طه · الآية 39
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«أَنِ»: حَرفٌ يَفتَحُ ما أُغلِقَ قَبلَ سَطر
الآيةُ قَبلَها قالَت مَا يُوحَىٰ﴾ ولم تَقُلْ ما هو. وهذه تَبدَأُ بِـ«أَنِ» تُفَسِّرُ ذلك المُبهَم.
حَرفانِ يَرفَعانِ الحِجاب. ما بَينَ الإبهامِ والبَيانِ سَطرٌ واحِد.
«اقْذِفِيهِ … فَاقْذِفِيهِ»: أمرٌ يُعادُ بِلَفظِه ويُبَدَّلُ مَحَلُّه
الفِعلُ نَفسُه مَرَّتَينِ، بِياءِ المُخاطَبةِ في المَرَّتَين. لم يُغَيَّرْ حَرفٌ منه.
والذي تَغَيَّرَ ما بَعدَه: «فِي التَّابُوتِ» ثُمَّ «فِي الْيَمِّ». مَحَلّانِ وحَرفُ ظَرفٍ واحِد.
و«في» لا «على». المَقذوفُ يَقَعُ في داخِلٍ يَحويه، لا على ظَهرٍ يَحمِلُه. قَذفٌ إلى جَوفٍ ثُمَّ قَذفٌ بِالجَوفِ إلى جَوف.
والقَذفُ في ق-ذ-ف إطلاقٌ حادٌّ يُبعِدُ المَقذوفَ عن يَدِ القاذِف. فما أُمِرَت بِه لَيسَ وَضعاً ولا إمساكاً، بَل إبعادٌ تَنفَكُّ بِه اليَدُ عمّا فيها.
«التَّابُوتِ»: اسمٌ مُعَرَّفٌ لا نَعتَ لَه
جاءَ بِأل ولم يَتبَعْه وَصف. لا حَجمَ ولا مادَّةَ ولا هَيئة.
والآيةُ لا تَقولُ عنه شَيئاً سِوى أنَّه مَحَلُّ القَذفِ الأوَّل. ثُمَّ لا يُذكَرُ ثانِيةً بِاسمِه في السّورة.
«فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ»: الأمرُ يَنتَقِلُ إلى ما لا يَسمَع
ثَلاثةُ أوامِرَ في سَطرٍ واحِد. الأوَّلانِ لِمُخاطَبةٍ تَسمَع، والثّالِثُ بِلامِ الأمرِ على غائِب.
والمَأمورُ الثّالِثُ هو اليَمّ. وقد كانَ قَبلَ كَلِمَتَينِ مَجروراً مَقذوفاً فيه، فصارَ مَرفوعاً فاعِلاً يَفعَل.
الظَّرفُ يَصيرُ عامِلاً. ما أُلقِيَ فيه يُلقي.
و«بِالسّاحِلِ» باءُ الإلصاق: لا يُلقيه في السّاحِلِ ولا عَلَيه، بَل مُلصَقاً بِه. حَدُّ الماءِ هو مَوضِعُ الوَضع.
«يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ»: الأخذُ جَوابٌ لا مُفاجَأة
الفِعلُ مَجزوم، وهو جَوابُ الأمرِ الذي قَبلَه. فأخذُ العَدُوِّ لَيسَ حادِثاً يَعتَرِضُ التَّدبير، بَل ما يَتَرَتَّبُ عَلَيه.
و«عَدُوٌّ» نَكِرة. لم يُسَمَّ ولم يُعَرَّفْ بِأل.
ثُمَّ يُعادُ الاسمُ ولا يُكتَفى بِعَطفِ اللّام. لم يُقَلْ «عَدُوٌّ لي ولَه»، قيلَ «عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ». عَداوَتانِ اثنَتانِ في واحِد، تُعَدُّ كُلُّ واحِدةٍ مِنهُما بِاسمِها.
واللّامُ الأولى لِلمُتَكَلِّم. تُقَدَّمُ عَداوَتُه على عَداوةِ المَأخوذ.
«وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي»: التَّاءُ تَحُلُّ مَحَلَّ النّون
كانَ الخَبَرُ يَجري بِنونِ العَظَمة: «مَنَنَّا»، «أَوْحَيْنَا». وهُنا «أَلْقَيْتُ».
تاءُ مُتَكَلِّمٍ مُفرَد، ثُمَّ «مِّنِّي»، ثُمَّ «عَيْنِي». ثَلاثةُ مَواضِعَ تَنتَهي كُلُّها إلى ياءٍ واحِدة.
والفِعلُ «أَلْقَيْتُ» من الجِذرِ الذي أُمِرَ بِه اليَمُّ في السَّطرِ نَفسِه: «فَلْيُلْقِهِ». اليَمُّ يُلقي إلى سَاحِل، والمُتَكَلِّمُ يُلقي على مُخاطَب. فِعلٌ واحِدٌ يَجري في مَوضِعَينِ، وما بَينَهُما فَرقٌ في الفاعِلِ لا في الفِعل.
و«مَحَبَّةً» نَكِرةٌ مَنصوبة. لم يُذكَرْ مَن يُحِبُّ ولا كَم ولا متى. ذُكِرَ الإلقاءُ، وذُكِرَ المُلقى، وذُكِرَ المَحَلُّ بِـ«عَلَيْكَ»، وذُكِرَ المَصدَرُ بِـ«مِّنِّي».
أربَعةُ أشياءَ تُذكَرُ ولا خامِس. وما لم يُذكَرْ لا يُستَخرَجُ من غَيرِ الآية.
«وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي»: عِلّةٌ يَغيبُ فاعِلُها ثُمَّ يَحضُرُ في ظَرفِها
لامٌ تُعَلِّلُ، وفِعلٌ مَبنيٌّ لِلمَجهول. «تُصْنَعَ» لا «أصنَعَك».
فالصّانِعُ محذوفٌ من الفِعل. ثُمَّ يَعودُ بَعدَه بِكَلِمَة: «عَيْنِي». حُذِفَ من مَوضِعِ الفاعِلِ وحَضَرَ في مَوضِعِ الظَّرف.
والصُّنعُ في ص-ن-ع إمساكٌ مُحكَمٌ يُخرِجُ ما أُمسِكَ عَمَلاً ظاهِراً. فلَيسَ فِعلاً يَقَعُ دَفعةً، بَل مُعالَجةً تُدارُ حتّى تَستَوي.
و«عَلَىٰ عَيْنِي» استِعلاءٌ ثانٍ بَعدَ «عَلَيْكَ». والعَينُ تَعودُ في الآيةِ التّالِيةِ لِغَيرِ صاحِبِها هُنا: كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾. كَلِمةٌ واحِدةٌ في آيَتَينِ مُتَجاوِرَتَين.
حَصيلة
«أَنِ» تَفتَحُ ما أُبهِمَ في «مَا يُوحَىٰ» قَبلَ سَطر. ثُمَّ يَجري أمرٌ واحِدٌ مُعاداً بِلَفظِه، «اقْذِفِيهِ» ثُمَّ «فَاقْذِفِيهِ»، والمُتَبَدِّلُ مَحَلُّه لا صيغَتُه، وحَرفُ الظَّرفِ «في» في المَرَّتَين، فالقَذفُ إيداعٌ في داخِلٍ لا وَضعٌ على ظَهر. و«التَّابُوتِ» مُعَرَّفٌ بِلا نَعتٍ يَتبَعُه. ثُمَّ يَنتَقِلُ الأمرُ إلى ما لا يَسمَع: «فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ»، فالمَقذوفُ فيه يَصيرُ فاعِلاً، والباءُ في «بِالسَّاحِلِ» إلصاقٌ عِندَ حَدِّ الماء. و«يَأْخُذْهُ» مَجزومٌ في جَوابِ الأمر، فالأخذُ مُتَرَتِّبٌ لا مُعتَرِض، و«عَدُوٌّ» نَكِرةٌ أُعيدَ اسمُها لِتُعَدَّ عَداوَتانِ لا واحِدة، وقُدِّمَت لامُ المُتَكَلِّم. ثُمَّ تُبَدَّلُ نونُ العَظَمةِ تاءَ مُتَكَلِّمٍ مُفرَد: «أَلْقَيْتُ» و«مِّنِّي» و«عَيْنِي»، وهو الجِذرُ نَفسُه الذي أُمِرَ بِه اليَمُّ في السَّطر. و«مَحَبَّةً» نَكِرةٌ ذُكِرَ إلقاؤُها ومَحَلُّها ومَصدَرُها ووُقِفَ عِندَ ذلك. و«لِتُصْنَعَ» عِلّةٌ بُنِيَت لِلمَجهول، فحُذِفَ الصّانِعُ من الفِعلِ وعادَ في الظَّرفِ الذي بَعدَه.