هود والنَّصارى (تَجَمُّعاتٌ مُسَمَّاة)
«هود» جَمعُ هائِدٍ من هادَ، ومَبناهُ في الجَذرِ رُجوعٌ هادِئٌ إلى أصلٍ يُستَقَرُّ عَلَيه. «النَّصارى» جَمعُ نَصرانيٍّ، ومَبناهُ في الجَذرِ عَونٌ يُمسِكُ المَنصورَ ويُتابِعُه. اسمانِ لِنِسبَتَينِ مُختَلِفَتَي الجِهة، وهذا المَفهوم يُسَجِّلُ مَواضِعَ ذِكرِهِما مَعاً أو فُرادى. وأمّا عِلّةُ التَّسمِيَةِ نَفسُها فلا تُقَرَّرُ هُنا، وانظُر آخِرَ القِسمِ الأوَّل.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
اسمانِ من جَذرَينِ مُختَلِفَين، فلا تُقرَآنِ قِراءةً واحِدة.
هود، من ه-و-د:
- ه :: مَجرىً يَنفَتِحُ كُلُّه خالِياً، يَجري فيه النَّفَسُ
مَهموساً ثُمَّ يَخفُتُ مُتَلاشِياً. فالمَبدَأُ خُفوتٌ ورِقّة.
- و :: تَستَديرُ الشَّفَتانِ حَلقةً تَشتَمِلُ على المَجرى، فيَجري
الصَّوتُ وَصلاً مَمدوداً يَربِطُ ما قَبلَه بِما بَعدَه. فالوَسَطُ رَبطٌ بِما مَضى.
- د :: إطباقٌ يَحبِسُ بِضَغطٍ ثابِت. فالمُنتَهى **ثَباتٌ
يَستَقِرّ**.
فالتَّركيبُ: خُفوتٌ، فرَبطٌ بِما قَبل، فثَباتٌ. وهو ما في «هادَ»: رُجوعٌ هادِئٌ إلى أصلٍ يُستَقَرُّ عَلَيه.
النَّصارى، من ن-ص-ر:
- ن :: احتِباسٌ في الجَوفِ ثُمَّ **انبِعاثٌ من الباطِنِ إلى
الخارِج. فالمَبدَأُ خُروجٌ من الدّاخِل**.
- ص :: إطباقٌ صَلبٌ يَحصُرُ النَّفَسَ في مَجرىً ضَيِّق، ووَجهُه
الأوَّلُ الإطباقُ الصَّلبُ والإمساك. فالوَسَطُ إمساكٌ صَلب.
- ر :: خَفَقاتٌ مُتَوالِياتٌ يَجري النَّفَسُ من تَحتِها
مُستَرسِلاً. فالمُنتَهى تَوالٍ لا يَنقَطِع.
فالتَّركيبُ: خُروجٌ من الدّاخِل، فإمساكٌ صَلب، فتَوالٍ. وهو ما في «نَصَرَ»: عَونٌ يَخرُجُ من الباطِنِ فيُمسِكُ المَنصورَ ويُتابِعُه.
وما تَدفَعُه هذه القِراءة: أنَّ الاسمَينِ يَنتَهِيانِ إلى حَرَكَتَينِ مُتَقابِلَتَين، فالأوَّلُ يَنتَهي إلى ثَباتٍ يَرُدُّ إلى أصل، والثّاني إلى تَوالٍ يَمضي مَعَ المَنصور. فلَيسا اسمَينِ لِمِلَّتَينِ على قِياسٍ واحِد، بَل اسمانِ لِنِسبَتَينِ مُختَلِفَتَينِ في الجِهَة. وهذا هو مَوضِعُ الحَدِّ في ٢:١١٣، إذ يَقولُ كُلُّ فَريقٍ لِلآخَرِ «لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ» ونَظيرَه، «وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ». فالمُشتَرَكُ بَينَهُما الكِتاب، ولا واحِدَ من الاسمَينِ اسمٌ لَه: هذا اسمُ رُجوعٍ إلى أصل، وذاكَ اسمُ مُناصَرةٍ لِمَن يُناصَر. ولِذلك كانَتِ الدَّعوةُ في ٢:١٣٥ دَعوةً إلى اسمٍ، وكانَ الجَوابُ نِسبةً إلى شَخصٍ لا إلى فِرقة.
على أنَّ «النَّصارى» قَد تَكونُ نِسبةً إلى مَوضِع، فتَكونُ القِراءةُ أعلاهُ قِراءةَ حُروفِ الاسمِ لا قِراءةَ عِلّةِ التَّسمِية. يُعلَنُ هذا هُنا ولا يُبنى عَلَيه شَيءٌ بَعدَه.
الصِّيَغ: كيف تَرِدُ التَّسمِيَتانِ في القرآن
خَمسةُ مَواضِعَ في هذا النِّطاق، ولِكُلِّ تَسمِيةٍ صورَتان:
- «هُودًا» نَكِرةً مَنصوبةً (٢:١١١ و٢:١٣٥ و٢:١٤٠): ولا تَقَعُ إلّا
خَبَراً لِـ«كانَ» أو لِـ«كونوا»، أي وَصفاً يُدَّعى أو يُدعى إلى الدُّخولِ فيه.
- «الْيَهُودُ» مُعَرَّفةً مَرفوعةً (٢:١١٣ مَرَّتَينِ و٢:١٢٠): ولا
تَقَعُ إلّا فاعِلاً لِفِعلٍ ظاهِر، «قالَتِ» و«تَرضى».
- «نَصَارَىٰ» نَكِرةً (٢:١١١ و٢:١٣٥ و٢:١٤٠): مَعطوفةً بِـ«أو» على
التَّسمِيةِ الأولى في المَواضِعِ الثَّلاثةِ كُلِّها، لا تَنفَرِدُ عنها في هذا النِّطاق.
- «النَّصَارَى» مُعَرَّفةً (٢:١١٣ مَرَّتَينِ و٢:١٢٠): في مَقامِ
الطّائِفةِ القائِمةِ التي تَقولُ ويُقالُ فيها.
والقِسمةُ مُطَّرِدةٌ في المُسَجَّل: النَّكِرةُ لا تَجيءُ إلّا في كَلامٍ مَحكيٍّ عن مُدَّعٍ («وَقَالُوا»، «أَمْ تَقُولُونَ»)، والمُعَرَّفةُ لا تَجيءُ إلّا في إخبارٍ عن جَماعةٍ قائِمةٍ في الخارِج. ولا يَرِدُ في المُسَجَّلِ «هُود» مُعَرَّفاً بِالألِفِ واللّام، ولا «يَهود» نَكِرةً. فالصّيغةُ نَفسُها تُفَرِّقُ بَينَ الوَصفِ المُدَّعى والطّائِفةِ المَوجودة، وهذا فَرقٌ في الرَّسمِ قَبلَ أن يَكونَ فَرقاً في المَعنى.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
milla(المِلَّة، م-ل-ل): والآيةُ تَرُدُّ الاسمَ بِالمِلَّةِ في
نَفَسٍ واحِد: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (٢:١٣٥). فالتَّسمِيَتانِ اسمانِ لِلمُنتَسِبين، والمِلَّةُ اسمٌ لِلطَّريقةِ المَسلوكة. ودَعوةُ الآيةِ إلى الانتِساب، وجَوابُها بِتَسميةِ طَريقٍ لا طائِفة. وفي ٢:١٢٠ يُعَلَّقُ الرِّضا بِـ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾، فيُطلَبُ بِالاسمِ اتِّباعٌ لا مُجَرَّدُ تَسمِية.
hanif(الحَنيف، ح-ن-ف): والمُقابَلةُ في ٢:١٣٥ بَينَ اسمَينِ
يُجمَعانِ ووَصفٍ لا يُجمَعُ هُنا: «هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ» جَمعانِ يُدخَلُ فيهِما، و«حَنِيفًا» حالٌ مُفرَدةٌ لِإبراهيمَ وَحدَه. فالتَّسمِيَتانِ تَقومانِ على الانضِمامِ إلى جَماعة، والحَنيفِيّةُ تَقومُ على المَيلِ عن الباطِلِ ولَو لم تَكُنْ لِصاحِبِها جَماعة. ولِذلك زيدَ ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: نَفيُ انتِسابٍ، لا إثباتُ انتِسابٍ آخَر.
bani-israel(بَنو إسرائيل، ب-ن-و): والفَرقُ في جِهةِ
النِّسبة. «بَنو إسرائيل» نِسبةٌ إلى أبٍ لا يَدخُلُ فيها أحَدٌ ولا يَخرُجُ عنها بِاختِيارِه، والتَّسمِيَتانِ نِسبةٌ يُدعى إلَيها ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾ (٢:١٣٥). ولِذلك صَحَّ الأمرُ بِالثّانيةِ ولم يَصِحَّ بِالأولى، وصَحَّ في الثّانيةِ أن يُطالَبَ أصحابُها بِالحُجّةِ ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ (٢:١١١)، إذ الدَّعوى المُختارةُ تُسأَلُ عن دَليلِها.
المَواضع: مَواضِعُ التَّجَمُّعَين في هذا النِّطاق (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١١١ ﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح في هذا النِّطاق. الاحتِكارُ الجَنَّويُّ المُزدَوَج: كُلٌّ يَدَّعي الحِكرَ. «تِلكَ أَمانِيُّهُم»: الادِّعاءُ أُمنيةٌ لا دَليل.
- ٢:١١٣ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾: نَقضُ الآخَرِ مَعَ الاشتِراكِ في الكِتاب. «تَشابَهَت قُلوبُهُم»: الطَّرَفانِ في النِّزاعِ شَكلٌ واحِد.
- ٢:١٢٠ ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾: الرِّضا مَشروطٌ بِالانتِساب: لا رِضاءَ إلّا بِاتِّباعِ الخاصَّة.
- ٢:١٣٥ ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا﴾: الدَّعوةُ إلى الانتِساب. الرَّدُّ: «مِلَّةَ إبراهيمَ حَنيفاً».
- ٢:١٤٠ ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾: نَقضُ الادِّعاءِ التَّاريخيّ.
التَّقاطُعات
milla: «مِلَّتُهُم» مَنسوبةٌ إليهِما في ٢:١٢٠.bani-israel: اليَهودُ نِسبةٌ إلى بَني إسرائيل (انظُر بَنو إسرائيل).tafriq: ٢:١١٣ الآيَةُ الجامِعَةُ لِنَقضِ الآخَر.
الإشكالات المَفتوحة
- هل التَّسمِيَتانِ وَصفانِ ذَاتيَّانِ أم طَائِفيَّان؟ مَوقِفُنا: القُرآنُ يَستَعمِلُهُما دُونَ تَأييدٍ لِمَضمونِهِما الاحتِكاريّ: هما اسمانِ يَصِفُ بِهِما أَصحابُهُما أَنفُسَهُم، والقُرآنُ يَستَعمِلُهُما في سِياقِ نَقضِ ادِّعاءاتِهِما.