقي نَفسَه، يُقيمُ الحِصنَ من الداخِل لا يَنتَظِرُه من خارج.

الشِّحنةُ الجامعةُ للجَذرِ و-ق-ي: حِراسةٌ مُحكَمةٌ تَمتَدُّ، تَمنَعُ ما يُخِلُّ من النُّفوذِ إلى الباطِن. التَّقوى ليست خَوفاً يُشَلُّ به الإنسان، هي فِعلُ الحارِسِ الذي يَعرِفُ ما يُدافِعُ عنه.

المِفتاحُ البِنيَويُّ، الحارِسُ والمَحروسُ شَخصٌ واحِد: «اتَّقى» على وَزنِ افتَعَلَ، وهذا الوَزنُ يُحَوِّلُ فِعلَ الفاعِلِ إلى ذاتِه. وَقى (الثُّلاثيّ): حَرَسَ غَيرَه. اتَّقى (افتَعَلَ): حَرَسَ نَفسَه. هذا التَّحَوُّلُ البِنيَويُّ غَيرُ مُتاحٍ في الحِراسةِ بَين النَّاس في الحَياةِ العاديَّة (فالحارِسُ غَيرُ المَحروسِ غالِباً)، لَكِنَّه مَركَزيٌّ في التَّقوى: لا يَستَطيعُ أَحَدٌ أن يَتَّقي عَنكَ، فاتِّقاءُ السُّوءِ لا يُمارِسُه إلّا صاحِبُه على نَفسِه. والمَعرِفةُ بِما يُتَّقى وبِنِيَّةُ الحِصنِ كِلاهُما داخِليّ. لا يَكونُ مُتَّقياً مَن يَنتَظِرُ حِصناً يُبنى لَه من خارِجٍ.

التَّمييزُ الثُّلاثيُّ، تَقوى / خَوف / خَشيَة:

  • خَوف (خ-و-ف): تَخَلخُلٌ داخِليٌّ يَفتَحُ فَضاءً لِما يُهَدِّد. انفِعالٌ يَتَلَقّى.
  • خَشيَة (خ-ش-ي): رَهبةٌ تَنفُذُ بَين الجَوارِحِ وتُلَيِّنُ. حالٌ تَنبَعِث.
  • تَقوى (و-ق-ي افتعل): حِراسةٌ تُقامُ من الذَّاتِ عَلى الذَّاتِ. فِعلٌ يَبني.

الخَوفُ والخَشيَةُ مُمكِنانِ بِلا تَقوى، والتَّقوى مُمكِنةٌ بِلا خَوفٍ ولا خَشيَةٍ، وقد تَحمِلانِها أو لا تَحمِلانِها. التَّقوى الوَحيدةُ من بَين الثَّلاثةِ التي تُمارَسُ كَفِعلٍ. انظُر الخَوف والخَشية.

النَّمَطُ التَّكوينيُّ، «لَعَلَّكُم تَتَّقون»: يَلتَفِتُ القارِئُ إلى أنَّ هذا التَّعليلَ يَتَكَرَّرُ في السُّوَرِ المَنشورةِ بِعَدَدِ المَوادِّ الَّتي يَأمُرُ بِها: العِبادة (٢:٢١)، الذِّكر (٢:٦٣)، القِصاص (٢:١٧٩)، الصِّيام (٢:١٨٣). ويَجيءُ بِصيغةِ الغَيبةِ «لَعَلَّهُم يَتَّقون» في مادَّتَينِ أُخرَيَين: البَيان (٢:١٨٧)، وتَصريفُ الوَعيدِ (٢٠:١١٣). كُلٌّ مِنها مادَّةٌ يَفتَحُ بابَ التَّقوى ولا يُلزِمُها. البِناءُ نَفسُه يَجري في الذَّاتِ المُتَّقِيَة. اللهُ يُوَفِّرُ المَوادَّ، والمُتَّقي يُقيمُ الحِصن.

الصِّيَغ: كيف تَردُ «التَّقوى» في القرآن

  • التَّقوى (مَصدَر مُعَرَّف بـال، أَصلُه وَزنُ تَفعُّل من اتَّقى):

الاسمُ المَصدَريُّ الجامِعُ للحَدَث. الواوُ الأُولى قُلِبَت تاءً في «اتَّقى» للإدغام، ثُمَّ قُلِبَت الأَلِفُ الأَخيرةُ واواً في «تَقوى» لأنَّها في آخِرِ الكَلِمة. الوَزنُ (وَزنُ فَعلى من المَقلوب) يُعطيها طابَعَ الحالةِ الثابِتة، لا الحَدَثِ المَرَّة.

  • المُتَّقي، المُتَّقون، المُتَّقين (اسمُ فاعِل من اتَّقى): مَن أَقامَ

الوِقايةَ على نَفسِه. الوَزنُ (مُفتَعِل) يَدُلُّ على إيقاعِ الفِعلِ على الذات: المُتَّقي يَقي نَفسَه.

  • اتَّقوا، يَتَّقون (فِعلٌ بِوَزنِ افتَعَل): وَزنُ الافتِعالِ يَدُلُّ على

الاختِيارِ والتَّكَلُّف الإرادي. التَّقوى فِعلٌ يَختارُه صاحِبُه، لا حالٌ تَقَعُ عَلَيه.

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: في كلِّ هذه الصِّيَغ، شِحنةُ الجَذرِ (الحِراسةُ

المُحكَمةُ التي تَمتَدُّ) قائِمة. الوَزنُ يُحَدِّدُ مَن يُقيمُها (الفاعِلُ

الخارِجيُّ أم الشَّخصُ على نَفسِه) ومَتى. الشِّحنةُ لا تَتَغَيَّر.

الفُروق المَعنويّة: الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى

  • wiqaya (الوِقاية): الجَذرُ ذاتُه و-ق-ي في صُورَتِه الخارِجيّة:

الحِراسةُ التي يَمنَحُها الله أو الآخَرُ (لا المَرءُ لنَفسِه). الفَرقُ مَعَ التَّقوى: التَّقوى وِقايةٌ من الداخِل (المُتَّقي يَقي نَفسَه)، والوِقايةُ مَنحٌ من الخارِج. سَيُنشأُ wiqaya حين تَلتَقي الكَلِمةُ مَكتوبةً في آيةٍ (مَوضِعٌ مُتَوَقَّع في سُوَرٍ لاحِقة).

المَواضع: مَواقعُ التَّقوى في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٢:٢ ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾: مَوضعُ الافتِتاح. التَّقوى تَدخُلُ

القرآنَ هنا في صيغةِ اسمِ الفاعِلِ الجَمع (المُتَّقين)، مُقَيَّدةً بـال التَّعريف: جَماعةٌ مَعهودةُ الحال. الوَصفُ شَرطُ انتِفاعٍ لا شَرطُ دُخول: الكِتابُ أَمامَ الجَميع، لكنَّ هِدايَتَه لا تَجِدُ مَوضِعاً إلّا في مَن حَرَسَ قَلبَه. المُتَّقي من جَذرِ «وَقى» هو الذي يَقي نَفسَه ممّا يَكسِرُها: لا الخائِفُ المُتَحَجِّرُ، بَل الحارِسُ المُستَعِدُّ. الوادي الذي لم يُحفَر مَجراهُ لا يَحتَفِظُ بالماء. هُدًى يَنزِلُ فلا يَجِدُ فَضاءً يَستَقِرُّ فيه لا لقُصورِ الهُدى بل لغِيابِ الاستِعداد.

  • ٢:٢١ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: التَّقوى غايةُ العِبادة. «اعبُدوا رَبَّكُم... لَعَلَّكُم تَتَّقون»: الخَلقُ يَستَوجِبُ العِبادة، والعِبادةُ غايَتُها الدُّخولُ في وِقاية. «لَعَلَّ» هنا للتَّعليل: العِبادةُ طَريقٌ للتَّقوى. انظُر العِبادة والخَلق.
  • ٢:٢٤ ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾: الأَمرُ بِالتَّقوى مُوَجَّهٌ نَحوَ خَطَرٍ مُحَدَّد. ليسَ المَطلوبُ الخَوفَ بل إقامةَ الحِصنِ. وهذا يُؤَكِّدُ أنَّ التَّقوى في القرآنِ فِعلٌ لا عاطِفة. انظُر النّار والوَقود.
  • ٢:٤١ ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾: التَّقوى في خِطابِ بَني إسرائيلَ بَعدَ سِلسِلةٍ من النَّواهيِ المُفَصَّلة (تَلبيسُ الحَقّ، بَيعُ الآيات، الكُفرُ الأَوَّليّ). التَّدَرُّجُ مَعَ ٢:٤٠: في ٢:٤٠ رَهبةٌ إجماليّة، وفي ٢:٤١ تَقوى تَفصيليّة. التَّقوى هُنا وِقايةٌ مُشَيَّدةٌ على مَعرِفةِ الحُدودِ التي سُمِّيَت في الآيةِ ذاتِها.
  • ٢:٤٨ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾: التَّقوى في مُواجَهةِ يَومٍ بِعَينِه. الأَمرُ بِاتِّخاذِ وِقايةٍ ذاتيّةٍ قَبلَ أن تُغلَقَ أَبوابُ الجَزاءِ والشَّفاعةِ والفِداءِ والنَّصر. التَّقوى هُنا ليسَت خَوفاً انفِعالياً بَل صِناعةٌ: تَرى الباب الذي سيُغلَقُ وتُعِدُّ لِنَفسِها ما يُغنيها. مَوضِعٌ «مَن كانَ يُتَوَقَّعُ» (مُذكورٌ في الاستِعانة القِسم ٦ كمَوضِعٍ قادِم).
  • ٢:٦٣ ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: التَّقوى هُنا غايةُ الذِّكر. الرَّابطُ: «اذكُروا ما فيه» (أي في العَهدِ المُعطى) سَبَبٌ والتَّقوى أَثَر. الجَديدُ: أَوَّلُ مَرَّةٍ تَتَّضِحُ فيها آليَّةُ إنتاجِ التَّقوى: الذِّكرُ الحيُّ لِمَضمونِ العَهدِ يُقيمُ الحاجِزَ الفاعِلَ بَينَ النَّفسِ وبَينَ نَقضِه.
  • ٢:١٧٧ ﴿وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾: التَّقوى خاتِمَةُ تَعريفِ البِرّ الواسِع. بَعدَ تَعدادِ خَمسِ صِفاتٍ إيمانيَّةٍ وَأَفعالٍ سُلوكيَّةٍ كَثيرَة، تُختَتَمُ الآيَةُ بِـ«أُولَٰئِكَ هُمُ المُتَّقون». الجَديدُ: التَّقوى نَتيجَةٌ مُتَراكِمَةٌ لِكُلِّ ما سَبَق، ليسَت بِدايَةً بَل خاتِمَةً تَتَوَّجُ البِرَّ المَفصَّل. ضَميرُ الفَصلِ «هُم» يُحَدِّدُ هَؤُلاءِ وَحدَهُم بِالاستِحقاق. انظُر البِرّ.
  • ٢:١٧٩ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: التَّقوى غايةُ القِصاص. الجَديدُ: القِصاصُ مادَّةٌ لِبناءِ التَّقوى، القانونُ لا يَبني التَّقوى تِلقائِيّاً بَل يَفتَحُ بابَها.
  • ٢:١٨٣ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: التَّقوى غايةُ الصِّيام. نَفسُ الصِّيغةِ بِحَرفِ التَّرجِّي: الصَّومُ يَفتَحُ بابَها لا يُلزِمُها.
  • ٢:١٨٧ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: التَّقوى غايةُ البَيانِ الإلَهيِّ لِلحُدود.
  • ٢:١٨٩ ﴿وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ﴾: التَّقوى تَعريفٌ لِلبِرِّ. الجَديدُ: البِرُّ لَيسَ الشَّعيرةَ الشَّكلِيَّة بَل «مَنِ اتَّقى»، التَّقوى صُلبُ البِرّ.
  • ٢:١٩٧ ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾: التَّقوى في الحَجِّ مُوَجَّهةٌ لِأُولي الأَلباب. «اتَّقوني»، الوِجهةُ مُباشِرةٌ نَحوَ اللهِ لا نَحوَ الزَّادِ فَحَسب.
  • ٢:٢٠٣ ﴿لِمَنِ اتَّقَىٰ﴾: شَرطُ التَّخفيفِ في أَيَّامِ التَّشريق. الجَديدُ: التَّقوى مُعيارُ الاستِحقاقِ للرُّخصة.
  • ٢:٢٧٨ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾: التَّقوى في صيغةِ الأَمر («اتَّقوا») مُسَلَّطَةً على الفِعل (تَركِ الرِّبا). الجَديدُ: التَّقوى هنا حَركَةُ التَّحَوُّلِ من واقِعٍ مُحَدَّد، تَركُ ما بَقيَ من المَكسوبِ بِالرِّبا. الحِراسَةُ تَتَجَسَّدُ في فِعلٍ مَلموسٍ لا في حالَةٍ باطِنيَّةٍ مُجَرَّدة. انظُر الرِّبا.
  • ٢:٢٨١ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾: التَّقوى في صيغةِ الأَمر، مُتَوَجِّهَةً نَحوَ يَومٍ مَخصوص. الجَديدُ: التَّقوى هنا مَوجَّهَةٌ زَمانيّاً نَحوَ يَومِ الرُّجوع. الحِراسَةُ تَكتَسي قَصداً مُستَقبَلِيّاً: التَّحَوُّط لِيَومٍ تُوَفَّى فيه كُلُّ نَفسٍ ما كَسَبَت. انظُر اليَوم والرُّجوع.
  • ٢:٢٨٢ ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾: التَّقوى في سِياقِ تَنظيمِ الدُّيونِ بِالكِتابَةِ والشَّهادَة. الأَمرُ هُنا مُسلَّطٌ على الكاتِبِ والشَّاهِد. الجَديدُ: التَّقوى تَنزِلُ إلى تَفاصيلِ المُعامَلاتِ اليَوميَّة، كِتابةُ الدَّينِ بِأَمانَةٍ تَستَدعي تَقوى صاحِبِها. الحِراسَةُ في الإجراءِ التِّقَنيّ نَفسِه. انظُر الدَّين.
  • ٢:٢٨٣ ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾: التَّقوى بِلَفظِها في الآية، مَقرونةً بِأداءِ الأَمانةِ حَيثُ لا كِتابةَ ولا رَهن. الجَديدُ: يُضافُ المُتَّقى بِوَصفَينِ مَعاً، «اللهَ رَبَّه»، فيُطلَبُ البِناءُ في مُعامَلةٍ لا شاهِدَ عَلَيها إلّا صاحِبُها، فالحِراسةُ هي كُلُّ ما يَضمَنُ الرَّدّ. وتَمضي الآيةُ إلى النَّهيِ عَن كِتمانِ الشَّهادةِ وإلى أنَّ كاتِمَها «آثِمٌ قَلبُه»، فيَقَعُ الإثمُ في المَوضِعِ الذي يُقامُ فيه الحِصنُ نَفسِه. انظُر الكِتمان والشَّهيد / الشُّهَداء.
  • ٣:١٠٢ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾: الجَديدُ: التَّقوى تُقَيَّدُ لِأوَّلِ مَرّةٍ بِمِقدارِها التّامّ: «حَقَّ تُقاتِه»، فبَعدَ أن كانَت أمراً يُطلَقُ («اتَّقوا الله») يُطلَبُ مِنها القَدرُ الذي تَستَحِقُّه. والمَصدَرُ مُضافٌ إلى ضَميرِ المَعبودِ لا إلى المُتَّقين، فالمِعيارُ عِندَ المَتَّقى لا عِندَ المُتَّقي. وتُوصَلُ بِخِتامِ الحَياة، فالبِناءُ الذي تُقيمُه لا يُسَلَّمُ إلّا عِندَ المَوت. انظُر الحَقّ.
  • ٣:١٣١ ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾: الجَديدُ: يَقَعُ مَفعولُ الاتِّقاءِ شَيئاً مُعَيَّناً مَوصوفاً بِالإعداد، بَعدَ أن كانَ في أكثَرِ المَواضِعِ هو الاسمَ الجامِعَ أو اليَوم. فالبِناءُ الذي تُقيمُه التَّقوى يُقامُ هُنا في وَجهِ ما أُعِدَّ لِغَيرِ المُخاطَبين. انظُر النّار.
  • ٣:٢٠٠ ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: الجَديدُ: التَّقوى تَجيءُ رابِعةَ أربَعةِ أوامِرَ مُتَتابِعة، بَعدَ ثَلاثةٍ تَبني الثَّباتَ في النَّفسِ ثُمَّ مَعَ الغَيرِ ثُمَّ في المَوضِع. فالبِناءُ الذي تُقيمُه يُختَمُ بِه ما قَبلَه، ويُعَلَّقُ الفَلاحُ بِالمَجموعِ لا بِواحِدٍ مِنه. انظُر الصَّبر.
  • ٣٦:٤٥ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: الجَديدُ: يَقَعُ مَفعولُ الاتِّقاءِ جِهَتَينِ زَمَنيَّتَينِ لا شَيئاً مُسَمّى: ما أمامَ وما وَراء. فيُقرَأُ البِناءُ الذي تُقيمُه التَّقوى مُحيطاً بِالماضي والآتي مَعاً.
  • ٨٧:١٤ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾: التَّقوى الضِّمنِيَّةُ تَظهَرُ في ثَلاثيَّةٍ عَمَلِيَّةٍ تَمتَدُّ إلى ٨٧:١٥: التَّزَكِّي هُنا، ثُمَّ «وَذَكَرَ اسمَ رَبِّهِ فَصَلَّى» هُناك. «قَد أَفلَحَ» يُعلِنُ الفَلاحَ مَبنِيّاً على هذه المَسيرة. التَّقوى الجامِعةُ لكُلِّ هذا لا تُذكَرُ بِلَفظِها لكنَّها هي المَنهَجُ المَوصوفُ.
  • ٩١:٨ ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾: أَوَّلُ مَرَّةٍ تُضافُ فيها التَّقوى إلى ضَميرِ النَّفسِ: «تَقواها». التَّقوى هنا مُودَعةٌ في النَّفسِ كَإلهامٍ إلهيٍّ لا تَحصيلٍ بَشَريٍّ مَحض. جَذرُ وَقى (الحِراسةُ المُمتَدَّة) يَتَبَيَّنُ بِوُضوح: اللهُ أَودَعَ في النَّفسِ مَعرِفةَ مَسالِكِ الحِراسةِ والوِقاية. ثمّ الاختِيارُ، أيُزَكِّيها أم يُدَسِّيها، يَصدُرُ عن النَّفسِ.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • hidaya: التَّجاوُرُ الوَظيفيُّ في ٢:٢. الهُدى لا يَستَقِرُّ إلّا

في القَلبِ الذي أَقامَ التَّقوى. التَّقوى شَرطٌ مَعنَويٌّ للانتِفاع، والهِداية الهِبةُ الواردة.

  • kitab: التَّقوى في ٢:٢ شَرطُ قِراءةِ الكِتابِ المُثمِرة. لا

يُغلِقُ الكِتابُ بابَه على أحَد، لكنَّه يُعطي هِدايَتَه لمَن وَقى قَلبَه.

  • falah: الفَلاحُ في ٢:٥ حَصادُ مَن حَمَلَ التَّقوى وأَوصافَها.

التَّقوى أَوّلُ الصِّفات، والفَلاحُ خاتِمَتُها.

  • iman: الإيمانُ بالغَيبِ في ٢:٣ أوّلُ صِفاتِ المُتَّقين. التَّقوى

الحالُ الجامِع، والإيمانُ بالغَيبِ أوّلُ تَجَلِّياتِها.

الزَّوجُ البِنيَويُّ، fujurtaqwa: ٩١:٨ ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ يَجعَلُ الفُجورَ والتَّقوى ضِدَّينِ مُلهَمَين في النَّفسِ. الفُجورُ (ف-ج-ر) شَقٌّ يَخرُجُ بِما كانَ مَحبوساً، انكِسارُ السَّدِّ نَحوَ الخارِج. التَّقوى (و-ق-ي افتعل) إقامةُ السَّدِّ على ما يَنبَغي حَبسُه. الفِعلانِ مُتَعاكِسانِ في النَّفسِ ذاتِها: الأَوَّلُ يَكسِرُ الحِصن، والثَّاني يَبنيه. والآية تَقولُ إنَّ كِليهِما مُلهَمٌ، أَي مَعرِفَةُ كُلٍّ مِنهُما في النَّفسِ، ثُمَّ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ يَحسِمُ المَآل: الفَلاحُ لِمَن آثَرَ بِناءَ الحِصنِ على كَسرِه. انظُر الفُجور.

الإشكالات المَفتوحة

  • هل «التَّقوى» في القرآنِ خَوفٌ من الله أم شَيءٌ آخَر؟ الجَذرُ يَحسِمُ:

«وَقى» ليس «خافَ». الوِقايةُ فِعلُ الحارِسِ لا الخائِف. مَوقِفُنا: التَّقوى حِراسةٌ أَساسُها المَعرِفةُ بما يُضِرُّ، لا مُجَرَّدُ الهَيبة. الخَوفُ يَصِحُّ أن يَكونَ دافِعاً، لا أن يَكونَ الجَذرَ نَفسَه.

  • هل التَّقوى مَشروطةٌ بالإيمانِ السَّابِق أم تَسبِقُه؟ في ٢:٢

الكِتابُ هُدىً لِلمُتَّقين ثُمَّ وَصفُهُم يَبدَأُ بالإيمانِ بالغَيب. التَّقوى قَد تَسبِقُ الإيمانَ زَمَناً (الحِراسةُ الفِطرِيّة)، ثُمَّ الإيمانُ يُعمِّقُها. مَوقِفُنا: الدَّورةُ مُتَبادِلة.

  • التَّقوى مُلهَمَةٌ أم مُكتَسَبَة؟ ٩١:٨ ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا

وَتَقْوَاهَا﴾ تَجعَلُ التَّقوى مُلهَمَةً في النَّفس. والقُرآنُ يُكَلِّفُ بِها كَفِعلٍ يُمارَسُ ﴿اتَّقُوا﴾. مَوقِفُنا: الإلهامُ مَعرِفةٌ بِالطَّريق، لا حِصنٌ مَبنيّ. اللهُ يُلهِمُ كُلَّ نَفسٍ تَمييزَ الفُجورِ من التَّقوى، ثُمَّ يَبقى البِناءُ فِعلَ النَّفسِ ذاتِها. الإلهامُ يَفتَحُ بابَ المَعرِفة؛ التَّقوى تَفتَحُ بابَ البِناءِ بِما عُرِف.

  • هل التَّقوى حالٌ ثابِتةٌ أم فِعلٌ يَتَكَرَّر؟ الوَزنانِ

المُختَلِفانِ في القُرآنِ يُجيبانِ بِالاثنَين مَعاً: «المُتَّقون» (اسمُ فاعِلٍ ثابِت) يَدُلُّ على حالٍ، و«اتَّقوا، يَتَّقون» (فِعلٌ) يَدُلُّ على مُمارَسةٍ مُتَكَرِّرة. مَوقِفُنا: الحالُ ثَمَرةُ الفِعلِ المُتَكَرِّر. مَن يَتَّقي مَرَّةً لا يَصيرُ مُتَّقياً بِالاسم؛ ومَن صارَ مُتَّقياً يَستَمِرُّ في يَتَّقي.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن