التَّعليم (عَلَّمَ)

allama جذر · ع-ل-م 5 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
إظهارُ علامةٍ في المُتَلَقِّي فيَتَمَيَّزُ بها الشَّيءُ في ذِهنِه من سِواه. الفِعلُ يَرسُمُ في المُتَعَلِّمِ حَدَّ كُلِّ شَيء.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

الجَذرُ ع-ل-م تَقَدَّمَ تَحليلُه في العالَمين §١ تَحليلاً كاملاً. المُلَخَّصُ المُرتَكَزُ هنا:

  • ع — حَرفٌ حَلقيٌّ يَنشَأُ من قَبضِ الهَواءِ في أَقصى الحَلق. شِحنَتُه: قَبضٌ من العُمق، شِدّةٌ تَنبَعِثُ من الجَوف. ظُهورٌ من الباطِنِ إلى الظاهِر.
  • ل — تَعلُّقٌ يَمتَدّ، اتّصالٌ لا يَنقَطِع.
  • م — تَجَمُّعٌ وتَلاصُق، إغلاقٌ يَحفَظُ ما في الدّاخِل.

النَّواةُ عل (ع + ل) = قَبضٌ من العُمقِ يَمتَدُّ ويَتَعَلَّق: ما يَكونُ مُختَزَناً في الباطنِ يَصِلُ إلى السَّطحِ مُتَعَلِّقاً بِمَا يُحيطُ به. الإغلاقُ بـم يَجمَعُ هذا الامتِدادَ في صورةٍ مُتَميِّزة، فيَصيرُ الجَذرُ: إحكامُ علامةٍ يَتَمَيَّزُ بها الشَّيءُ من غَيره فيُعرَفَ ويُحاطَ به.

ومنه في كلامِ العَرَب:

  • العِلم — الإحاطةُ المُحكَمةُ بالشَّيء.
  • العَلامة — ما يَدُلُّ على الشَّيءِ ويُميِّزُه.
  • العالَم — الكَيانُ الحاملُ للعَلامة، الدّالُّ على صانِعِه.

الفِعلُ «عَلَّمَ» يَرِثُ هذه الشِّحنةَ مُباشَرةً: إظهارُ علامةِ الشَّيءِ في ذِهنِ المُتَلَقِّي فيَتَمَيَّزُ له من سِواه. المادَّةُ كُلُّها من الجَذر، لا من الوَزن.

الصِّيَغ — وَزنُ التَّفعيلِ وما يُضيف

الآنَ، وبَعدَ أن استَقَرَّ المَعنى الجَذريُّ، يَدخُلُ الوَزن:

«عَلَّمَ» على وَزنِ فَعَّلَ (التَّفعيل). وَزنُ التَّفعيلِ في العَربيّةِ يَدُلُّ على المُلازَمة، التَّكثير، أو التَّعدِية. تَطبيقاً على جَذرِ ع-ل-م: عَلَّمَ آدَمَ الأَسماءَ = أَظهَرَ لآدَمَ علاماتِ الأشياءِ التي تُمَيِّزُها بَعضُها من بَعض، إظهاراً مُلازِماً مُكَرَّراً مَقصوداً (التَّفعيل). الجَوهَرُ — إظهارُ العَلامة — من الجَذر؛ والتَّفعيلُ يُضيفُ التَّأكيدَ والمُلازَمةَ والقَصدَ فَحَسب.

الاختِبارُ الذّاتيّ المُلزِم: لو حُذِفَ ذِكرُ التَّفعيلِ من هذه الفِقرة، يَبقى المَعنى قائِماً: إظهارُ علامةٍ يُمَيَّزُ بها الشَّيءُ من سِواه. الوَزنُ يُضيفُ المُلازَمةَ والقَصد؛ لا يُعطي المَعنى من الصِّفر. هذا هو الفَرقُ بَين الوَزنِ مُضافاً إلى جَذرٍ ومَفهوم، والوَزنِ مُستَعاضاً به عَن الجَذر.

  • عَلَّمَ (فَعَّلَ، ماضٍ متعدٍّ) — فِعلُ الإظهارِ المُلازِمِ المَقصود. يَستَدعي ثَلاثةَ مَواضِع: المُعَلِّمَ (الفاعِل)، والمُتَعَلِّمَ (المَفعولَ الأَوَّل)، والمُعَلَّمَ به (المَفعولَ الثاني).
  • عَلَّمتَنا (ماضٍ متعدٍّ مع ضميرَي مُتَكَلِّمين) — في ٢:٣٢ المَلائكةُ تَعتَرِفُ: ما في ذَواتِنا من قُدرةِ التَّمييزِ مُستَقَى من إظهارِك.

الفُروق المَعنويّة — الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى

الجَذرُ ع-ل-م واسِعُ الإنتاج. هذا المَلَفَّ يَخُصُّ الفِعلَ في وَزنِ التَّفعيل. المَلَفَّاتُ الشَّقيقةُ:

  • العالَمين — الاسمُ «العالَمين»، الكَيانُ الحاملُ للعَلامة. الشِّحنةُ الجَذريّةُ ذاتُها، لكنَّ الصِّيغةَ اسمٌ لا فِعل.
  • العِلم — العِلمُ كَمَصدَر، الإحاطةُ المُحكَمةُ في ذاتِها.
  • alama — العَلامةُ كَشيءٍ بِنَفسِه، الدَّليلُ الحاملُ للإشارة.
  • alim — صِفةُ العالِمِ والعَليم.

المَواضع — مَواقعُ «عَلَّمَ» في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٢:٣١ ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسماءَ كُلَّها﴾ — مَوضِعُ الافتِتاحما فَعَلَه اللهُ بآدَمَ هو: أَظهَرَ لآدَمَ علاماتِ الأَشياءِ فيَتَمَيَّزُ بها كُلٌّ منها عن غَيرِه. هذا لَيسَ «تَعليمَ اللُّغةِ» بِمَعناها الاصطِلاحيِّ، ولَيسَ «تَعليمَ الأسماء» كَقائِمةٍ يُحفَظُها. الأسماءُ هنا «الأسماء» بِجَذرِ س-م-و (انظُر الأَسماء (الجَمعُ التَّمييزيّ)): العَلاماتُ المَرفوعةُ فَوقَ الأَشياءِ فتُميِّزُها. وعَلَّمَ آدَمَ إيّاها = رَسَّخَ فيه قُدرةَ رُؤيةِ كُلِّ شَيءٍ بعَلامَتِه التي تَخُصُّه. وكَلِمةُ «كُلَّها» تُغلِقُ بابَ التَّجزيء: القُدرةُ كُلِّيّة، لا نِسبيّة. اتِّصالُ الفِعلِ بِفاعِلِه وَمَفعولَيه دَقيق: اللهُ هو المُعَلِّمُ بِلا واسِطة، وآدمُ هو المُتَعَلِّمُ بِالاسمِ (لَيسَ «الإنسانَ» كَجِنس)، والأسماءُ كُلُّها هي الجَوهَرُ المُودَع.
  • ٢:٣٢ ﴿إِلّا ما عَلَّمتَنا﴾ — المَلائكةُ تُقِرُّ بِحَدِّها: قُدرتُنا على التَّمييزِ نَفسُها عَطاءٌ منك. الفِعلُ «عَلَّمتَنا» يَرِدُ هنا في سِياقِ الإقرارِ بالحَد: ما عِندَنا من قُدرةِ الإظهارِ مُستَقَى من إظهارِك. وهذا يُفَرِّقُ المَلائكةَ عن إبليسَ في المَشهَدِ اللّاحِق: المَلائكةُ تَلقَّت لأنَّها أَقَرَّت بِحُدودِها.
  • ٢:١٥١ ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ — الفِعلُ «يُعَلِّمُ» يَنتَقِلُ من آدَمَ إلى الأُمَّة. الجَديدُ: التَّعليمُ هُنا فِعلٌ مُتَكَرِّرٌ مُسنَدٌ إلى الرَّسولِ بِنِسبَتِه إلى الله. ثَلاثُ مَهامَّ في الآيةِ ذاتِها: تِلاوَةُ الآياتِ، تَزكِيَةُ النَّفس، تَعليمُ الكِتابِ والحِكمة. التَّعليمُ يَأتي بَعدَ التَّزكِية: لا يُمكِنُ إظهارُ العَلامةِ على نَفسٍ لَم تَتَطَهَّر. وَزنُ التَّفعيلِ يَبقى ذاتَه (عَلَّمَ آدَم / يُعَلِّمُكُم) — الجَذرُ ذاتُه يَعمَلُ في الفَردِ كَما يَعمَلُ في الأُمَّة. والتَّعريفُ «الكِتاب» و«الحِكمة» يُحَدِّدُ مَوضوعَ التَّعليم: لَيسَ كَلاماً مُتَفَرِّقاً بَل بِنيَتَين مُتَكامِلَتَين. انظُر الكِتاب والحِكمة والرَّسول.
  • ٢:٢٣٩ ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ — التَّعليمُ في صِيغَتِه الماضية. الجَديدُ: «كَما عَلَّمَكُم» يَجعَلُ الذِّكرَ مَوزوناً بِما عَلَّمَ — الذِّكرُ لا يَكونُ عَشوائيّاً بَل عَلى صورَةِ ما عُلِّم. السِّياقُ صَلاةُ الخَوف: حتّى في حالةِ التَّهديدِ تَبقى صيغةُ الذِّكرِ مُحَدَّدةً بِالتَّعليمِ السَّابِق. الجَذرُ يَكشِفُ بُنيَةَ العَلامة: مَن أُظهِرَت لَه العَلامةُ في الأَمنِ يَستَخدِمُها في الخَوفِ كَما هي.
  • ٢:٢٨٢ ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ﴾ — التَّعليمُ في سِياقِ الكِتابةِ المالِيَّة. الجَديدُ: «كَما عَلَّمَهُ الله» يَربِطُ قُدرةَ الكِتابةِ بِالتَّعليمِ الإِلهيِّ — الكِتابةُ لَيسَت مَهارَةً ذاتيَّةً يَختَرِعُها الكاتِب، بَل مَوهِبَةٌ مُعَلَّمةٌ من الله. ولذا «لا يَأبَ كاتِبٌ» — مَن أُعطيَ التَّعليمَ مُكَلَّفٌ بِخِدمَتِه. الفِعلُ «عَلَّمَه» (ماضٍ مُتَعَدٍّ مع ضَميرِ الغائِبِ) يُذَكِّرُ الكاتِبَ بِأَنَّ ما لَدَيه أَمانةٌ لا مِلكيَّةٌ مُطلَقة. انظُر الكِتاب والدَّين.

التَّقاطُعات — مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • asma — في ٢:٣١ التَّجاوُرُ البِنَويُّ: الفِعلُ «عَلَّمَ» يَأخُذُ «الأَسماءَ» مَفعولاً. الفِعلُ والمَفعولُ يَتَشارَكانِ شِحنةَ العَلامة: عَلَّمَ = أَظهَرَ علامة، والأسماءُ = العَلاماتُ المَرفوعة. التَّواؤُمُ الجَذريُّ دَليلٌ على صِحَّةِ التَّحليل.
  • inba — في ٢:٣١-٢:٣٣ الإنباءُ يَتلو التَّعليم: بَعدَ أن أُودِعَت القُدرةُ جاءَ الامتِحانُ بِالإنباء. الإنباءُ تَحقُّقُ التَّعليمِ في المَيدان.
  • khalifa — الخِلافةُ في ٢:٣٠ تَستَدعي قُدرةَ تَمييز؛ وتَعليمُ الأَسماءِ في ٢:٣١ هو الجِهازُ الذي يُؤَهِّلُ الخَليفةَ لِدَورِه.

الإشكالات المَفتوحة

  • هل «عَلَّمَ آدَمَ» تَعليمٌ خارِجيٌّ أم استِخراجٌ لِما كانَ كامِناً؟ الجَذرُ يَدعَمُ القِراءتَين: ظُهورٌ من العُمقِ قَد يَعني إبرازَ الكامِن. مَوقِفُنا: الفِعلُ في صيغةِ التَّفعيلِ المُتَعَدِّيةِ يَجعَلُه إيداعاً من خارِجٍ في المُتَعَلِّم. لَكِنَّ الاثنَين لا يَتَناقَضان: ما أُودِعَ استَجابَ لِفِطرةٍ كانَت مُهيَّأةً لِاستِقبالِه.
  • هل «الأسماء كُلُّها» شامِلةٌ لِكُلِّ اسمٍ سيُوجَدُ في الكَون؟ مَوقِفُنا: «كُلَّها» تَصِفُ القُدرة، لا قائِمةً مُحدَّدة. آدمُ أُودِعَت فيه قُدرةُ التَّمييزِ الشَّامِلة، لا حِفظُ أسماءٍ بِعَينِها.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن