التَّابوت
الوِعاءُ المُقَدَّسُ الذي تَحمِلُه المَلائِكةُ وفيه السَّكينة، التَّابوتُ في القُرآنِ آيةٌ مادِّيَّةٌ للاصطِفاءِ الإلهيِّ.
الجَذر: قراءةٌ وملاحظةٌ أُصوليَّة
اختُلِفَ في أصلِ اللَّفظ، أعَرَبيٌّ هو من ت-و-ب أم مُعَرَّبٌ من لِسانٍ مُجاوِر. ولا تَتَوَقَّفُ القِراءةُ التّاليةُ على حَسمِ ذلك: هي قِراءةُ الحُروفِ التي يَكتُبُها المُصحَف، لا دَعوى في النَّسَب.
- ت :: انطِباقٌ دَقيقٌ يَقرَعُ أصولَ الثَّنايا **قَرعاً
خَفيفاً، فحَبسةٌ وَجيزة، ثُمَّ انفِتاحٌ خاطِفٌ يَقطَعُ الحَدَثَ ويُتِمُّه، وصِفَتُه الدِّقّةُ والوَحدة. فالمَبدَأُ إطباقٌ خَفيفٌ يُتِمّ**.
- و :: تَستَديرُ الشَّفَتانِ **حَلقةً تَشتَمِلُ على مَجرى
النَّفَسِ من غَيرِ سَدّ، ووَجهُها الأوَّلُ العَقدُ والإحاطةُ والاحتِواء. فالوَسَطُ إحاطةٌ تَحوي ولا تَسُدّ**.
- ب :: التِقاءٌ رَخوٌ يُمسِكُ النَّفَسَ مُحتَبَساً **ثُمَّ
يَنفَتِحُ عَنه خارِجاً. فالمُنتَهى إمساكٌ قابِلٌ لِلانفِتاح**.
فالتَّركيبُ: إطباقٌ خَفيفٌ يُتِمّ، فإحاطةٌ تَحوي ولا تَسُدّ، فإمساكٌ يَنفَتِح. وهذه ثَلاثُ خَصائِصَ لِلتّابوتِ لا تُوجَدُ في مُطلَقِ الوِعاء: أنَّ إغلاقَه خَفيفٌ تامّ، وأنَّ إحاطَتَه لَيسَت سَدّاً، وأنَّ إمساكَه مَبنيٌّ على أن يُفتَح.
وما تَدفَعُه هذه القِراءة: أنَّ ٢:٢٤٨ تَجعَلُ الآيةَ في مَجيئِه لا في فَتحِه: «أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ». ولَيسَ في الآيةِ أمرٌ بِفَتحٍ ولا ذِكرٌ لِنَظَرٍ فيه، وهو ما تُوجِبُه الواو: إحاطةٌ من غَيرِ سَدّ. والجَذرُ الآخَرُ في الآيةِ يُوافِقُه من جِهَتِه، فنونُ س-ك-ن تَنفُذُ مُنبَعِثةً من مَنفَذٍ ضَيِّق. فالجَذرانِ يَلتَقِيانِ على أنَّ المَظروفَ يَبلُغُ القَومَ والوِعاءُ مُطبَق، وهو أدَقُّ ما في المَشهَد: دَليلُ المُلكِ صُندوقٌ لا يُفتَح. انظُر sakina.
الصِّيَغ
- التَّابوت (اسمٌ مُعَرَّف): في ٢:٢٤٨. الفَصيلُ المَعهودُ: التَّابوتُ الذي يَعرِفُه المُخاطَبون.
ملاحظةٌ: لا يَرِدُ اللَّفظُ في المُصحَفِ إلّا مَرَّتَين، ٢:٢٤٨ و٢٠:٣٩،
وكِلتاهُما مَنشورةٌ ومَقروءةٌ في القِسمِ الرّابِع. والرَّسمُ واحِدٌ
فيهِما والمَوقِعُ مُختَلِف: يَأتي التّابوتُ في الأولى، ويُقذَفُ فيه
ويُقذَفُ هو في الثّانية.
الفُروق المَعنويّة
لا شَقيقَ مُستَقِلَّ. «التَّابوت» كَلِمةٌ واحِدةٌ بِوُردودٍ مُختَلِفة.
المَواضع: مَواقِعُ التَّابوتِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٢٤٨ ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. التَّابوتُ يَدخُلُ القُرآنَ آيةً للمُلك: (١) فيه سَكينةٌ من الرَّبِّ، الجَوهَرُ الرُّوحيّ، (٢) بَقيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ موسى وآلُ هارون، الذَّاكِرةُ المُقَدَّسةُ للأَنبياء، (٣) تَحمِلُه المَلائِكة، التَّكريمُ الإلهيُّ بِرَفعِ حَمَّالِيه. «إنَّ في ذَلِك لَآيةً لَّكُم إن كُنتُم مُؤمِنين»، شَرطُ الانتِفاعِ بِالآيةِ الإيمان.
- ٢٠:٣٩ ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾: الجَديدُ: يَنتَقِلُ التّابوتُ من آيةٍ تُنتَظَرُ إلى وِعاءٍ يُقذَفُ فيه، ويُقذَفُ هو نَفسُه فيما لا يُملَك: «فِي التَّابُوتِ» ثُمَّ «فِي الْيَمِّ»، ظَرفانِ في نَسَقٍ واحِدٍ بِفِعلٍ واحِدٍ مُكَرَّر، فالإمساكُ الأوَّلُ شَرطُ البَقاءِ في الثّاني. ثُمَّ لا يَبلُغُ غايَتَه بِحَرَكةٍ مِنه: «فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ»، كَما كانَ في ٢:٢٤٨ «تَحمِلُهُ المَلائِكة». وفي المَوضِعَينِ لا يَحمِلُ نَفسَه، وفي المَوضِعَينِ يَبلُغُ قَوماً وهو مُطبَق. والوَجهُ الثّالِثُ من قِراءةِ الحُروفِ (إمساكٌ مَبنيٌّ على أن يُفتَح) هو الذي يَظهَرُ هُنا: «يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي»، فما وُضِعَ فيه يُؤخَذُ مِنه. والمَظروفُ في الأولى سَكينةٌ وبَقِيَّة، وفي الثّانيةِ المُخاطَبُ نَفسُه («وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي»)، فالوِعاءُ واحِدٌ وما يُحمَلُ فيه يَتَبَدَّل.
التَّقاطُعات
sakina: السَّكينةُ في التَّابوت.mulk: التَّابوتُ آيةُ المُلكِ الإلهيِّ.malak: المَلائِكةُ حَامِلوه.- آلُ موسى: مَصدَرُ البَقيَّة.
الإشكالات المَفتوحة
- هل «التَّابوت» مُعَرَّبٌ أم عَرَبيُّ الأَصل؟ المَوقِف: لا نَحسِم، وهو ما اشتَرَطَه القِسمُ الأوَّل: القِراءةُ قِراءةُ الحُروفِ التي يَكتُبُها المُصحَف، لا دَعوى في النَّسَب. والذي يُبنى عَلَيه هُنا أنَّ المُصحَفَ يُعَرِّفُه بِأل ويُجريه على الصَّرفِ العَرَبيّ. أمّا رَدُّه إلى لِسانٍ بِعَينِه فَخَبَرٌ عن تاريخِ اللَّفظِ لا يُقيمُه المُصحَف. مَفتوح.