العُرضة
العُرضةُ من ع-ر-ض، والجَذرُ ظُهورٌ من العُمقِ يَجري فيَنبَسِط. والعُرضةُ (فُعلة) ما يُبسَطُ أمامَ غَيرِه فيَلقاه، وتَنهى الآيةُ أن يُجعَلَ اللهُ كذلك لِلأيمان: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾ (٢:٢٢٤).
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
الجَذرُ مُشتَرَكٌ مَعَ الإعراض، فحُروفُه ونَواتُه وجُملَتُه واحِدةٌ في الوَرَقَتَين.
ثلاثةُ حُروف:
- ع: التِحامٌ على رِقّة. ويَظهَرُ مِنه هُنا آخِرُه: ما التَحَمَ في العُمقِ يَصيرُ ظاهِراً، وهو ظُهورٌ من العُمق. وهذا وَجهُ «الظُّهورِ من العُمق».
- ر: استِرسالٌ مع تَماسُكٍ ما. ويَظهَرُ مِنه هُنا جَرَيانُه المُتَّصِل، وهو جَرَيانٌ يَمضي. وهذا وَجهُ «الجَرَيانِ المُستَرسِل».
- ض: ضَغطٌ بِكَثافةٍ وثِقَل. ويَظهَرُ مِنه هُنا آخِرُه: الضَّغطُ يَنفَرِجُ فيَنبَسِطُ بِثِقَلِه، وهو انبِساط. وهذا وَجهُ «الانفِراجِ والانبِساطِ والخُروج».
النَّواةُ عر (ع + ر) = ظُهورٌ من العُمقِ يَجري: ما كانَ في العُمقِ يَصيرُ ظاهِراً ويَمضي في ظُهورِه. والإتمامُ بـض يَبسُطُ هذا الظّاهِر. فالجَذرُ ع-ر-ض حرفيّاً: ظُهورٌ من العُمقِ يَجري فيَنبَسِط.
وتُظهِرُ الآيةُ ٦٩:١٨ أوَّلَ المَعنى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾، فالمَعروضونَ يَظهَرُ مِنهُم كُلُّ ما كانَ خافِياً. وتَجمَعُ الآيةُ ٤١:٥١ صيغَتَينِ مِنه: المُعرِضُ يُبدي جانِبَه ﴿أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ﴾، والدّاعي يَبسُطُ دُعاءَه ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾. ومِقدارُ ما يَنبَسِطُ هو العَرْض: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (٣:١٣٣).
اختِبارُ المَعنى على مَواضِعِ الجَذرِ كُلِّها. يَرِدُ الجَذرُ في القُرآنِ في تِسعةٍ وسَبعينَ مَوضِعاً (٧٩)، ثَمانيةَ عَشَرَ مِنها في الآياتِ المَنشورةِ هُنا، على أربَعَ عَشرةَ صيغة. وهذه الصِّيَغُ كُلُّها، لِكُلٍّ عَدَدُها وشاهِد:
- أَعرَضَ (١٣): المُعرِضُ يُبدي لِلشَّيءِ جانِبَه ويَنأى عَنه، و«عَن» تُسَمّي ما يَترُكُه. وفي ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ (٦٦:٣) يُقابِلُ الإعراضُ التَّعريف: بَعضُ الحَديثِ أُظهِر، وبَعضُه تُرِك. ويَقَعُ بَعدَ النَّجاة: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ (١٧:٦٧).
- يُعرِضُ (٦): ﴿وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ (٥٤:٢): الآيةُ تَظهَرُ لَهُم، وهُم يُبدونَ لَها جانِبَهُم.
- أَعرِضْ (١٣، أمراً): ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٧:١٩٩): يُؤمَرُ بِإبداءِ الجانِبِ لِلجاهِلين، ويُؤمَرُ في الآيةِ نَفسِها بِالعُرف. ومِنه ﴿فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ (٤:١٦).
- إعراض (٢): ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ (٦:٣٥): الفِعلُ نَفسُه اسماً، يَكبُرُ على مَن أُعرِضَ عَنه.
- مُعرِض (١٩): ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا ۖ وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ (٢١:٣٢): آياتُ السَّماءِ ظاهِرةٌ فَوقَهُم، وهُم يُبدونَ لَها جانِبَهُم. ويَأتي حالاً بَعدَ التَّوَلّي في ٢:٨٣ و٣:٢٣.
- عَرَضَ (٣، مُتَعَدِّياً بِـ«على»): ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ (٢:٣١): يُظهِرُهُم ويَبسُطُهُم أمامَ المَلائكة، ثُمَّ يُطلَبُ من المَلائكةِ أن يُنبِئوا بِأسمائِهِم. ومِثلُه ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ (٣٣:٧٢): بُسِطَت الأمانةُ أمامَها ﴿فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا﴾.
- عَرْضاً (١، مَصدَراً): ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ (١٨:١٠٠): جَهَنَّمُ تُظهَرُ لَهُم مَبسوطةً، والمَصدَرُ يُؤَكِّدُ الفِعل.
- عُرِضَ / يُعرَضُ (٨، مَبنيّاً لِلمَجهول): ﴿وَعُرِضُوا عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا﴾ (١٨:٤٨): يَظهَرونَ مَبسوطينَ صَفّاً. و﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (٤٠:٤٦): يُبسَطونَ أمامَ النّارِ ظاهِرين. و﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ (٣٨:٣١). و٦٩:١٨ المَذكورةُ آنِفاً.
- عَرْض (٣): ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٥٧:٢١): مِقدارُ انبِساطِ الجَنّة، تَقيسُه الآيةُ بِالسَّماءِ والأرض. ومِثلُه ٣:١٣٣.
- عَرَض (٦): ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ﴾ (٩:٤٢): ما يَظهَرُ مَبسوطاً قَريباً في المُتَناوَل. وتُضيفُه الآياتُ إلى الدُّنيا: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (٨:٦٧)، و﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ﴾ (٧:١٦٩)، و﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٤:٩٤)، ومِثلُها ٢٤:٣٣.
- عُرضة (١): ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾ (٢:٢٢٤): العُرضةُ ما يُبسَطُ أمامَ غَيرِه فيَلقاه. والآيةُ تَنهى أن يُجعَلَ اللهُ كذلك لِلأيمان، وتَصِلُ النَّهيَ بِـ﴿أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾.
- عَرَّضَ (١): ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ﴾ (٢:٢٣٥): ما في النَّفسِ يُظهَرُ ويُبسَطُ في القَول، وتُقابِلُه الآيةُ بِما أُكِنَّ في النَّفس.
- عَريض (١): ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ (٤١:٥١): دُعاءٌ مُنبَسِط، تُقابِلُ بِه الآيةُ إعراضَ صاحِبِه في أوَّلِها.
- عارِض (٢): ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ (٤٦:٢٤): شَيءٌ يَظهَرُ لَهُم مُنبَسِطاً يَستَقبِلُ أوديَتَهُم، فيَحسَبونَه يُمطِرُهُم، وتُسَمّيه الآيةُ ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
من خارِجِ التَّركيب:
- من المُعجَم: العَرْضُ خِلافُ الطُّول، والعُرْضُ الجانِب، وعَرَضَ الشَّيءَ: أظهَرَه وأبرَزَه. والعَرَضُ ما يُصيبُه المَرءُ من مَتاعِ الدُّنيا ولا يَدوم. والعارِضُ السَّحابُ يَعتَرِضُ في الأُفُق. والتَّعريضُ خِلافُ التَّصريح. والعُرضةُ ما يُنصَبُ لِلشَّيء، والمانِعُ المُعتَرِضُ دونَه.
- عِندَ جَبَل في النَّواةِ عر: «نَقصٌ أو جَردٌ من ظاهِرِ الشَّيءِ يَلزَمُه ظُهورُ ما كانَ خافِياً». ولا قِراءةَ لَه لِلجَذرِ الثُّلاثيّ ع-ر-ض.
الصِّيَغ
- عُرضة (فُعلة): ما يُبسَطُ أمامَ غَيرِه فيَلقاه. وتَأتي في الآيةِ مَفعولاً ثانياً لِـ«تَجعَلوا»، واللّامُ في ﴿لِّأَيْمَانِكُمْ﴾ تُسَمّي ما تَلقاه العُرضة.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: ظُهورٌ من العُمقِ يَجري فيَنبَسِط. ووَزنُ فُعلة يُسَمّي ما يُجعَلُ كذلك لِغَيرِه.
الفُروق المَعنويّة
i3rad(الإعراض): الجَذرُ واحِد. العُرضةُ ما يُبسَطُ أمامَ غَيرِه فيَلقاه، والإعراضُ أن يُبدِيَ المَرءُ جانِبَه لِما يَترُكُه. انظُر الإعراض.iyman(الأَيمان، ي-م-ن): هي ما تُجعَلُ العُرضةُ لَه في ٢:٢٢٤. انظُر الأَيمانُ حَلِفاً ويَداً.lagw(اللَّغو): تَليها ٢:٢٢٥ في الأيمانِ نَفسِها، وتَذكُرُ اللَّغوَ فيها. انظُر اللَّغو.
المَواضع: مَواقِعُ العُرضةِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٢٢٤ ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح، والوُرودُ الوَحيدُ لِلصّيغة. تَنهى الآيةُ أن يُجعَلَ اللهُ مَبسوطاً أمامَ الأيمانِ يَلقاها، وتَصِلُ النَّهيَ بِثَلاثةِ أفعال: البِرِّ والتَّقوى والإصلاحِ بَينَ النّاس. وتَختِمُ بِـ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
التَّقاطُعات
i3rad: الجَذرُ نَفسُه.iyman(الأَيمان): ما تُجعَلُ العُرضةُ لَه.birr: ﴿أَن تَبَرُّوا﴾ أوَّلُ ما تَصِلُ بِه الآيةُ النَّهي.taqwa: ﴿وَتَتَّقُوا﴾ ثانيه.islah: ﴿وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ثالِثُه.
الإشكالات المَفتوحة
- ما صِلةُ ﴿أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ بِالعُرضة؟ تَحتَمِلُ أن تَكونَ ما يَقومُ اليَمينُ دونَه، أو ما يُطلَبُ من المُخاطَبينَ مَعَ النَّهي. والآيةُ تَترُكُ الوَجهَينِ مَفتوحَين، والمَعنى الجَذريُّ يَسَعُهُما: العُرضةُ ما يُبسَطُ أمامَ غَيرِه فيَلقاه. وقَولا المُعجَم (ما يُنصَبُ لِلشَّيء، والمانِعُ المُعتَرِض) في سَطرِه في القِسمِ الأوَّل.