المِلَّة
التَّعريف الجَذريّ
الطَّريقةُ الجَمعيَّةُ الخاصَّةُ بِجَماعَةٍ ما، ما يَتَماسَكُ بِه أَفرادُها ويَميَّزونَ بِه أَنفُسَهُم. لَيسَت العَقيدةَ المُجَرَّدةَ بَل النَّهجُ الحَيَّ الذي يَجمَعُ الجَماعةَ ويُحَدِّدُ هُوِيَّتَها.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
الجَذرُ م-ل-ل:
- م — إطباقُ الشَّفَتَين. شِحنَتُه: تَجَمُّعٌ وتَلاصُق، جَمعٌ في كُتلَة.
- ل — تَعَلُّقٌ يَمتَدُّ. شِحنَتُه: جِسرٌ يَصِل.
- ل (الثَّانيَةُ / تَضعيف): التَّكرارُ يُعَمِّقُ التَّعَلُّقَ ويُكَثِّفُه.
النَّواةُ مَل (م + ل) = تَجَمُّعٌ يَمتَدُّ، كُتلةٌ تَتَعَلَّقُ بِأَطرافِها. التَّضعيفُ بِـل الثَّانيةِ يُكَثِّفُ التَّعَلُّق: تَجَمُّعٌ مُكَثَّفُ التَّعَلُّقِ، حَشدٌ مُتَلاصِقٌ يَحتَفِظُ بِكُلِّ فَردٍ ضِمنَه — الطَّريقةُ التي تَتَلاصَقُ بِها الجَماعةُ وتُميَّزُ بِها عَن غَيرِها.
ومِن هذا الجَذرِ في كَلامِ العَرَب:
- المِلَّة = الطَّريقةُ الجَمعيَّة، الدِّينُ المَحلِيُّ للجَماعة.
- المِلَلُ والنِّحَل = التَّصنيفاتُ الدِّينيَّةُ في كُتُبِ التَّاريخ.
- «مَلَّ» = سَئِمَ وكَلَّ — ربَّما من الجَذرِ نَفسِه بِاشتِراكِ الشِّحنة (الكُتلةُ التي تَتَعَلَّقُ وتَبقى حتّى تُتعِب).
الصِّيَغ
- مِلَّتَهُم (مُضافٌ + ضمير): المِلَّةُ مَنسوبةٌ إلى صاحِبِها — مِلَّةُ اليَهودِ ومِلَّةُ النَّصارى: الطَّريقةُ الجَمعيَّةُ لِكُلٍّ مِنهُم.
- مِلَّةَ إبراهيم (مُضافٌ + اسمٌ عَلَم): المِلَّةُ مَنسوبةٌ إلى إبراهيمَ — الطَّريقةُ الجَمعيَّةُ التي دَشَّنَها ودَعا إليها.
الفُروق المَعنويّة — الجَذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى
din(الدِّين) — الدِّينُ أَعَمُّ: المَنهَجُ الكُلِّيُّ. المِلَّةُ أَخَصُّ: الطَّريقةُ الجَمعيَّةُ لِجَماعَةٍ بِعَيرِها في زَمَنٍ مُعَيَّن.
المَواضع — مَواقِعُ المِلَّةِ في القُرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٢٠ ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ — مَوضِعُ الافتِتاحالمِلَّةُ هنا المَطلوبُ اتِّباعُها: كُلٌّ يَطلُبُ من النَّبيِّ أن يَنخَرِطَ في طَريقَتِه الجَمعيَّةِ الخاصَّة. الرَّدُّ: «هُدى اللهِ هو الهُدى» — الهِدايةُ لا تَتَعَيَّنُ بِطَريقَةٍ جَمعيَّةٍ بَشَريَّة. والتَّحذيرُ: «إن اتَّبَعتَ أهواءَهُم بَعدَ الذي جاءَكَ من العِلمِ» — المِلَّةُ المُتَّبَعةُ لِغَيرِ الهِداية هي هَوىً لا طَريقة.
- ٢:١٣٠ ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ — التَّطوُّرُ الثَّاني. مِلَّةُ إبراهيمَ ليسَت مِلَّةَ «هودٍ أو نَصارى» في مُزاعَمِ الطَّرَفَين، بَل مِلَّةٌ أَسبَق. والإعراضُ عَنها لا يَكونُ إلا مِن «سَفِهَ نَفسَه» — من أَضاعَ الرُّشدَ في تَقديرِ القِيَم.
- ٢:١٣٥ ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ — التَّعيينُ المُباشِر: البَديلُ عَن المِلَلِ الطَّائِفيَّةِ هو مِلَّةُ إبراهيمَ حَنيفاً. «حَنيفاً» قَيدٌ: المِلَّةُ الحَنيفُ ليسَت مِلَّةَ جَماعَةٍ مُغلَقةٍ بَل الطَّريقةُ المُنحَرِفةُ نَحوَ الحَقِّ وَحدَه. «وَما كانَ مِنَ المُشرِكين»: نَفيُ الانتِسابِ إلى أَيٍّ مِنَ الجَماعاتِ المُتَنازِعَة.
التَّقاطُعات — مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
hawa— في ٢:١٢٠ المِلَّةُ المَطلوبةُ اتِّباعاً هي هَوىً: «أهواؤُهُم» بَدَلٌ مِن «مِلَّتُهم».hanif— في ٢:١٣٥ القَيدُ الذي يُحَدِّدُ مِلَّةَ إبراهيم.ibrahim— الاسمُ المُضافُ إليه المِلَّةَ في مَوضِعَين.
الإشكالات المَفتوحة
- هل «مِلَّةُ إبراهيم» في القُرآنِ مُرادِفةٌ للإسلام أم أَعَمُّ منه؟ مَوقِفُنا: الآياتُ تَجعَلُها سابِقةً على مِلَلِ اليَهودِ والنَّصارى، ومُتَّسِقةً مَعَ الإسلامِ لا مُغايِرةً له.