القَول
التَّعريف الجَذريّ
كَلِمةٌ تُغادِرُ الصَّدرَ وتَبقى مُعَلَّقةً بصاحِبِها. انفِصالٌ يَبقى مَوصولاً: القَولُ يُطالِبُ صاحِبَه بِفِعلِه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ق — حرفٌ يَنشأُ في أَقصى الحَنَكِ بانضِغادٍ ثُمَّ إطلاق. شِحنَتُه: قَطعٌ وإحكام، حَسمٌ يَصدُرُ.
- و — وَصلٌ ورَبط. شِحنَتُه: ارتِباطٌ مُستَدام، جِسرٌ يَمتَدُّ.
- ل — اللِّسانُ يَلتَصِقُ بأُصولِ الثَّنايا ثُمَّ يَنفَكُّ مُمتَدّاً. شِحنَتُه: تَعَلُّقٌ يَمتَدّ، اتِّصالٌ يَنزَلِقُ.
النَّواةُ قو (ق + و) = قَطعٌ يَبقى مَوصولاً، انفِصالٌ لا يَتَخَلَّصُ من مَصدَرِه. الإغلاقُ بـل يُطيلُ الوَصلَ بَين المَقطوعِ وأَصلِه، فيَصيرُ الجَذرُ كلُّه: انفِصالُ شَيءٍ عن مَصدَرِه مَعَ بَقاءِ خَيطٍ يَربِطُه به. القَولُ يُغادِرُ الصَّدرَ ويَتَعَلَّقُ بصاحِبِه.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- قالَ — أَصدَرَ كَلاماً بَقِيَ مَنسوباً إليه.
- القَوّة — قُدرةٌ تَنفَصِلُ عن صاحِبِها لِفِعلٍ وتَبقى مُتَّصِلةً بمَصدَرِها. وهذا من ذاتِ الجَذرِ: القَولُ والقُوَّةُ يَصدُرانِ ثُمَّ لا يَستَقِلّانِ عن مَصدَرِهِما.
- قيلَ (مَبنيٌّ للمَجهول) — انفَصَلَ القَولُ عن فاعِلٍ مَعروف.
الشِّحنةُ الجامعةُ للجَذرِ ق-و-ل: انفِصالٌ يَبقى مَوصولاً، الكَلِمةُ تُغادِرُ ولا تَتَخَلَّصُ من صاحِبِها. القَولُ يُطالِبُ صاحِبَه بِفِعلٍ يُعادِلُه.
الصِّيَغ — كيف يَردُ «القَول» في القرآن
- قالَ (ماضٍ) — القَولُ تَمَّ ووُثِّقَ.
- يَقولُ، يَقولون (مُضارِع) — القَولُ مُتَجَدِّد. الصِّيغةُ تُشيرُ إلى أنَّ قَولَ «آمَنّا» عادةٌ لا لَحظة.
- قُل (أَمر) — القَولُ الذي يُؤمَرُ به، كَثيرٌ في مُخاطَبةِ النَّبيّ ﷺ.
- قَول (مَصدَر) — الفِعلُ نَفسُه مُجَرَّداً.
- قيلَ (مَبنيٌّ للمَجهول) — القَولُ انفَصَلَ عن فاعِلٍ مَعروف. يَردُ في ٢:١١ ﴿وَإذا قيلَ لَهُم﴾.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: في كلِّ الصِّيَغ الانفِصالُ المَوصولُ حاضِر.
الوَزنُ يُحَدِّدُ الزَّمَنَ والإسنادَ والإرادة.
الفُروق المَعنويّة — الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى
(كلُّ صِيَغِ ق-و-ل تَتَمَحوَرُ على الانفِصالِ الذي يَبقى مَوصولاً بصاحِبِه. لا فَرعَ يَستَحِقُّ مَلَفّاً مُستَقِلاً حتّى الآن.)
المَواضع — مَواقعُ القَولِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٨ ﴿مَن يَقولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِاليَومِ الآخِرِ﴾ — مَوضِعُ الافتِتاحالقَولُ يَدخُلُ هنا في سِياقِ التَّناقُضِ بَين القَولِ والفِعل. الصِّيغةُ المُضارِعةُ «يَقولُ» تُشيرُ إلى أنَّ هذا القَولَ عادةٌ مُتَكَرِّرةٌ لا حادِثةٌ واحِدة. والقَولُ هنا يُعَلَّقُ بصاحِبِه ويُطالِبُه بالفِعلِ الذي تَعنيه الكَلِمة «آمَنّا» (أي أَنشَأنا الأَمان). فلَمّا لم يَأتِ الفِعلُ تَعَلَّقَ القَولُ بصاحِبِه شاهِداً لا ساتِراً.
- ٢:١١ ﴿قالوا إِنَّما نَحنُ مُصلِحون﴾ — القَولُ يَعودُ في جَوابِ المُنافِقين حين يُنهَونَ عن الإفساد. «قالوا» بصِيغةِ الماضي يَختِمُ الجَوابَ الآنيَّ. والجَذرُ ق-و-ل هنا يُؤَكِّدُ أنَّ قَولَهم «مُصلِحون» خَيطٌ مُعَلَّقٌ بهم يَشهَدُ عليهم حين يُقاسُ فِعلُهم.
- ٢:١٣ ﴿وَإذا قيلَ لَهُم آمِنوا كَما آمَنَ النّاسُ قالوا أَنُؤمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاء﴾ — القَولُ في صيغَتَين: «قيلَ لَهُم» (مَبنيٌّ للمَجهول: القَولُ انفَصَلَ عن فاعِلٍ مَعروفٍ وصارَ مُؤَسَّسيّاً) و«قالوا» (ماضٍ جَمع). «قيلَ» = القَولُ القُرآنيُّ أو القَولُ الإسلاميُّ الجَمعيُّ لا قائِلٌ بعَينِه. وجَوابُهُم «قالوا» يُقابِلُ القَولَ المَجهولَ الفاعِلِ بِقَولٍ صَريحٍ مَعلومِ الفاعِل: قَبالةَ القَولِ الذي يُمَثِّلُ الحَقَّ يَقِفُ قَولُهُم يُمَثِّلُ الادِّعاء. انظُر السَّفاهة والنِّفاق.
- ٢:١٤ ﴿قالوا آمَنّا ... قالوا إنّا مَعَكُم﴾ — القَولُ في مَجلِسَين: «قالوا آمَنّا» في حُضورِ المُؤمِنين، و«قالوا إنّا مَعَكُم» في حُضورِ الشَّياطين. فِعلُ القَولِ ذاتُه لَكِنَّ المَضمونَ مُتَناقِض. وهذا أَجلى صُوَرِ شِحنةِ الجَذرِ: القَولُ يُغادِرُ الصَّدرَ ويَبقى مُعَلَّقاً بصاحِبِه، وحينَ يَتَناقَضُ قَولانِ من مَصدَرٍ واحِدٍ يَشهَدُ كلٌّ منهما على صاحِبِه. انظُر الخَلوة والشَّيطان.
- ٢:٥٤ ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ﴾ — القَولُ يَرِدُ هنا افتِتاحاً لِخِطابِ مُوسى المُباشِرِ لِقَومِه. «قالَ» ماضٍ مُعَلَّقٌ بِصاحِبِه: ما قالَه مُوسى شاهِدٌ عليه وعَلى قَومِه. وسِياقُ الآيةِ يَجعَلُ القَولَ أَمراً: «فتوبوا... فاقتُلوا». القَولُ هنا لَيسَ إِخباراً بَل فِعلاً كَلاميّاً يُلزِمُ.
- ٢:٥٨ ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ — القَولُ مَطلوبٌ بِصيغةِ الأَمرِ الجَمع. «قُولوا حِطَّة» لَيسَ طَلَبَ لَفظَةٍ بِعَينِها بَل طَلَبَ بِنيَةٍ في القَول: ما يَحمِلُه اللِّسانُ من طَلَبِ إِنزالِ الثِّقل. القَولُ هنا أَداءٌ وَظيفيٌّ لا إعلانُ هُويَّة.
- ٢:٥٩ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ — القَولُ في أَشَدِّ مَواضِعِه حَساسيّةً: إحلالُ قَولٍ مَكانَ قَولٍ آخَرَ أُمِروا بِه. «قيلَ لَهُم» (مَجهولُ الفاعِل مُؤَسَّسيٌّ) مُقابِلُ «قَولاً غَيرَ الذي قيلَ»: ما انفَصَلَ من المَصدَرِ الإلهيِّ ووُجِّهَ لَهُم أَعادوا تَشكيلَه. الجَذرُ يَكشِفُ التَّناقُضَ: القَولُ يُغادِرُ ويَبقى مُعَلَّقاً بِصاحِبِه، فَبَدَّلَه الظّالِمونَ فَبَقيَ الأَصلُ شاهِداً عليهم.
التَّقاطُعات — مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
nifaq— التَّلازُمُ الأَصيل. النِّفاقُ بِنيةٌ تَنشَقُّ فيها الذَّاتُ بَين قَولٍ وفِعلٍ مُتَناقِضَين. القَولُ أَداةُ النِّفاقِ. انظُر النِّفاق.kadhib— القَولُ دُونَ مُطابَقةِ فِعلٍ هو صورةٌ من صُوَرِ الكَذِب. انظُر الكَذِب.iman— «آمَنّا» قَولٌ يَدَّعي الإيمانَ. الجَذرُ يُؤَكِّدُ أنَّ القَولَ مُعَلَّقٌ بصاحِبِه ويَطلُبُ الفِعل. انظُر الإيمان.fasadوislah— في ٢:١١ القَولُ يَدَّعي الإصلاحَ ويُخفي الإفساد. انظُر الفَساد والإصلاح.
الإشكالات المَفتوحة
- هل القَولُ في القرآنِ مَسؤوليّةٌ تامَّة؟ الجَذرُ يَقول: نَعَم، القَولُ مَوصولٌ بصاحِبِه ولا يَستَقِلُّ عنه. مَوقِفُنا: كلُّ قَولٍ يَبقى مَنسوباً إلى قائِلِه ويُطالِبُه بِفِعلٍ يُعادِلُه أو يُكَذِّبُه.