الغَيب
باطِنٌ وُجوديٌّ يَمتَدُّ، يَحمِلُ في طَيَّاتِه إمكانِيّةَ البُروزِ دونَ أن يَتَحَقَّقَ بالضَّرورة. الغَيبُ ليس عَدَماً بل وُجودٌ في باطِنِ الأَشياء. **مَيدانُ الإيمان**: حَيثُ يَنزِلُ فِعلُ الإيمانِ السَّبَبيِّ (وَزن أَفعَل) فيُؤَمِّنُ المَوقِفَ الإنسانيَّ نَحوَ ما لا يُرى. وَالشَّهادةُ (المَرئيُّ) هي الطَّرَفُ الآخَرُ من هذا الزَّوج.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- غ: احتِكاكٌ في أَقصى الحَلق، صَوتٌ يَنشَأُ في العُمقِ مع تَسَتُّر.
شِحنَتُه: غَورٌ يَستُر، غِطاءٌ وخَفاء. كلُّ نَواتِه الكُبرى في العَربيّة (غَل، غَر، غَب، غَط، غَم) تَدورُ على الاستِتارِ والغَورِ في الباطِن.
- ي: وَصلٌ لَيِّنٌ يَنزَلِق. شِحنَتُه: امتِدادٌ بسُهولة، سَريانٌ
خَفيفٌ مُتَّصِل.
- ب: انطِباقُ الشَّفَتَين ثُمَّ انفِتاحُهُما. شِحنَتُه: انفِتاحٌ إلى
السَّطح، إمكانيّةُ الخُروج.
النَّواةُ غي (غ + ي) = باطِنٌ يَمتَدُّ في خَفاء، عالَمٌ داخِليٌّ لا يَنقَطِع. الإكمالُ بـب يُضيفُ إمكانِيّةَ البُروز، لكنَّ هذا البُروزَ في المَوضِعِ الثالِثِ مُعَدِّلٌ لا حاسِم: الغَيبُ هو ذلك الباطِنُ الممتَدُّ الذي يَحمِلُ في طَيَّاتِه قابِلِيّةَ الظُّهورِ دونَ أن يَتَحَقَّقَ بالضَّرورة. فيَصيرُ الجَذرُ كلُّه: وُجودٌ باطِنيٌّ خَفيٌّ يَمتَدُّ قابِلاً للبُروزِ لِمَن فُتِحَ له.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- غابَ: ابتَعَدَ عن المَجالِ الحِسِّيّ، دَخَلَ في الباطِن.
- الغَيب: ما اختَفى عن الحَواسّ ولَيسَ بعَدَم. الشَّمسُ تَغيبُ
وتَظهَر: غِيابُها خَفاءٌ لا فَناء.
- الغَيبة: الحالُ التي يَكونُ فيها الشَّيءُ أو الشَّخصُ غائِباً عن
المَجلِس. في الاصطِلاحِ الأَخلاقيِّ: الكَلامُ في الغائِبِ بما يَكرَه.
الشِّحنةُ الجامعةُ للجَذرِ غ-ي-ب: وُجودٌ قائِمٌ لَكِنَّه في البُعدِ الباطِنيِّ، مَحجوبٌ عن الحِسِّ لا مَعدومٌ عن الوُجود. الغَيبُ في القرآنِ أَعمَقُ مَعانيهِ: كلُّ ما يَتَجاوَزُ حُدودَ الحِسِّ ابتِداءً من الله الذي هو الغَيبُ المُطلَق.
المِفتاحُ البِنيَويُّ، الغَيبُ كَمَيدانٍ لا قانون: الغَيبُ ليسَ صورةً بَل المَيدانُ الذي يَنزِلُ فيه فِعلُ الإيمانِ. كَما أَنَّ الصِّراطَ مَيدانٌ مَكانيٌّ والدِّينَ مَيدانٌ زَمَنيّ، الغَيبُ مَيدانٌ إِدراكيّ: ما يَتَجاوَزُ الحِسَّ مِمَّا يَنبَغي أَن يُؤمَنَ بِه.
الزَّوجُ الجَذريُّ، iman ⇄ ghayb: ٢:٣ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ يَحسِمُ البِنيَة: الإيمانُ فِعلٌ سَبَبيٌّ يَنزِلُ، والغَيبُ مَوضوعُه. سُؤالُ المَفعولِ المَحذوفِ في «آمَنَ بِاللهِ» (انظُر الإيمان القِسم ١ المِفتاحَ البِنيَويّ) يَجِدُ هَنا إجابَتَه: المَفعولُ المُؤَمَّنُ الأَوَّلُ هو مَوقِفُ النَّفسِ نَحوَ الغَيب. الإيمانُ يُسَكِّنُ هذا المَوقِفَ، يَجعَلُه آمِناً بِنِسبَتِه إلى الله.
الزَّوجُ القُرآنيُّ، الغَيبُ والشَّهادة: «عالِمُ الغَيبِ وَالشَّهادةِ» تَركيبٌ قُرآنيٌّ مُتَكَرِّر، ولا يَقَعُ منه حَرفٌ في السُّوَرِ المَنشورةِ إلى اليَوم، فالزَّوجُ مَقروءٌ هُنا من خارِجِ المُسَجَّلِ ويُنتَظَرُ لَه شاهِدُه. الغَيبُ ما يَتَجاوَزُ الحِسّ، الشَّهادةُ ما يَدخُلُ تَحتَه. اللهُ يَعلَمُهُما مَعاً؛ الإنسانُ يَرى الشَّهادةَ ويُؤمِنُ بِالغَيب. الزَّوجُ يُحَدِّدُ الإدراكَ الإنسانيَّ المَنقَسِمَ، والعِلمَ الإلَهيَّ المُوَحَّد. انظُر الشَّهيد / الشُّهَداء لِلشَّهادةِ بِهذا المَعنى.
الصِّيَغ: كيف يَردُ «الغَيب» في القرآن
- الغَيب (اسمٌ مَصدَريٌّ، وَزنُ فَعل): الحالةُ في صورَتِها الاسميّة.
التَّعريفُ بـال يَجعَلُه جِنساً مَعهوداً: الغَيبُ بما هو غَيب، لا غِيابٌ عارِض.
- غابَ، يَغيبُ (فِعلٌ مُجَرَّد): الفِعلُ في زَمَنِيَّتِه. الحركةُ من
الظُّهورِ إلى الغِياب.
- غائِب (اسمُ فاعِل): مَن هو في حالِ الغِياب. ولا يَكتُبُه المُصحَفُ
المَنشورُ في مَوضِعٍ واحِد: المُسَجَّلُ من الجَذرِ كُلُّه خَمسةُ مَواضِعَ (٢:٣ و٢:٣٣ و٣:٤٤ و٣:١٧٩ و٣٦:١١)، وكُلُّها الاسمُ «الغَيب» مُعَرَّفاً أو مُضافاً، فلا فِعلَ ولا اسمَ فاعِلٍ في المَنشور.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: في كلِّ الصِّيَغ، البُعدُ الباطِنيُّ القائِمُ
يَبقى. الوَزنُ يُحَدِّدُ مَن في حالِ الغِياب وهل هي حالةٌ ثابِتةٌ أم
فِعلٌ جارٍ.
الفُروق المَعنويّة: الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى
(لا فُروعَ مَعنَوِيّةً مُتَمَيِّزةً تَستَحِقُّ مَفهوماً مُنفَصِلاً تَحتَ غ-ي-ب. كلُّ صِيَغِه تَدورُ على شِحنةِ الباطِنِ الخَفيِّ المُمتَدّ.)
المَواضع: مَواقعُ الغَيبِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٣ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾: مَوضعُ الافتِتاح.
أوّلُ صِفةٍ من صِفاتِ المُتَّقين: الإيمانُ بالغَيب. الغَيبُ يَدخُلُ القرآنَ هنا مَقروناً بالباء: «بالغَيب» = الإيمانُ مُتَعَلِّقٌ بهذا البُعدِ الباطِنيِّ الخَفيّ. المُؤمِنُ بالغَيبِ يَضُمُّ قَلبَه نحوَ ما لا تَبلُغُه الحَواسّ. والغَيبُ الأَوّلُ والأَعلى هو الله ذاتُه في ذاتِه، ثُمَّ ما يَنبَثِقُ عن هذا الغَيبِ من مَلائِكةٍ وكِتابٍ وبَعث. في لُغةِ الحُروف: مَن آمَنَ بالغَيبِ ضَمَّ نَفسَه (جَذرُ أ-م-ن) إلى هذا الباطِنِ الممتَدِّ الخَفيِّ (جَذرُ غ-ي-ب)، فصارَ قَلبُه جِسراً بَين عالَمَين.
- ٢:٣٣ ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، الغَيبُ يَتَوَسَّعُ هنا إلى بُعدَين:
غَيبُ الكَونِ (السَّماواتُ والأَرضُ) وغَيبُ النَّفسِ (ما يَكتُمُه الحاضِرون). الأَوَّلُ غَيبٌ مَكانيٌّ والثاني غَيبٌ نَفسيٌّ، والله يَعلَمُهُما مَعاً في جُملةٍ واحِدة. الغَيبُ النَّفسيُّ يَظهَرُ هنا لِأَوَّلِ مَرَّة: ما في صُدورِ الكائِناتِ من مَواقِفَ لَم تُنطَق بَعد غَيبٌ من نَوعٍ آخَر. انظُر الكِتمان والإِبداء.
- ٣:٤٤ ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ﴾: الجَديدُ: يُعَرَّفُ الغَيبُ هُنا بِالمَعيارِ الزَّمَنيِّ لا بِالحِسّيّ: ما لم يَحضُرْه المُخاطَبُ حينَ وَقَع. فيَخرُجُ من كَونِه ما لا يُدرَكُ أصلاً إلى كَونِه ما غابَ عن هذا الشّاهِدِ بِعَينِه. انظُر الوَحي / الإيحاء.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
iman: التَّجاوُرُ التَّأسيسيُّ في ٢:٣. الإيمانُ يَتَعَلَّقُ
بالغَيب. الضَّمُّ (الإيمان) يَتَّجِهُ إلى الباطِنِ الخَفيِّ (الغَيب).
akhira: الآخِرةُ من أَعلى مَراتِبِ الغَيب. الإيقانُ بالآخِرة
في ٢:٤ هو الإيمانُ بغَيبٍ مُزدَوَج: غَيبٌ زَمانِيٌّ (ما يَأتي بَعد) وغَيبٌ وُجودِيٌّ (ما يَتَجاوَزُ هذا العالَم).
inzal: التَّنزيلُ هو لَحظةُ انتِقالِ جانِبٍ من الغَيبِ إلى
الشَّهادة. «أُنزِلَ» = جاءَ من الغَيبِ إلى المُتَلَقِّي.
yaqin: اليَقينُ هو الإيمانُ بالغَيبِ حين يَبلُغُ عُمقَه الأَقصى
فيَستَقِرُّ كالماءِ في قاعِ البِئر. الغَيبُ لا يَتَحَوَّلُ إلى شَهادة، لكنَّ صاحِبَ اليَقينِ يَتَعامَلُ مَعَه كأنَّه حاضِر.
الإشكالات المَفتوحة
- **هل الغَيبُ نِسبيٌّ (ما غابَ عن هذا الإنسانِ بعَينِه) أم مُطلَقٌ
(ما يَتَجاوَزُ الحَواسَّ كلَّها)؟** القرآنُ يَستَعمِلُه في المَعنَيَين. مَوقِفُنا: في ٢:٣ الغَيبُ المُطلَقُ هو المُرادُ ابتِداءً (الله، المَلائِكة، البَعث)، ثُمَّ يَتَوَسَّعُ إلى كلِّ ما يَتَجاوَزُ الحَواسَّ في مَوضِعٍ بعَينِه.
- هل الغَيبُ قَد يَكونُ شَرّاً؟ الغَيبُ في الجَذرِ مُحايِد: ما في
الباطِنِ قد يَكونُ خَيراً أو شَرّاً. والمُسَجَّلُ يَشهَدُ بِالوَجهَين: في ٢:٣٣ يُقرَنُ الغَيبُ بِما يُكتَم ﴿وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فيَقَعُ عَلى مَوقِفٍ مَستور، وفي ٢:٣ يَقَعُ مَوضوعاً لِلإيمان. الغَيبُ ظَرفٌ لا حُكم.