الكِتاب
حَبسٌ دَقيقٌ للمَعاني يُثبِّتُها، ثُمَّ إخراجٌ إلى مَن يَقبَلُها.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ك: حرفٌ خَلفيٌّ حَنَكيٌّ. شِحنَتُه: كَتمٌ وقَطع، امتِساكٌ يَحبِسُ
ولا يُفرِج. وما جَرَدناهُ من كَلامِ العَرَبِ فيه يَدورُ على الكَتمِ والإمساك.
- ت: طَرقٌ خَفيفٌ للِّسانِ على أصولِ الثَّنايا. شِحنَتُه: قَرعٌ دَقيقٌ
يَحتَبِسُ قَليلاً ثُمَّ يَنفَلِتُ إلى تَمام. دِقَّةُ اللَّمسةِ لا ثِقَلُها.
- ب: انطِباقُ الشَّفَتَين ثُمَّ انفِتاحُهُما. شِحنَتُه: اتِّصالٌ
يَتَمَسَّك، ثُمَّ يَفتَحُ على ما بَعدَه. (الشِّحنةُ ذاتُها في الرَّبّ القِسم ١.)
النَّواةُ كت (ك + ت) = حَبسٌ مُحكَمٌ بدِقَّة، إمساكُ الشَّيءِ وضَبطُه بلَمسةٍ مُتقَنة. الإغلاقُ بـب يَفتَحُ هذا الحَبسَ إلى الخارج، فيَصيرُ الجَذرُ كلُّه: حَبسٌ دَقيقٌ للشَّيءِ يَحفَظُه، ثُمَّ إخراجٌ منضَبِطٌ إلى مُتَلَقٍّ.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- كَتَبَ: ضَبَطَ الحَرفَ على الوَرَق. الكِتابةُ أَصلاً حَبسُ الحَرفِ
في صورتِه وإخراجُه إلى المَرئيّ.
- الكِتاب: ما حُبِسَت فيه المَعاني وخَرَجَت بهِ إلى القارئ.
- كَتَبَ علَيه: حَكَمَ وألزَمَه (المَعنى قَرَّرَه وثَبَّتَه كتَثبيتِ
الكِتابة). هذا المَعنى يَردُ في «كُتِبَ علَيكُمُ الصِّيام» وفي «كُتِبَ علَيكُمُ القِتال».
الشِّحنةُ الجامعةُ للجَذرِ ك-ت-ب: إمساكٌ دَقيقٌ يُثبِّتُ ما لَو تَرَكَه انفَرَطَ، ثُمَّ إخراجٌ مُنضَبِطٌ إلى مَن يَستَقبِله. الكِتابُ حِفظٌ أوّلاً، ثُمَّ تَواصُلٌ. مَا لَم يُكتَب ضاعَ في الهَواء.
المِفتاحُ البِنيَويُّ، الكِتابُ كَأَداةِ تَثبيتٍ في إطارِ الزَّمَن: الكِتابُ ليسَ قانوناً ولا إطاراً، بَل أَداةٌ تَعمَلُ ضِدَّ النِّسيانِ والانفِراطِ في إطارِ الدِّينِ الزَّمَنيّ. ما يَنفَلِتُ من القَلبِ والسَّمعِ يَحفَظُه الكِتاب؛ ما يَتَفَلَّتُ في الأَجيالِ تَنقُلُه الكِتابةُ إلى ما بَعدَ المُعاصِرين.
ولِذلكَ يَتَجَلَّى الجَذرُ في القُرآنِ في وَجهَين: 1. كِتابةٌ إلَهيَّةٌ نازِلة: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ﴾ (٢:٢)، ﴿نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ (٢:١٧٦). تَثبيتُ المَعاني الإلَهيَّةِ ضِدَّ ضَياعِها في اللَّفظِ الشَّفهيّ. 2. كِتابةٌ بَشَريَّةٌ مُوَثِّقة: ٢:٢٨٢ (آيةُ الدَّين)، أَطوَلُ آياتٍ القُرآنِ تُؤَطِّرُ الكِتابةَ كَأَداةٍ ضِدَّ نِسيانِ التَّعامُلاتِ المالِيَّة. الكِتابُ يَحفَظُ ما يَنسى الإنسان.
الوَزنانِ مُتَناظِران: الكِتابُ الإلَهيُّ يَحفَظُ المَعاني الكُلِّيَّة، والكِتابُ البَشَريُّ يَحفَظُ المَعاني الجُزئيَّة. كِلاهُما عَمَلٌ ضِدَّ الانفِراطِ في الزَّمَن.
وَجهُ ثالِثٌ، «كُتِبَ عَلَيكُم»: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٢:١٨٣)، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ (٢:٢١٦). الكِتابةُ هَنا تَفرِضُ الفِعلَ، تُثَبِّتُه في ذِمَّةِ المُكَلَّفِ كَالوَديعةِ المَكتوبَةِ في حِسابِه. الفِعلُ المَكتوبُ لا يَنفَلِتُ من الذِّمَّةِ بِسُكوتٍ أَو ادِّعاء.
التَّمييزُ مَع aya: الكِتابُ هو الجامِعُ، والآيةُ هي الوَحدةُ المُفرَدةُ فيه. الكِتابُ الإطار، الآيةُ المُحتَوى. انظُر الآيات.
الصِّيَغ: كيف يَردُ «الكِتاب» في القرآن
- الكِتاب (اسمٌ مُعَرَّف بـال، وَزنُ فِعال): وَزنُ «فِعال» في العَربيّة
يَدُلُّ على الأداةِ أو الوِعاء. «الكِتاب» بهذا الوَزن هو الوِعاءُ الذي يَحبِسُ المَعاني ويَحمِلُها، لا الفِعلَ ذاتَه. التَّعريفُ بـال يَجمَعُه إلى مَعهودٍ يَعرِفُه السّامِع: كِتابٌ مَخصوصٌ مُعَيَّن.
- كَتَبَ، يَكتُب (فِعلٌ مُجَرَّد): الفِعلُ في صورتِه الزَّمَنيّة.
يَردُ في سِياقَين: كِتابةٌ بشَريّةٌ (الكاتِب والمَكتوب إليه)، وكِتابةٌ إلهيّةٌ (الفَرضُ والحُكمُ اللّازِم). الوَزنُ نَفسُه، والجَذرُ نَفسُه، لكنَّ الفاعِلَ هو الذي يُحَدِّدُ العُمق.
- كُتِبَ (بِناءٌ للمَجهول): حَدَثٌ مُثبَّتٌ من فاعِلٍ مَحذوف. الغالِبُ
في القرآنِ أنّ الفاعِلَ المَحذوفَ هو الله، وحَذفُه تَأدُّبٌ لا تَجهيل.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: في كلِّ صيغةٍ من هذه الصِّيَغ، تَبقى شِحنةُ
«الحَبسِ الدَّقيق ثُمَّ الإخراج» قائمة. الوَزنُ يُحَدِّدُ مَن يَفعَلُ
ومَتى ومَن يَستَقبِل، لكنَّ الشِّحنةَ واحِدة.
الفُروق المَعنويّة: الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى
(لا فُروعَ مَعنَوِيّةً مُتَمَيِّزةً تَستَحِقُّ مَفهوماً مُنفَصِلاً تَحتَ ك-ت-ب. كلُّ صِيَغِه في القرآنِ تَدورُ على الشِّحنةِ نَفسِها: الحَبسُ الدَّقيقُ والإخراجُ المُنضَبِط.)
المَواضع: مَواقعُ الكِتابِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٢ ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾: مَوضعُ
الافتِتاح. الكِتابُ يَدخُلُ القرآنَ مُعَرَّفاً بـال مَحمولاً باسمِ الإشارةِ «ذَٰلِكَ» البَعيدة، لا «هذا» القَريبة. الإشارةُ إلى البَعيدِ تَكشِفُ أنَّ المُشارَ إليه في حَقيقَتِه يَتَجاوَزُ المَسافةَ الحِسِّيّةَ بَين القارئِ والوَرَق: الكِتابُ أَصلُه عندَ اللهِ (ما يُسَمّى «أُمَّ الكِتاب» في مَواضِعَ أُخرى)، وما في يَدِ القارئِ انعِكاسٌ من تلك الحَقيقة. الجَذرُ يُؤَكِّدُ هذا: الحَبسُ الدَّقيقُ هو ما في اللَّوحِ المَحفوظ، والإخراجُ المُنضَبِطُ هو تَنزيلُه إلى المُتَلَقِّي. ثُمَّ يَنفي النَّصُّ عنه الرَّيبَ نَفياً صَريحاً: ليست فيه شُقوقٌ يَستَرسِلُ فيها الاضطِراب. ثُمَّ يُحَدِّدُ مَن يَفتَحُه: «هُدًى لِلمُتَّقين».
- ٢:٤٤ ﴿وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾: الكِتابُ بِوَصفِه مَا يُتلى. التِّلاوةُ في جَذرِها اتِّباعٌ بِالقَدَمِ (انظُر التِّلاوة). الكِتابُ هُنا ما يُدَّعى اتِّباعُه باللِّسانِ مَعَ انحِرافِ القَدَم. الجَديدُ: الكِتابُ حُجَّةٌ على صاحِبِه لا مَدَحٌ له.
- ٢:٥٣ ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: المَوضِعُ الأَوَّلُ الذي يُقرَنُ فيه الكِتابُ بِالفُرقان. الكِتابُ هُنا الجانِبُ الثّابِتُ المَجموعُ (ما حُبِسَ من النَّصِّ في وِعاءٍ)، والفُرقانُ الآلةُ التي تَفصِلُ في الحالاتِ الجَديدة. الاقتِرانُ بِالواوِ اقتِرانُ تَوزيعٍ لا ترادُف: نَصٌّ يُحفَظ ومِيزانٌ يُقاسُ بِه. والغايةُ مَأمولةٌ لا مَضمونة: «لَعَلَّكُم تَهتَدون». انظُر الفُرقان لِلتَّفصيلِ في الجانِبِ الفارِق.
- ٢:٨٥ ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾: الكِتابُ وَحدةٌ لا يَجوزُ تَشقيقُها. مَن آمَنَ بِبَعضٍ وكَفَرَ بِبَعضٍ خَرَقَ وَحدَةَ الكِتابِ لا بَعضَ بُنودِه.
- ٢:٨٧ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ … وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ و٢:٨٩ ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾: الكِتابُ خَطٌّ مُتَّصِل: ما مَعَ موسى، ثُمَّ ما أُوتيَ عيسى، ثُمَّ ما نَزَلَ مُصَدِّقاً. وَحدَةُ الخَطِّ مُقابِلَ انتِقاءِ الإيمانِ بِبَعضِه.
- ٢:١٠١ ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾: النَّبذُ لِكِتابِ اللَّهِ: «وَراءَ ظُهورِهِم» يُخرِجُه من حَيِّزِ العَمَلِ مَعَ إبقائِه في الاسمِ. الكِتابُ يُحتَفَظُ بِه تُراثاً لا مَرجِعاً.
- ٢:١١٣ ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾: تَناقُضٌ حادٌّ: يَتلونَ الكِتابَ ويَقولُ بَعضُهم إنَّ الآخَرَ لَيسَ على شَيء. الكِتابُ المَتلوُّ لَم يَمنَعِ الاتِّهامَ المُتَبادَل. الجَديدُ: التِّلاوةُ لَيسَت ضَماناً للعَمَلِ بِما تَحمِل، الكِتابُ يَجري على اللِّسانِ دونَ أن يَعمَلَ في القَلب.
- ٢:١٢١ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾: «حَقَّ تِلاوَتِه» يُعَرِّفُ التِّلاوةَ الصَّحيحة. الكِتابُ المُتلوُّ «حَقَّ تِلاوَتِه» يَكونُ مَصدَرَ الإيمانِ، «أُولئِكَ يُؤمِنونَ بِه». والكِتابُ الذي يُتلى غَيرَ ذَلِكَ يُنتِجُ الكُفرَ والخُسران. التَّمييزُ بَين كِتابَين في الحَقيقةِ هو تَمييزٌ بَين تِلاوَتَين.
- ٢:١٢٩ ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾: الكِتابُ أَحَدُ ما طَلَبَه إبراهيم: وَظيفةُ الرَّسولِ تَعليمُ الكِتاب. الجَديدُ: الكِتابُ لا يَكفي وَحدَه، «والحِكمةُ» شَريكُه. الكِتابُ المَواد، والحِكمةُ المَنهَجُ الذي يَضَعُه في مَوضِعِه. انظُر الحِكمة.
- ٢:٢٨٢ ﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ﴾: أَطوَلُ آيَةٍ في القُرآنِ تَدورُ حَولَ فِعلِ الكِتابَة: كَتَبَ، يَكتُب، كاتِب. الكِتابُ هُنا في صورَةِ الفِعلِ والفاعِلِ المُعَيَّن، لا في صورَةِ المُنَزَّل. الجَديدُ: الكِتابُ بُنيَةٌ مُنتَشِرَةٌ في الحَياةِ كُلِّها، تَنظيمُ الدُّيونِ كِتابَةٌ مَطلوبَة. الجَذرُ يَنطِقُ بِنَفسِه: تَجميعُ ما يَنبَغي حِفظُه في صورَةٍ ثابِتَة. انظُر الكاتِب والدَّين.
- ٢:٢٨٥ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾: الكِتابُ في صورَةِ الجَمعِ «كُتُبِه». الجَديدُ: الكِتابُ يُؤمَنُ بِه في رُباعيَّةِ الإيمانِ (الله، مَلائكَتُه، كُتُبُه، رُسُلُه). جَمعُ «كُتُب» يَفتَحُ لا يُغلِق: لَيسَ كِتاباً واحِداً فَحَسب بَل كُلُّ ما أُنزِلَ من كِتاب. الإيمانُ بِالكُتُبِ كُلِّها شَرطُ الإيمانِ الكامِل. انظُر الإيمان.
- ٣:٣ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾: الجَديدُ: فِعلانِ مُتَقابِلانِ في آيةٍ واحِدة: «نَزَّلَ» بِالتَّضعيفِ لِلكِتاب، و«أَنزَلَ» لِلمُسَمَّينِ قَبلَه، فيَتَمَيَّزُ النُّزولُ المُفَرَّقُ من النُّزولِ الجُملة. والحالُ «مُصَدِّقاً لِما بَينَ يَدَيه» تَجعَلُ الكِتابَ مُثَبِّتاً لِما سَبَقَه لا ناقِضاً له، فتَنتَظِمُ الثَّلاثةُ في جِنسٍ واحِد. وهذا يَزيدُ على ٢:٢: هُناكَ الكِتابُ مُشاراً إليه بِبَعيدٍ في نَفسِه، وهُنا مَوصولاً بِما قَبلَه في الزَّمَن.
- ٣:٧ ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾: الجَديدُ: أوَّلُ مَوضِعٍ يُقَسَّمُ فيه الكِتابُ من داخِلِه: «مِنه» تَبعيضيّةٌ تَجعَلُ لَه أجزاءً مُختَلِفةَ الحُكم، ثُمَّ يُسَمّى بَعضُه «أُمَّ الكِتاب»، فيَصيرُ الاسمُ مُضافاً إلى نَفسِه: أصلٌ داخِلَ الكِتابِ تَرجِعُ إليه بَقيَّتُه. وهذا يُفَصِّلُ ما أُجمِلَ في ٢:٢ من نَفيِ الرَّيب: النَّفيُ عن الكِتابِ جُملةً، والحَوافُّ التي يَتَّبِعُها مَن في قَلبِه زَيغٌ مَوصوفةٌ بِالتَّشابُهِ لا بِالرَّيب. انظُر الآيات.
- ٣:٢٣ ﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾: الجَديدُ: الإيتاءُ يُقَيَّدُ هُنا بِـ«نَصيباً من الكِتاب» لا بِالكِتابِ كُلِّه، فيَظهَرُ أنَّ الحِيازةَ قَد تَكونُ جُزئيّةً بِنَصِّ الآية. ثُمَّ يَقَعُ الاسمُ مَرَّةً ثانيةً مُضافاً «كِتابِ الله» في مَوقِعِ المَدعُوِّ إليه لِيَحكُم، فالكِتابُ حَكَمٌ يُدعى إليه لا نَصٌّ يُملَك. والمُقابَلةُ بَينَ النَّصيبِ المَأخوذِ والكِتابِ المَدعُوِّ إليه هي مَوضِعُ التَّوَلّي.
- ٣:٤٨ ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾: الجَديدُ: يُعطَفُ على «الكِتاب» اسمانِ مُعَيَّنانِ من جِنسِه، فيَتَبَيَّنُ أنَّ اللَّفظَ في هذا التَّعليمِ جِنسٌ لا واحِدٌ مِمّا سُمِّي بَعدَه. وهو أوَّلُ مَوضِعٍ يَقَعُ فيه تَعليمُ الكِتابِ لِمُفرَدٍ بِعَينِه، بَعدَ أن كانَ في ٢:١٢٩ و٢:١٥١ تَعليماً لِجَماعة. انظُر الحِكمة.
- ٣:٧٨ ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾: الجَديدُ: الاسمُ يَتَكَرَّرُ ثَلاثاً في جُملةٍ واحِدة، ومَوضوعُ الجُملةِ حَدُّ الكِتابِ نَفسُه: ما يَدخُلُ فيه وما لا يَدخُل. فبَعدَ أن كانَ الخَلَلُ في البَقَرةِ كِتماناً لِما فيه (٢:١٥٩) أو نِسياناً لِحَظٍّ مِنه، يَصيرُ هُنا إلحاقاً بِه لِما لَيسَ مِنه. وأداةُ الإلحاقِ لَيسَت قَلَماً بَل لِساناً يُلوى، فالحَدُّ يُخرَقُ في النُّطقِ لا في النَّسخ.
- ٣:٧٩ ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ﴾: الجَديدُ: يُنفى هُنا أثَرٌ مُعَيَّنٌ لِإيتاءِ الكِتاب: أن يَصرِفَ حائزُه النّاسَ إلى نَفسِه. والبَديلُ المَذكورُ «كونوا رَبّانيّينَ» مُعَلَّلٌ بِفِعلَين مِنَ الكِتابِ نَفسِه: «بِما كُنتُم تُعَلِّمونَ الكِتاب» و«بِما كُنتُم تَدرُسون». فالكِتابُ في هذا المَوضِعِ سَبَبٌ يُنتِجُ نِسبةً إلى الرَّبِّ لا نِسبةً إلى المُعَلِّم.
- ٣:٨١ ﴿لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ﴾: الجَديدُ: الاسمُ يَرِدُ نَكِرةً مَجروراً بِـ«مِن» البَيانيّة، فيَتَّسِعُ لِكُلِّ ما أوتيَ النَّبِيّونَ لا لِواحِدٍ مُعَيَّن. وما أوتوهُ يَصيرُ نَفسُه مادّةَ ما يُلزَمونَ بِه، ثُمَّ يوصَفُ الآتي بَعدَهُم بِأنَّه «مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُم»، وهي الصِّفةُ التي وُصِفَ بِها الكِتابُ في ٣:٣. فالتَّصديقُ يَجري في الاتِّجاهَين: كِتابٌ يُصَدِّقُ ما قَبلَه، ومِيثاقٌ يَأخُذُ على أهلِ ما قَبلَه أن يُؤمِنوا بِه. انظُر الميثاق.
- ٣:١٤٥ ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾: الجَديدُ: اللَّفظُ يَخرُجُ هُنا عن مَعنى المَتلوِّ إلى مَعنى المَفروضِ المُوَقَّت: «كِتاباً» نَكِرةً مَنصوبةً، ونَعتُها «مُؤَجَّلاً» يَجعَلُ لَه أجَلاً مَضروباً. فالجَذرُ الذي يَحبِسُ ثُمَّ يُخرِجُ بِانضِباطٍ يَظهَرُ هُنا في الأجَل: ما كُتِبَ مَحبوسٌ إلى وَقتِه ثُمَّ يَخرُجُ في مَوعِدِه. وهذا وَجهٌ لم تَحمِلْه المَواضِعُ السّابِقةُ في هذا المَفهوم. انظُر المَوت.
- ٣:١٨٧ ﴿مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾: الجَديدُ: الإيتاءُ يُقرَنُ هُنا بِالتِزامٍ صَريحٍ في مَضمونِه: بَيانٌ لِلنّاسِ ونَفيُ كِتمان. فما كانَ في ٢:١٥٩ ذَمّاً لِمَن كَتَمَ يَصيرُ هُنا شَرطاً مَأخوذاً عِندَ الإيتاءِ نَفسِه: الكِتابُ لا يُملَكُ إلّا بِإخراجِه، والحِيازةُ فيه أمانةُ إظهارٍ لا حَقُّ اختِصاص. انظُر الميثاق.
- ١٧:٢ ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: الجَديدُ: يُقرَنُ الكِتابُ بِجَعلٍ مُنجَزٍ لا بِرَجاء. كانَ في ٢:٥٣ ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ غايةً مَأمولة، وفي ٢:٢ هُدىً مَشروطاً بِحالِ القارِئ، فيَصيرُ الهُدى هُنا صِفةً مَجعولةً في الكِتابِ نَفسِه لِقَومٍ مُسَمَّين. فالهُدى في الوِعاءِ قَبلَ أن يَكونَ في المُتَلَقّي.
- ١٧:٤ ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾: الجَديدُ: يَصيرُ الكِتابُ ظَرفاً لِقَضاءٍ في ما لم يَقَعْ بَعد، لا نَصّاً يُتلى ولا حُكماً يُتَّبَع. والمَقضِيُّ مَذكورٌ بَعدَه بِلامٍ ونونِ تَوكيدٍ «لَتُفْسِدُنَّ»، فما في الكِتابِ خَبَرٌ مُثبَتٌ عن آتٍ. وهذا وَجهُ الجَذرِ في الأجَل: حَبسٌ دَقيقٌ إلى وَقتِه ثُمَّ إخراجٌ مُنضَبِط، كَما قُرِئَ في ٣:١٤٥.
- ١٧:١٣ ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾: الجَديدُ: يَقَعُ الفِعلانِ اللَّذانِ يَقومُ عليهِما الجَذرُ في الآيةِ نَفسِها: الحَبسُ في ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾، والإخراجُ في «وَنُخْرِجُ لَهُ». و«مَنشُورًا» تُتِمُّ الصّورة: ما كانَ مَطوِيّاً مُلزَماً يَخرُجُ مَبسوطاً. وهو أوَّلُ كِتابٍ في هذا المَفهومِ مَوضوعُه صاحِبُه لا خَبَرٌ يُبَلَّغُ إليه. انظُر الإِخراج.
- ١٧:١٤ ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾: الجَديدُ: يُؤمَرُ الإنسانُ بِقِراءةِ كِتابٍ مُضافٍ إليه هو. وكانَتِ التِّلاوةُ في ٢:٤٤ و٢:١١٣ و٢:١٢١ لِكِتابٍ يَأتي من خارِج، فيَصيرُ المَقروءُ هُنا ما خَرَجَ منه. ويَتلوهُ ﴿كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾، فالقارِئُ والمَقروءُ والمُحاسِبُ واحِد.
- ١٧:٧١ ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾: الجَديدُ: يُقرَنُ الكِتابُ بِالإيتاءِ كَما في ٢:١٠١ وما بَعدَه، لَكِنَّ المُؤتى هُنا كِتابُ المُؤتى لا كِتابُ الله، والحِيازةُ تُوصَفُ بِجِهَتِها «بِيَمِينِهِ». ثُمَّ يُنقَلُ الضَّميرُ من الإفرادِ إلى الجَمع، فتَصيرُ القِراءةُ فِعلَ جَماعةٍ كُلٌّ في كِتابِه. انظُر الإتيان / الإيتاء.
- ٢٠:٥٢ ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ … لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾: الجَديدُ: يُنفى عن الكِتابِ ما قَد يُظَنُّ أنَّه عِلَّتُه. تُثبِتُ الآيةُ العِلمَ في كِتابٍ ثُمَّ تَنفي عن صاحِبِه الضَّلالَ والنِّسيان، فيَنقَطِعُ أن يَكونَ الكِتابُ حِفظاً لِما يُخشى فَواتُه. والنَّكِرةُ «كِتَابٍ» تُبقيه جِنساً لا مُعَيَّناً، والمَظروفُ فيه عِلمُ القُرونِ الأولى.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
rayb: التَّجاوُرُ المُقابِلُ في ٢:٢. «لا رَيبَ فيه» يَنفي عن
الكِتابِ ضِدَّه المَعنَويَّ الأَوَّل.
hidaya: التَّجاوُرُ الوَظيفيُّ في ٢:٢. الكِتابُ حِفظٌ وإخراج،
والهِداية فَتحُ الطَّريقِ إلى مَن استَعَدَّ. الكِتابُ هو حامِلُ الهِداية.
taqwa: التَّجاوُرُ الشَّرطِيُّ في ٢:٢. الكِتابُ لا يُعطي هِدايَتَه
لكلِّ قارئ، بَل للمُتَّقي الذي حَرَسَ قَلبَه وهَيَّأَه.
inzal: ارتِباطٌ جَذريٌّ بالتَّنزيل في ٢:٤. ما أُنزِلَ هو هذا
الكِتاب. التَّنزيلُ فِعلُ الإنزالِ والكِتابُ الوِعاءُ الذي حَمَلَه.
الإشكالات المَفتوحة
- ما الفَرقُ بَين «الكِتاب» و«القرآن» في اصطِلاحِ هذه السُّورة؟
الآيةُ ٢:٢ تُسَمِّي «الكِتاب» ولا تُسَمِّي «القرآن» في هذا المَوضِع. قراءتُنا الأوَّليّة: الكِتابُ هو الجانِبُ النَّظَريُّ المَحفوظ (الحَبسُ الدَّقيق)، والقرآنُ هو تَفعيلُه في القِراءةِ وَالسُّلوك (الجَريانُ والتَّكرار). إشكالٌ مَفتوحٌ على مَواضِعَ لاحِقة.
- **هل «كُتِبَ علَيكُم» (الإلزام) و«كَتَبَ» (التَّحرير) شِحنَتان
مُتَضادَّتان أم وَجهانِ لجَذرٍ واحِد؟** الجَذرُ يَجمَعُهُما: كلاهُما إثباتٌ لَا يَتَرَاجَع. الإلزامُ وَالتَّحريرُ صِياغَتانِ عَلائِقيّتان، لا جَذرانِ مُختَلِفان. سَيُسَجَّلُ التَّمييزُ حين تَلتَقي الصِّيَغُ في آياتٍ مَكتوبة.