الإِنباء
إِخبارٌ بِأَمرٍ ذي شَأنٍ يَبرُزُ من الباطِنِ بِتَأكيد. لَيسَ أيَّ قَولٍ بَل ما يَحمِلُ ثِقلاً ويَخرُجُ من عُمق.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ن: رَنينٌ أَنفيٌّ، صَوتٌ يَتَشَكَّلُ في الجَوفِ ثُمَّ يَنبَعِث.
شِحنَتُه: انبِعاثٌ من الباطِن، رَنينٌ يَخرُج.
- ب: انطِباقُ الشَّفَتَين ثُمَّ انفِتاحُهما. شِحنَتُه: ظُهورٌ
وبُروز، خُروجٌ من داخِلٍ إلى خارِج.
- أ: هَمزةٌ جَلجَليّة. شِحنَتُه: تَأكيدٌ وقَطع، ابتِداءٌ حادّ.
النَّواةُ نب (ن + ب) = انبِعاثٌ من الباطِنِ يَظهَرُ ويَبرُز: ما كانَ في العُمقِ يَخرُجُ ظاهِراً. الإغلاقُ بـأ يُثَبِّتُ هذا البُروزَ ويُؤَكِّده، فيَصيرُ الجَذرُ: خَبَرٌ يَنبَعِثُ من الباطِنِ بِقُوَّةٍ مُؤَكَّدة. ومنه «النَّبِيُّ»: من يَنبَعِثُ من باطِنِ الغَيبِ بِتَأكيدٍ إلهيّ. و«النَّبَأ»: الخَبَرُ العَظيمُ الذي يَبرُزُ بِثِقَل.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- أَنبِئوني (أَمرٌ جَمع): في ٢:٣١. طَلَبُ الإِخبارِ الثَّقيلِ
المُؤَكَّد. لَيسَ «قولوا لي» بَل «أَظهِروا لي من باطِنِكُم بِثِقَل».
- أَنبَأَهُم (ماضٍ، وَزنُ الإفعال): في ٢:٣٣. آدمُ نَفَّذَ الإِنباء:
أَظهَرَ ما حَمَلَه.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: وَزنُ الإفعالِ في «أَنبَأَ» يُفيدُ التَّعديةَ
(جَعَلَه يَنبُؤ). الشِّحنةُ، الانبِعاثُ الثَّقيلُ من الباطِن، من الجَذر.
المِفتاحُ البِنيَويُّ، الإنباءُ كَالقَناةِ التي تَنقُلُ الإدراكَ الغَيبِيَّ إلى الظَّاهِر: الإنباءُ لَيسَ قانوناً بَل الآليَّةُ التي تَنقُلُ المَعرِفَةَ من الغَيبِ إلى الشَّهادَة. كَما أنَّ الإنزالَ يَنقُلُ الكَلِمَة، الإنباءُ يَنقُلُ السِّمَة:
- في الأَسماء (٢:٣١، ٢:٣٣): «أَنبِئوني بِأَسماءِ هؤلاء»: التَّعيينُ
بِالسِّمَة.
- في التَّعليم: الإنباءُ يَلي التَّعليم: ما عُلِّمَ آدَمُ يُنبَأُ بِه.
- في الغَيب (٢:٣٣): «أَلَم أَقُل لَكُم إنّي أَعلَمُ غَيبَ السَّماواتِ
والأَرض»، الإنباءُ تَجَلٍّ لِلعِلمِ الغَيبيّ.
- في النَّبيِّ: من نَفسِ الجَذرِ: النَّبيُّ مَن يُنبَأُ من الغَيب.
الإنباءُ إذَن مَنفَذٌ مَعرِفيٌّ يَنقُلُ من الباطِنِ إلى الظَّاهِر بِثِقَل: لا قَولٌ عابِرٌ بَل تَأكيدٌ مَعَ بُروز. ما يُنبَأُ بِه شَيءٌ ذو شَأن. ولِذلكَ يَلتَقي الإنباءُ بِالنُّبُوَّةِ في الجَذرِ نَفسِه: النَّبيُّ يَستَقبِلُ الإنباءَ من الله، ويَنقُلُه إلى النَّاس.
والجَذرُ يَكشِفُ هذا: انبِعاثٌ من الباطِن (ن)، ظُهورٌ يَبرُز (ب)، تَأكيدٌ حادّ (أ). الإنباءُ هو الانبِعاثُ الظَّاهِرُ المُؤَكَّد: ليسَ نَفَساً يَخرُجُ بِلا قَصد، بَل خَبَرٌ يُعلَنُ بِثِقَل. وَزنُ الإفعال (أَنبَأَ) يَكشِفُ التَّعدِيَة: نَقلُ المَعرِفَةِ من حامِلِها إلى المُتَلَقّي.
ولِذلكَ تَفتَتِحُ آيَةُ آدَمَ بِالإنباءِ بَعدَ التَّعليم (٢:٣١-٣٣): التَّعليمُ يُودِعُ القُدرَة، الإنباءُ يُنفِّذُها. هذا نَموذَجُ كُلِّ مَعرِفَةٍ ذاتِ شَأن: تَعَلُّمٌ ثُمَّ إنباء.
الفُروق المَعنويّة
الجَذرُ ن-ب-أ يَتَمَيَّزُ عن «قالَ» و«أَخبَر» في ثِقَلِ ما يُخبَرُ به. لا فُروعَ مُتَمَيِّزة.
المَواضع: مَواقعُ الإِنباءِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٣١ ﴿فَقالَ أَنبِئوني بِأَسماءِ هَؤُلاء إِن كُنتُم صادِقين﴾:
مَوضِعُ الافتِتاح. الإِنباءُ يَدخُلُ القرآنَ هنا في سِياقِ الامتِحان. «أَنبِئوني» لا «قولوا لي»: المَطلوبُ ليسَ إعادةَ لَفظٍ سُمِعَ بَل تَعيينُ كُلِّ شَيءٍ بِسِمَتِه الخاصَّة، إِبراظٌ من عُمقٍ بِثِقَل. ارتِباطُه بـ«إِن كُنتُم صادِقين» يَكشِفُ أنَّ الإِنباءَ الحَقَّ مَنوطٌ بِالصِّدق: تَطابُقُ ما في الباطِنِ مع ما يُنطَق. لا إِنباءَ حَقيقيَّ مع التَّظاهُر.
- ٢:٣٣ ﴿قالَ يا آدَمُ أَنبِئهُم بِأَسمائِهِم فَلَمَّا أَنبَأَهُم
بِأَسمائِهِم﴾، التَّنفيذ. أُمِرَ آدمُ فأَنبَأَ. تَكرارُ الفِعلِ «أَنبِئهُم / أَنبَأَهُم» يَجمَعُ الأَمرَ والتَّنفيذَ في بُنيةٍ مُحكَمة: الأَمرُ الإلهيُّ يَسبِقُ والاستِجابةُ الآدَميّةُ تَتلوه بِلا فاصِل. الفِعلُ لَم يَتَأَخَّرُ لَم يُفَصَّل: الإِنباءُ وَقَعَ دُونَ تَوَقُّف.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
asma: الإِنباءُ في ٢:٣١-٢:٣٣ مَوضوعُه الأَسماء. التَّعيينُ
بِالعَلامةِ هو ما يَنبَعِثُ من الباطِن.
allama: التَّعليمُ يَسبِقُ الإِنباءَ: القُدرةُ المُودَعةُ
ثُمَّ تَحقُّقُها في المَيدان.
ghayb: الإِنباءُ بِالغَيبِ في ٢:٣٣ مُتَعَلِّقٌ بِمَعرِفةِ الرَّبِّ.
الإشكالات المَفتوحة
- هل «أَنبَأَهُم بِأَسمائِهِم» بِلِسانٍ أم بِغَيرِه؟ جَذرُ ن-ب-أ
يَقبَلُ الرِّسالةَ بِأَيِّ وَسيلة. مَوقِفُنا: الأَهَمُّ أنَّ الإِنباءَ كانَ تَعيينَ السِّمَة، لا ذِكرَ لَفظ.