الاستِرجاع: إنَّا للهِ وإنَّا إليه راجِعون
الاستِرجاعُ قَولُ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ عِندَ المُصيبة. و«راجِعون» من ر-ج-ع، والجَذرُ جَرَيانٌ يَتَجَمَّعُ إلى ما جَرى مِنه فيَلتَحِمُ بِه: يُقِرُّ القائِلُ أنَّه لله، وأنَّه يَجري إلَيه فيَلتَحِمُ بِه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ر: استِرسالٌ مع تَماسُكٍ ما. ويَظهَرُ مِنه هُنا جَرَيانُه المُتَّصِل، وهو جَرَيان. وهذا وَجهُ «الجَرَيانِ المُستَرسِل».
- ج: تَجَمُّعٌ في جَوف. ويَظهَرُ مِنه هُنا أوَّلُه: الشَّيءُ يَجتَمِعُ إلى نَفسِه ويَتَكَتَّل، وهو تَجَمُّع. وهذا وَجهُ «الاجتِماعِ والتَّكَتُّل».
- ع: التِحامٌ على رِقّة. ويَظهَرُ مِنه هُنا أوَّلُه: يَنقَبِضُ على الشَّيءِ ويَلتَحِمُ بِه، وهو التِحام. وهذا وَجهُ «القَبضِ والالتِحامِ الحَلقيّ».
النَّواةُ رج (ر + ج) = جَرَيانٌ يَتَجَمَّعُ إلى ما جَرى مِنه. والإتمامُ بـع يُلحِمُه بِه حينَ يَبلُغُه. فالجَذرُ ر-ج-ع حرفيّاً: جَرَيانٌ يَتَجَمَّعُ إلى ما جَرى مِنه فيَلتَحِمُ بِه.
والآياتُ تُسَمّي ما جَرى مِنه الرّاجِع: أُمّاً ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ (٢٠:٤٠)، ومَن فَطَرَه ﴿الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣٦:٢٢)، ومَن يَبدَأُ الخَلق ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ۖ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ۚ إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ (١٠:٤). ويَظهَرُ التَّجَمُّعُ بَعدَ التَّفَرُّق: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ ۖ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ (٢١:٩٣). وضِدُّه المُضِيّ: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ (٣٦:٦٧). والفِعلُ لازِمٌ ومُتَعَدٍّ بِلَفظٍ واحِد: يَرجِعُ الشَّيءُ، ويَرجِعُه غَيرُه.
اختِبارُ المَعنى على مَواضِعِ الجَذرِ كُلِّها. يَرِدُ الجَذرُ في القُرآنِ في مِئةٍ وأربَعةِ مَواضِعَ (١٠٤). وهذه صِيَغُه كُلُّها، لِكُلِّ صيغةٍ عَدَدُ مَواضِعِها وشاهِد:
- رَجَعَ، يَرجِعُ لازِماً (٢٦): ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ﴾ (١٢:٦٣): يَجري الإخوةُ (١٢:٥٨) إلى أبيهِم الذي جَرَوا من عِندِه فيَلتَحِمونَ بِه. ويَكونُ ما جَرى مِنه الرّاجِعُ نَفسَه: ﴿فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ (٢١:٦٤).
- رَجَعَ، يَرجِعُ مُتَعَدِّياً (٥، مِنها المَبنيُّ لِلمَجهولِ في ٤١:٥٠): ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (٦٠:١٠): المُؤمِناتُ جِئنَ مُهاجِراتٍ من عِندِ الكُفّار، والنَّهيُ أن يُجرَينَ إلَيهِم ثانيةً. وفي ٥٦:٨٧ ﴿تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: ما بَلَغَ الحُلقومَ (٥٦:٨٣) يُتَحَدّى المُخاطَبونَ أن يُجروهُ إلى ما جَرى مِنه.
- رَجَعَ القَولَ (٣): ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ (٣٤:٣١): القَولُ يَجري بَينَ الفَريقَين، كُلٌّ يُجريهِ إلى الآخَرِ جَواباً لِما جاءَه مِنه: ﴿لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾. وفي ٢٠:٨٩ ﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾: قَولُهُم يَجري إلى العِجلِ (٢٠:٨٨)، والآيةُ تَنفي أن يَجريَ مِنه إلَيهِم جَواب. ومِثلُه ﴿فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ (٢٧:٢٨).
- تُرجَعون، يُرجَعون، تُرجَعُ، يُرجَعُ مَبنيّاً لِلمَجهول (٣٢): ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٢:٢١٠): الأُمورُ تُجرى إلى اللهِ فتَلتَحِمُ بِه، ويُطوى ذِكرُ مَن يُجريها. ومِثلُه ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ (١١:١٢٣).
- ارجِعْ، ارجِعوا، ارجِعي أمراً لازِماً (٩): ﴿ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ (٨٩:٢٨): النَّفسُ تُدعى أن تَجريَ إلى رَبِّها فتَلتَحِمَ بِه. وفي ٥٧:١٣ ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾: الجَريُ إلى الوَراء، إلى ما جاؤوا مِنه.
- ارجِعْ أمراً مُتَعَدِّياً (٤): ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ﴾ (٦٧:٤): البَصَرُ يُجرى إلى السَّماواتِ (٦٧:٣) مَرّةً بَعدَ مَرّة، ثُمَّ يَتَجَمَّعُ إلى صاحِبِه، والآيةُ تُسَمّي ذلك ﴿يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ﴾. وفي ٢٣:٩٩ ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾: مَن حَضَرَه المَوتُ يَسأَلُ أن يُجرى إلى ما جَرى مِنه، ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ (٢٣:١٠٠).
- راجِعون اسمَ فاعِل (٤): ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٢:٤٦): مَن قامَ بِه الحَدَث، والآيةُ نَفسُها تُسَمّي آخِرَ جَرَيانِه ﴿أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ﴾.
- تَراجَعَ (١): ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا﴾ (٢:٢٣٠): زَوجانِ فَرَّقَ بَينَهُما الطَّلاق، وكُلٌّ مِنهُما يَجري إلى الآخَرِ فيَلتَحِمان.
- مَرجِع مُضافاً إلى الضَّمير (١٦): ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ (٣:٥٥): المَوضِعُ الذي يَتَجَمَّعُ إلَيه الجَرَيانُ فيَلتَحِمُ بِه.
- رَجْع (٣): ﴿ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (٥٠:٣)، جَواباً لِـ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾: يَستَبعِدونَ أن يَتَجَمَّعَ التُّرابُ إلى الحَياةِ التي جَرى مِنها. وفي ٨٦:٨ ﴿إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾. وفي ٨٦:١١ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾: السَّماءُ يَجري مِنها ما يَرجِعُ فيَجري مَرّةً بَعدَ مَرّة، والمُعجَمُ يُسَمّيهِ المَطَر، وتُقابِلُها ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ (٨٦:١٢).
- الرُّجْعى (١): ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ﴾ (٩٦:٨): اسمُ الحَدَثِ نَفسِه، ومُنتَهاه الرَّبّ.
من خارِجِ التَّركيب:
- من المُعجَم: رَجَعَ يَرجِعُ رُجوعاً ومَرجِعاً ورُجعى: عادَ إلى ما كانَ مِنه، ورَجَعَه غَيرُه: رَدَّه. والرَّجعُ: المَطَر، ورَجعُ الجَوابِ: رَدُّه.
- عِندَ جَبَل في النَّواةِ رج: «الاضطراب المادي، أي اضطراب الجِرْم وتردده».
وما يَزيدُه الاستِرجاع: يَصيرُ اسمُ الفاعِلِ «راجِعون» قَولاً يَقولُه المُصابُ عن نَفسِه، ويُقرَنُ بِالانتِماءِ قَبلَه ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾. فالقائِلُ يُسَمّي مَن هو لَه ومُنتَهى جَرَيانِه مَعاً، والضَّميرُ في «إليه» يَعودُ على الاسمِ في الشَّطرِ الأوَّل. والصَّفحَتانِ ruju3 وraj3a تَقرَآنِ الرُّجوعَ في صِيَغِه كُلِّها وتَراجُعَ الزَّوجَين.
الصِّيَغ
- إليه راجِعون (اسمُ فاعِلٍ جَمعٌ يَتَقَدَّمُه مُنتَهاه): القائِلونَ مَن قامَ بِهِم الحَدَث، ومُنتَهاهُم الله. يُقرَأُ هُنا في ٢:١٥٦ وَحدَها، و«راجِعون» في غَيرِها لِـ
ruju3. - إنَّا لله وإنَّا إليه راجِعون (جُملَتانِ مُؤَكَّدَتانِ بِإنَّ): الصّيغةُ كامِلة، شَطرٌ يُسَمّي مَن هُم لَه، وشَطرٌ يُسَمّي مُنتَهى جَرَيانِهِم.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: جَرَيانٌ يَتَجَمَّعُ إلى ما جَرى مِنه فيَلتَحِمُ بِه. الوَزنُ يُحَدِّدُ: مَن قامَ بِه الحَدَث (راجِعون)، والقَولُ يَجعَلُه إقراراً من قائِلِه.
الفُروق المَعنويّة
ruju3(الرُّجوع): الحَدَثُ نَفسُه في صِيَغِه كُلِّها. والاستِرجاعُ هذا القَولُ المُعَيَّنُ عِندَ المُصيبة. انظُر الرُّجوع.
المَواضع: مَواقِعُ الاستِرجاعِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٥٦ ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. قَولٌ يَقولُه مَن ﴿إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾، في شَطرَين. الأوَّلُ ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ يُقِرُّ القائِلُ فيه أنَّه لله. والثّاني ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ يُقِرُّ فيه أنَّه يَجري إلى اللهِ فيَلتَحِمُ بِه. والضَّميرُ في الشَّطرِ الثّاني يَعودُ على الاسمِ في الأوَّل، فمَن هُم لَه هو مُنتَهى جَرَيانِهِم. والقَولُ يَأتي جَواباً لِما يُصيبُهُم.
التَّقاطُعات
musiba: الاستِرجاعُ هو القَولُ الذي يُقالُ عِندَ المُصيبة.- salawat: ٢:١٥٧ تَجعَلُ الصَّلَواتِ والرَّحمةَ من رَبِّهِم لِمَن قالَ الاستِرجاع.
ruju3: الشَّقيقُ العامُّ من الجَذرِ نَفسِه.
الإشكالات المَفتوحة
- هل «راجِعون» لِلرُّجوعِ بَعدَ المَوتِ أم لِحالٍ في الحَياة؟ اسمُ الفاعِلِ يَصِفُ القائِلينَ بِالحَدَث، ويَترُكُ زَمَنَه مَفتوحاً. وفي ٢:٢٨ يَأتي الرُّجوعُ بَعدَ الإحياءِ الثّاني، وفي ٢:٢٨١ يُجعَلُ لَه يَوم.
- دَينُ التَّسجيل: آياتٌ مَنشورةٌ فيها الجَذرُ ولا تُسَجِّلُها صَفَحاتُه: ٢:١٩٦، ٢:٢١٠، ٣:٥٥، ٣:١٠٩، ٢٠:٤٠، ٢٠:٨٩، ٢٠:٩١، ٣٦:٨٣، ٨٦:٨، ٨٦:١١، ٨٩:٢٨ (وهي مُسَجَّلةٌ في صَفَحاتٍ أُخرى).