الغَيب
الغَيبُ من غ-ي-ب، والجَذرُ غُؤورٌ في الباطِنِ يَمتَدُّ ويَحتَبِسُ فيه الشَّيء. والغَيبُ ما احتُبِسَ في هذا الباطِن: يَبقى في مَوضِعِه، ومَن هو خارِجَه لا يَراه ولا يَحضُرُه. وتُقابِلُه الشَّهادة، وهي ما يَثبُتُ في المَفتوح.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف، والجَذرُ أجوَف:
- غ: غُؤورٌ يَستُر. ويَظهَرُ مِنه هُنا أوَّلُه: الشَّيءُ يَغورُ إلى العُمقِ فيَكونُ في الباطِن، وهو باطِن. وهذا وَجهُ «الغَؤورِ والباطِن».
- ي: امتِدادٌ مُتَّصِلٌ يَسري. ويَظهَرُ مِنه هُنا سَرَيانُه بَينَ الحَرفَين: مَدٌّ يُطيلُ ما قَبلَه، وهو امتِداد. وهذا وَجهُ «الامتِدادِ والسَّرَيان».
- ب: تَجَمُّعٌ رِخوٌ يَلتَصِق. ويَظهَرُ مِنه هُنا وَسَطُه: ما تَجَمَّعَ يُحبَسُ في مَوضِعِه، وهو احتِباس. وهذا وَجهُ «الاحتِباسِ والضَّغط».
غ (الغَؤورُ والباطن) + ب (الاحتباسُ والضغط): النواةُ غب = غَورٌ باطِنٌ يَحتَبِسُ ما يَدخُلُه. وي (الامتدادُ والسريان) بَينَهُما مَدٌّ يُطيلُ هذا الغَؤور. فالجذرُ غ-ي-ب حرفيّاً غُؤورٌ في الباطِنِ يَمتَدُّ ويَحتَبِسُ فيه الشَّيء.
فالغَينُ تَجعَلُ الشَّيءَ يَغورُ إلى العُمقِ فيَكونُ في الباطِن، والياءُ تَمُدُّ هذا الغُؤور، والباءُ تَحبِسُ الشَّيءَ في مَوضِعِه. فالجَذرُ غ-ي-ب حرفيّاً: غُؤورٌ في الباطِنِ يَمتَدُّ ويَحتَبِسُ فيه الشَّيء.
ويَظهَرُ المَعنى كامِلاً في البِئر: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ (١٢:١٠). الغَيابةُ باطِنُ الجُبّ: يُلقى فيه الشَّيءُ فيُحبَسُ فيه، ويَخرُجُ مِنه بِمَن يَلتَقِطُه. وما احتُبِسَ يُفتَحُ عَنه بِمِفتاح: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (٦:٥٩). ويُقابِلُ الغَيبَ في القُرآنِ ما يَثبُتُ في المَفتوح: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (٦:٧٣)، وجَذرُ الشَّهادةِ «انتِشارٌ في خَلاءٍ مَفتوحٍ يَثبُتُ فيه». فالباطِنُ يُقابِلُه المَفتوح، والشَّيءُ في الاثنَينِ باقٍ في مَوضِعِه.
اختِبارُ المَعنى على مَواضِعِ الجَذرِ كُلِّها. يَرِدُ الجَذرُ في القُرآنِ في سِتّينَ مَوضِعاً (٦٠) في تِسعٍ وخَمسينَ آية، على سِتِّ صِيَغ. مِنها ثَمانيةُ مَواضِعَ في ثَماني آياتٍ مَنشورة، مُسَجَّلةٌ كُلُّها في القِسمِ الرّابِع. وهذه صِيَغُه كُلُّها، لِكُلِّ صيغةٍ عَدَدُ مَواضِعِها وشاهِد:
- الغَيب، غَيب (٤٩): ما احتُبِسَ في الباطِنِ نَفسُه. وما قَبلَه في الآيةِ يُسَمّي صِلةَ النّاسِ بِه: - بِالغَيب (١٢): الفِعلُ يَقَعُ والشَّيءُ مُحتَبِسٌ عَن فاعِلِه: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ﴾ (٢١:٤٩)، فرَبُّهُم مُحتَبِسٌ عَن أعيُنِهِم وهُم يَخشَونَه. ويَكونُ المُحتَبِسُ مَن يَقَعُ عَلَيه الفِعل: ﴿لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ (١٢:٥٢)، لم يَخُنْه وهو مُحتَبِسٌ عَنه لا يَراه. ويَكونُ ما يُرمى إلَيه ولا يُبلَغ: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ (١٨:٢٢)، ومِثلُه ٣٤:٥٣. ويَكونُ ما يُوعَدُ بِه ولم يَأتِ بَعدُ: ﴿وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ (١٩:٦١). - عالِمُ الغَيب (١٣، مِنها «عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ» عَشرَ مَرّات): العِلمُ يَبلُغُ ما احتُبِسَ في الباطِنِ كما يَبلُغُ ما ثَبَتَ في المَفتوح، ولا يَبعُدُ عَنه شَيء: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ ۖ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ (٣٤:٣). - يَعلَمُ الغَيب، عِلمُ الغَيب (٨): العِلمُ بِما احتُبِسَ يُنفى عن غَيرِ اللهِ في سِتّة، ويُسنَدُ إلى اللهِ في ٢:٣٣ و٤٩:١٨. ومَن لا يَبلُغُ ما احتُبِسَ مِمّا يَأتيه لا يَأخُذُ مِنه قَبلَ أن يَقَع: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ (٧:١٨٨). والجِنُّ لم يَبلُغْهُم ما احتُبِسَ عَنهُم من مَوتِه: ﴿لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ (٣٤:١٤). - الاطِّلاعُ على الغَيبِ والإظهارُ عَلَيه (٣): مَن يَطَّلِعُ يُشرِفُ على ما احتُبِسَ فيَراه، والآيةُ تَستَفهِمُ عَنه مُنكِرة: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ (١٩:٧٨). وما احتُبِسَ عِندَ اللهِ لا يُشرِفُ عَلَيه أحَد: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ (٧٢:٢٦)، ويَستَثني ٧٢:٢٧ مَن ارتَضى من رَسول. ومِثلُه ٣:١٧٩ (القِسمُ الرّابِع). - عِندَه الغَيب (٣): ما احتُبِسَ يَكونُ عِندَ مَن يَملِكُ مَفاتِحَه (٦:٥٩)، ولو كانَ عِندَ غَيرِه لَكَتَبَه: ﴿أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ (٥٢:٤١)، ومِثلُها ٦٨:٤٧. - أنباءُ الغَيب (٣): ما احتُبِسَ عَن المُخاطَبِ وقَومِه حتّى بَلَغَه بِالوَحي: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا﴾ (١١:٤٩)، ومِثلُها ٣:٤٤ و١٢:١٠٢. - الغَيبُ لِله (٤): ما احتُبِسَ لِله وَحدَه، فيُنتَظَرُ حتّى يَأتي: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانتَظِرُوا﴾ (١٠:٢٠). ومِثلُه «غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» في ١١:١٢٣ و١٦:٧٧ و١٨:٢٦. - حافِظٌ لِلغَيب، على الغَيبِ بِضَنين (٣): ما احتُبِسَ يَقَعُ عَلَيه الحِفظ، ومَن بَلَغَه قد يُمسِكُه عَن غَيرِه. والقائِلونَ في ١٢:٨١ يَشهَدونَ بِما ثَبَتَ عِندَهُم، وما احتُبِسَ عَنهُم لا يَبلُغُه حِفظُهُم: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ (١٢:٨١). ومِثلُه ٤:٣٤ و٨١:٢٤ (القِسمُ الرّابِع).
- الغُيوب (٤): الجَمعُ يُسَمّي ما احتُبِسَ في البَواطِنِ على كَثرَتِها، ويَأتي في الأربَعةِ «عَلّامُ الغُيوب»: ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (٥:١٠٩). وفي ٥:١١٦ يَسبِقُه عِلمُ اللهِ بِما في نَفسِ القائِل، ونَفيُ القائِلِ أن يَعلَمَ ما في نَفسِ الله.
- غَيابة (٢): باطِنُ الجُبِّ الذي يُحبَسُ فيه المُلقى، وهو ما في ١٢:١٠ المَذكورةِ آنِفاً: ﴿وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ (١٢:١٥).
- غائِب، غائِبون (٣): مَن احتُبِسَ في مَوضِعٍ عَن مَجلِس، فلا يُرى فيه: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ (٢٧:٢٠). ويُنفى عن الله، فما وَقَعَ لم يَكُن مُحتَبِساً عَنه: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ ۖ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ (٧:٧). وفي ٨٢:١٦ (القِسمُ الرّابِع) يُنفى عن الفُجّارِ أن يَكونوا في باطِنٍ يَحبِسُهُم عَن الجَحيم.
- غائِبة (١): كُلُّ ما احتُبِسَ في السَّماءِ والأرضِ مُثبَتٌ في كِتاب: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (٢٧:٧٥).
- يَغتَب (١): يَنالُ المَرءُ من أخيه وهو مُحتَبِسٌ عَنه لا يَحضُر، والآيةُ تُشَبِّهُه بِأكلِ لَحمِه مَيتاً: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ (٤٩:١٢).
من خارِجِ التَّركيب:
- من المُعجَم: غابَ يَغيبُ غَيباً وغَيبةً وغِياباً: استَتَرَ عن العَين، وغابَت الشَّمسُ: غَرَبَت. والغَيابةُ قَعرُ البِئرِ وكُلُّ ما غَيَّبَ شَيئاً. واغتابَه: ذَكَرَه في غَيبَتِه بِما يَكرَه.
- عِندَ جَبَل في النَّواةِ غب: «الغئور والغياب أو الاستتار».
الصِّيَغ
- الغَيب، غَيب (مَصدَرٌ يُسَمّى بِه): ما احتُبِسَ في الباطِن. مُعَرَّفاً يُسَمّيه جُملةً، ومُضافاً يُسَمّي ما احتُبِسَ فيه («غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»)، أو مَن هو عِندَه («غَيبِه» في ٧٢:٢٦).
- عَلّامُ الغُيوب (جَمعُ غَيب): ما احتُبِسَ في البَواطِنِ على كَثرَتِها.
- غَيابَةُ الجُبّ (فَعالة): المَوضِعُ الباطِنُ الذي يُحبَسُ فيه ما يُلقى.
- غائِب، غائِبة (اسمُ الفاعِل): مَن احتُبِسَ في مَوضِعٍ عَن مَجلِسٍ أو قَوم، و«غائِبة» كُلُّ ما احتُبِس.
- لا يَغتَب (افتَعَل): يَفعَلُ المَرءُ في غَيرِه وهو مُحتَبِسٌ عَنه.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: غُؤورٌ في الباطِنِ يَمتَدُّ ويَحتَبِسُ فيه الشَّيء. الوَزنُ يُحَدِّدُ: ما احتُبِسَ (الغَيب، الغُيوب)، أو مَوضِعَه (غَيابة)، أو مَن هو فيه (غائِب)، أو فِعلاً يُفعَلُ بِمَن هو فيه (يَغتَب).
الفُروق المَعنويّة
shahid(الشَّهادة، ش-ه-د): جَذرُه «انتِشارٌ في خَلاءٍ مَفتوحٍ يَثبُتُ فيه». الشَّهادةُ ما يَثبُتُ في المَفتوح، والغَيبُ ما يَحتَبِسُ في الباطِن، ويَجتَمِعانِ في «عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ» عَشرَ مَرّات (٦:٧٣ المَذكورةِ آنِفاً). وفي ١٢:٨١ يَقصُرُ الشّاهِدُ قَولَه على ما عَلِم، ويَضَعُ الغَيبَ خارِجَ ما يَحفَظ: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾. انظُر الشَّهيد / الشُّهَداء.ikhfa(الإخفاء، خ-ف-ي): جَذرُه «فَراغٌ يُبعِدُ الشَّيءَ عن غَيرِه ويَمتَدُّ بَينَهُما». في الإخفاءِ يَقومُ فَراغٌ بَينَ الشَّيءِ وغَيرِه، وفي الغَيبِ يَغورُ الشَّيءُ نَفسُه في باطِنٍ يَحتَبِسُ فيه. وتَأتي الصّيغَتانِ على فاعِلة: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (٢٧:٧٥)، و﴿لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ (٦٩:١٨). انظُر الإخفاء.sirr(السِّرّ، س-ر-ر): جَذرُه «امتِدادٌ دَقيقٌ يَجري ويَمتَدُّ جَرَيانُه». وتَجمَعُهُما آيةٌ واحِدة: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (٩:٧٨). السِّرُّ يَجري دَقيقاً في صاحِبِه، والغُيوبُ ما احتُبِسَ في البَواطِنِ كُلِّها، والعِلمُ واحِدٌ يَبلُغُ الاثنَين. انظُر السِّرّ / السُّرور.kitman(الكِتمان، ك-ت-م): في ٢:٣٣ يُذكَرُ غَيبُ السَّماواتِ والأرضِ ثُمَّ ما يُبدى وما يُكتَم: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. والعِلمُ واحِدٌ يَقَعُ على الثَّلاثة. انظُر الكِتمان.
المَواضع: مَواقعُ الغَيبِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٣ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. يَدخُلُ الجَذرُ القُرآنَ في أوَّلِ صِفاتِ المُتَّقين: يُؤمِنونَ بِما احتُبِسَ عَنهُم في الباطِن. والإيمانُ من أ-م-ن «ضَمٌّ تامُّ الانطِباقِ يَحوي ما في جَوفِه»، فهُم يَضُمّونَ إلى باطِنِهِم ما هو مُحتَبِسٌ عَنهُم. انظُر الإيمان.
- ٢:٣٣ ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: الجَديدُ: يُضافُ الغَيبُ لِأوَّلِ مَرّةٍ إلى ما احتُبِسَ فيه، السَّماواتِ والأرض، ويَقَعُ مَفعولاً لِعِلمٍ يُسنِدُه المُتَكَلِّمُ إلى نَفسِه. ويَتلوه في الجُملةِ نَفسِها ما يُبديه المُخاطَبونَ وما يَكتُمونَه، فالعِلمُ الواحِدُ يَبلُغُ ما احتُبِسَ في السَّماواتِ والأرضِ وما احتَبَسوه فلم يُبدوه. ويَأتي ذلك جَواباً يُذَكِّرُ بِقَولٍ سَبَق: ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ﴾. انظُر الكِتمان والإِبداء.
- ٣:٤٤ ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ﴾: الجَديدُ: الغَيبُ هُنا ما احتُبِسَ عَن واحِدٍ بِعَينِه لِأنَّه لم يَكُن حاضِراً حينَ وَقَع، والآيةُ تَقولُ ذلك مَرَّتَين. فما وَقَعَ في مَوضِعٍ لم يَحضُرْه المُخاطَبُ مُحتَبِسٌ عَنه، وأنباؤُه تَبلُغُه بِالوَحي. انظُر الوَحي / الإيحاء والإِنباء.
- ٣:١٧٩ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾: الجَديدُ: يَصيرُ الغَيبُ مَوضِعاً يُطلَعُ عَلَيه، و«على» تَجعَلُ المُطَّلِعَ مُشرِفاً على ما احتُبِسَ فيه. والإطلاعُ مَنفيٌّ عن الجَماعة، ثُمَّ يُستَدرَكُ: ﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ﴾. ويَتبَعُه أمر: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، فما بَقِيَ مُحتَبِساً عَنهُم يُطلَبُ فيه الإيمانُ الذي وَصَفَ المُتَّقينَ في ٢:٣. انظُر الاجتِباء.
- ٤:٣٤ ﴿حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾: الجَديدُ: الغَيبُ هُنا ما احتُبِسَ عَن أعيُنِ الرِّجالِ المَذكورينَ في صَدرِ الآية، واللّامُ تَجعَلُه ما يَقَعُ عَلَيه الحِفظ. فالصّالِحاتُ يَحفَظنَ ما يَكونُ وهُم لا يَرَونَه، والآيةُ تَعقِدُ حِفظَهُنَّ بِحِفظِ الله. وكانَ الغَيبُ قَبلَها ما يُؤمَنُ بِه (٢:٣) وما يُعلَم (٢:٣٣) وما يُنبَأُ بِه (٣:٤٤)، وهو هُنا ما يُحفَظ. انظُر الحِفظ.
- ٣٦:١١ ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ﴾: الجَديدُ: يَعودُ «بِالغَيبِ» بِبائِه من ٢:٣، ويَتَعَلَّقُ هُنا بِالخَشية. فالمَخشِيُّ، الرَّحمن، مُحتَبِسٌ عَن عَينِ مَن يَخشاه، وخَشيَتُه تَقَعُ وهو لا يَراه، وبِها يَنفَعُ الإنذار. انظُر الخَشية.
- ٨١:٢٤ ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾: الجَديدُ: يَعودُ «على الغَيبِ» من ٣:١٧٩، والمَوصوفُ هُنا مَن أُطلِعَ على ما احتُبِسَ فيه. والضَّنينُ يُمسِكُ ما عِندَه، والآيةُ تَنفي الضَّنَّ عَنه، فما بَلَغَه من الغَيبِ لا يَحبِسُه هو مَرّةً ثانية.
- ٨٢:١٦ ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾: الجَديدُ: يَرِدُ الجَذرُ اسمَ فاعِلٍ مَجموعاً لِأوَّلِ مَرّةٍ في المَنشور، مَنفيّاً بِـ«ما» والباء. والضَّميرُ في «عَنها» يَعودُ إلى الجَحيمِ في ٨٢:١٤، فالفُجّارُ لَيسوا في باطِنٍ يَحبِسُهُم عَنها: هُم فيها. انظُر الجَحيم.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
iman: أوَّلُ ما يَتَعَلَّقُ بِه الإيمانُ في البَقَرةِ الغَيب (٢:٣).khashya: الخَشيةُ «بِالغَيب» في ٣٦:١١، ومِثلُها ٢١:٤٩ و٣٥:١٨ و٥٠:٣٣ و٦٧:١٢.hifz: الحِفظُ لِلغَيبِ في ٤:٣٤ و١٢:٨١.inbaوawha: أنباءُ الغَيبِ تَبلُغُ بِالوَحي (٣:٤٤، ١١:٤٩، ١٢:١٠٢).khiyana: تُنفى الخِيانةُ «بِالغَيب» في ١٢:٥٢.ijtiba: يُستَثنى من نَفيِ الإطلاعِ على الغَيبِ مَن يُجتَبى من الرُّسُل (٣:١٧٩).
الإشكالات المَفتوحة
- «يَغتَب» (٤٩:١٢): تُقرَأُ الكَلِمةُ فِعلاً يَنالُ بِه المَرءُ أخاه وهو مُحتَبِسٌ عَنه، والآيةُ تُشَبِّهُه بِأكلِ لَحمِه مَيتاً. والذِّكرُ بِما يَكرَهُ في سَطرِ المُعجَم.