التَّعليم (عَلَّمَ)
إظهارُ علامةٍ في المُتَلَقِّي فيَتَمَيَّزُ بها الشَّيءُ في ذِهنِه من سِواه. الفِعلُ يَرسُمُ في المُتَعَلِّمِ حَدَّ كُلِّ شَيء.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
الجَذرُ ع-ل-م تَقَدَّمَ تَحليلُه في العالَمين القِسم ١ تَحليلاً كاملاً. المُلَخَّصُ المُرتَكَزُ هنا:
- ع: حَرفٌ حَلقيٌّ يَنشَأُ من قَبضِ الهَواءِ في أَقصى الحَلق.
شِحنَتُه: قَبضٌ من العُمق، شِدّةٌ تَنبَعِثُ من الجَوف. ظُهورٌ من الباطِنِ إلى الظاهِر.
- ل: تَعلُّقٌ يَمتَدّ، اتّصالٌ لا يَنقَطِع.
- م: تَجَمُّعٌ وتَلاصُق، إغلاقٌ يَحفَظُ ما في الدّاخِل.
النَّواةُ عل (ع + ل) = قَبضٌ من العُمقِ يَمتَدُّ ويَتَعَلَّق: ما يَكونُ مُختَزَناً في الباطنِ يَصِلُ إلى السَّطحِ مُتَعَلِّقاً بِمَا يُحيطُ به. الإغلاقُ بـم يَجمَعُ هذا الامتِدادَ في صورةٍ مُتَميِّزة، فيَصيرُ الجَذرُ: إحكامُ علامةٍ يَتَمَيَّزُ بها الشَّيءُ من غَيره فيُعرَفَ ويُحاطَ به.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- العِلم: الإحاطةُ المُحكَمةُ بالشَّيء.
- العَلامة: ما يَدُلُّ على الشَّيءِ ويُميِّزُه.
- العالَم: الكَيانُ الحاملُ للعَلامة، الدّالُّ على صانِعِه.
الفِعلُ «عَلَّمَ» يَرِثُ هذه الشِّحنةَ مُباشَرةً: إظهارُ علامةِ الشَّيءِ في ذِهنِ المُتَلَقِّي فيَتَمَيَّزُ له من سِواه. المادَّةُ كُلُّها من الجَذر، لا من الوَزن.
الصِّيَغ: وَزنُ التَّفعيلِ وما يُضيف
الآنَ، وبَعدَ أن استَقَرَّ المَعنى الجَذريُّ، يَدخُلُ الوَزن:
«عَلَّمَ» على وَزنِ فَعَّلَ (التَّفعيل). وَزنُ التَّفعيلِ في العَربيّةِ يَدُلُّ على المُلازَمة، التَّكثير، أو التَّعدِية. تَطبيقاً على جَذرِ ع-ل-م: عَلَّمَ آدَمَ الأَسماءَ = أَظهَرَ لآدَمَ علاماتِ الأشياءِ التي تُمَيِّزُها بَعضُها من بَعض، إظهاراً مُلازِماً مُكَرَّراً مَقصوداً (التَّفعيل). الجَوهَرُ ، إظهارُ العَلامة، من الجَذر؛ والتَّفعيلُ يُضيفُ التَّأكيدَ والمُلازَمةَ والقَصدَ فَحَسب.
الاختِبارُ الذّاتيّ المُلزِم: لو حُذِفَ ذِكرُ التَّفعيلِ من هذه الفِقرة، يَبقى المَعنى قائِماً: إظهارُ علامةٍ يُمَيَّزُ بها الشَّيءُ من سِواه. الوَزنُ يُضيفُ المُلازَمةَ والقَصد؛ لا يُعطي المَعنى من الصِّفر. هذا هو الفَرقُ بَين الوَزنِ مُضافاً إلى جَذرٍ ومَفهوم، والوَزنِ مُستَعاضاً به عَن الجَذر.
- عَلَّمَ (فَعَّلَ، ماضٍ متعدٍّ): فِعلُ الإظهارِ المُلازِمِ المَقصود.
يَستَدعي ثَلاثةَ مَواضِع: المُعَلِّمَ (الفاعِل)، والمُتَعَلِّمَ (المَفعولَ الأَوَّل)، والمُعَلَّمَ به (المَفعولَ الثاني).
- عَلَّمتَنا (ماضٍ متعدٍّ مع ضميرَي مُتَكَلِّمين): في ٢:٣٢ المَلائكةُ
تَعتَرِفُ: ما في ذَواتِنا من قُدرةِ التَّمييزِ مُستَقَى من إظهارِك.
الفُروق المَعنويّة: الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى
الجَذرُ ع-ل-م واسِعُ الإنتاج. هذا المَفهوم يَخُصُّ الفِعلَ في وَزنِ التَّفعيل. المَفاهيم الشَّقيقةُ:
- العالَمين: الاسمُ «العالَمين»، الكَيانُ الحاملُ للعَلامة.
الشِّحنةُ الجَذريّةُ ذاتُها، لكنَّ الصِّيغةَ اسمٌ لا فِعل.
- العِلم: العِلمُ كَمَصدَر، الإحاطةُ المُحكَمةُ في ذاتِها.
- alama: العَلامةُ كَشيءٍ بِنَفسِه، الدَّليلُ الحاملُ للإشارة.
- alim: صِفةُ العالِمِ والعَليم.
المَواضع: مَواقعُ «عَلَّمَ» في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٣١ ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسماءَ كُلَّها﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. ما فَعَلَه اللهُ بآدَمَ هو: **أَظهَرَ لآدَمَ علاماتِ الأَشياءِ
فيَتَمَيَّزُ بها كُلٌّ منها عن غَيرِه**. هذا لَيسَ «تَعليمَ اللُّغةِ» بِمَعناها الاصطِلاحيِّ، ولَيسَ «تَعليمَ الأسماء» كَقائِمةٍ يُحفَظُها. الأسماءُ هنا «الأسماء» بِجَذرِ س-م-و (انظُر الأَسماء (الجَمعُ التَّمييزيّ)): العَلاماتُ المَرفوعةُ فَوقَ الأَشياءِ فتُميِّزُها. وعَلَّمَ آدَمَ إيّاها = رَسَّخَ فيه قُدرةَ رُؤيةِ كُلِّ شَيءٍ بعَلامَتِه التي تَخُصُّه. وكَلِمةُ «كُلَّها» تُغلِقُ بابَ التَّجزيء: القُدرةُ كُلِّيّة، لا نِسبيّة. اتِّصالُ الفِعلِ بِفاعِلِه وَمَفعولَيه دَقيق: اللهُ هو المُعَلِّمُ بِلا واسِطة، وآدمُ هو المُتَعَلِّمُ بِالاسمِ (لَيسَ «الإنسانَ» كَجِنس)، والأسماءُ كُلُّها هي الجَوهَرُ المُودَع.
- ٢:٣٢ ﴿إِلّا ما عَلَّمتَنا﴾: المَلائكةُ تُقِرُّ بِحَدِّها:
قُدرتُنا على التَّمييزِ نَفسُها عَطاءٌ منك. الفِعلُ «عَلَّمتَنا» يَرِدُ هنا في سِياقِ الإقرارِ بالحَد: ما عِندَنا من قُدرةِ الإظهارِ مُستَقَى من إظهارِك. وهذا يُفَرِّقُ المَلائكةَ عن إبليسَ في المَشهَدِ اللّاحِق: المَلائكةُ تَلقَّت لأنَّها أَقَرَّت بِحُدودِها.
- ٢:١٥١ ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾: الفِعلُ «يُعَلِّمُ» يَنتَقِلُ من آدَمَ إلى الأُمَّة. الجَديدُ: التَّعليمُ هُنا فِعلٌ مُتَكَرِّرٌ مُسنَدٌ إلى الرَّسولِ بِنِسبَتِه إلى الله. ثَلاثُ مَهامَّ في الآيةِ ذاتِها: تِلاوَةُ الآياتِ، تَزكِيَةُ النَّفس، تَعليمُ الكِتابِ والحِكمة. التَّعليمُ يَأتي بَعدَ التَّزكِية: لا يُمكِنُ إظهارُ العَلامةِ على نَفسٍ لَم تَتَطَهَّر. وَزنُ التَّفعيلِ يَبقى ذاتَه (عَلَّمَ آدَم / يُعَلِّمُكُم)، الجَذرُ ذاتُه يَعمَلُ في الفَردِ كَما يَعمَلُ في الأُمَّة. والتَّعريفُ «الكِتاب» و«الحِكمة» يُحَدِّدُ مَوضوعَ التَّعليم: لَيسَ كَلاماً مُتَفَرِّقاً بَل بِنيَتَين مُتَكامِلَتَين. انظُر الكِتاب والحِكمة والرَّسول.
- ٢:٢٣٩ ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾: التَّعليمُ في صِيغَتِه الماضية. الجَديدُ: «كَما عَلَّمَكُم» يَجعَلُ الذِّكرَ مَوزوناً بِما عَلَّمَ، الذِّكرُ لا يَكونُ عَشوائيّاً بَل عَلى صورَةِ ما عُلِّم. السِّياقُ صَلاةُ الخَوف: حتّى في حالةِ التَّهديدِ تَبقى صيغةُ الذِّكرِ مُحَدَّدةً بِالتَّعليمِ السَّابِق. الجَذرُ يَكشِفُ بُنيَةَ العَلامة: مَن أُظهِرَت لَه العَلامةُ في الأَمنِ يَستَخدِمُها في الخَوفِ كَما هي.
- ٢:٢٨٢ ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ﴾: التَّعليمُ في سِياقِ الكِتابةِ المالِيَّة. الجَديدُ: «كَما عَلَّمَهُ الله» يَربِطُ قُدرةَ الكِتابةِ بِالتَّعليمِ الإِلهيِّ، الكِتابةُ لَيسَت مَهارَةً ذاتيَّةً يَختَرِعُها الكاتِب، بَل مَوهِبَةٌ مُعَلَّمةٌ من الله. ولذا «لا يَأبَ كاتِبٌ»، مَن أُعطيَ التَّعليمَ مُكَلَّفٌ بِخِدمَتِه. الفِعلُ «عَلَّمَه» (ماضٍ مُتَعَدٍّ مع ضَميرِ الغائِبِ) يُذَكِّرُ الكاتِبَ بِأَنَّ ما لَدَيه أَمانةٌ لا مِلكيَّةٌ مُطلَقة. انظُر الكِتاب والدَّين.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
asma: في ٢:٣١ التَّجاوُرُ البِنَويُّ: الفِعلُ «عَلَّمَ» يَأخُذُ
«الأَسماءَ» مَفعولاً. الفِعلُ والمَفعولُ يَتَشارَكانِ شِحنةَ العَلامة: عَلَّمَ = أَظهَرَ علامة، والأسماءُ = العَلاماتُ المَرفوعة. التَّواؤُمُ الجَذريُّ دَليلٌ على صِحَّةِ التَّحليل.
inba: في ٢:٣١-٢:٣٣ الإنباءُ يَتلو التَّعليم: بَعدَ أن أُودِعَت
القُدرةُ جاءَ الامتِحانُ بِالإنباء. الإنباءُ تَحقُّقُ التَّعليمِ في المَيدان.
khalifa: الخِلافةُ في ٢:٣٠ تَستَدعي قُدرةَ تَمييز؛ وتَعليمُ
الأَسماءِ في ٢:٣١ هو الجِهازُ الذي يُؤَهِّلُ الخَليفةَ لِدَورِه.
الإشكالات المَفتوحة
- **هل «عَلَّمَ آدَمَ» تَعليمٌ خارِجيٌّ أم استِخراجٌ لِما كانَ
كامِناً؟** الجَذرُ يَدعَمُ القِراءتَين: ظُهورٌ من العُمقِ قَد يَعني إبرازَ الكامِن. مَوقِفُنا: الفِعلُ في صيغةِ التَّفعيلِ المُتَعَدِّيةِ يَجعَلُه إيداعاً من خارِجٍ في المُتَعَلِّم. لَكِنَّ الاثنَين لا يَتَناقَضان: ما أُودِعَ استَجابَ لِفِطرةٍ كانَت مُهيَّأةً لِاستِقبالِه.
- هل «الأسماء كُلُّها» شامِلةٌ لِكُلِّ اسمٍ سيُوجَدُ في الكَون؟
مَوقِفُنا: «كُلَّها» تَصِفُ القُدرة، لا قائِمةً مُحدَّدة. آدمُ أُودِعَت فيه قُدرةُ التَّمييزِ الشَّامِلة، لا حِفظُ أسماءٍ بِعَينِها.