العَمى
غِيابُ الاتِّجاهِ المُنَظَّمِ بامتِدادٍ يَلتَبِسُ: ليسَ فَقدَ العَينِ بل امتِدادُ اختِلاطٍ داخِليٍّ حَتّى تَتَلاشى الأَشياءُ ويَنعَدِمَ المِحوَرُ الذي يُرَتِّبُ الرُّؤية.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ع — حَرفٌ حَلقيٌّ عَميق. شِحنَتُه: قَبضٌ حَلقيٌّ وشِدَّة، اتِّصالٌ داخِليٌّ عَميق.
- م — انطِباقُ الشَّفَتَين. شِحنَتُه: تَجَمُّعٌ وإحاطة، احتِواءٌ يَغمُرُ.
- ي — حَرَكةٌ تَنزَلِقُ من أَمامِ الحَنَك. شِحنَتُه: امتِدادٌ لَيِّنٌ وسَريان.
النَّواةُ عم (ع + م) = اتِّصالٌ عَميقٌ مُحيط، احتِواءٌ يَغمُرُ الداخِلَ بلا تَمييز. (كَما في «عَمِيَ الخَبَرُ» و«الأَمرُ الأَعمى».) الإكمالُ بـي يُطيلُ هذا الاختِلاطَ في سَريانٍ يَتَواصَل، فيَصيرُ الجَذرُ كلُّه: اتِّصالٌ عَميقٌ يَغمُرُ بلا تَمييزٍ ثُمَّ يَمتَدُّ، التِباسٌ يَسري حَتّى يَنعَدِمَ المِحوَرُ الذي كانَ يُفَرِّقُ الأَشياء.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- عَمِيَ الخَبَرُ — التَبَسَ. أَصرَحُ صُوَرِ الجَذرِ في العَمى المَعنَويّ.
- الأَمرُ الأَعمى — الذي لا وَجهَ له ولا اتِّجاه.
- عَمِيَ الرَّجُلُ — فَقَدَ البَصَر. لَكِنَّ الجَذرَ يَكشِفُ أنَّ الأَساسَ هو انعِدامُ الاتِّجاهِ لا فَقدُ الضَّوء.
الشِّحنةُ الجامعةُ للجَذرِ ع-م-ي: اتِّصالٌ عَميقٌ يَغمُرُ بِلا تَمييزٍ يَمتَدُّ، التِباسٌ يَسري حتّى يَنعَدِمَ المِحوَرُ الذي يُرَتِّبُ الرُّؤية.
تَمييزٌ جَوهَريٌّ: العَمى (ع-م-ي) غَيرُ العَمَه (ع-م-هـ). العَمى:
امتِدادُ اختِلاطٍ عَميقٍ يُذيبُ المِحوَرَ. العَمَه: احتِواءٌ بِفَراغٍ
ظاهِرٍ يُتيحُ الرُّؤيةَ لَكِن بِلا وِجهة. في ٢:١٥ «يَعمَهون» وَصفٌ
لِلمُنافِقينَ في الطُّغيان (تِيهٌ مَعَ الرُّؤية)؛ وفي ٢:١٨ «عُميٌ» يَرِدُ
في ثَلاثيِّ الانسِداد (اختِلاطٌ عَميقٌ يُعَطِّلُ التَّوجيه). كِلاهُما
يُؤَدِّيانِ إلى «لا يَرجِعون» لَكِن بآلِيَّتَين مُختَلِفَتَين.
انظُر العَمَه.
الصِّيَغ — كيف يَردُ «العَمى» في القرآن
- عُميٌ (جَمعُ أَعمى) — المُتَّصِفون بانعِدامِ الاتِّجاه. يَردُ في ٢:١٨ ثالِثاً في الثَّلاثيّ.
- أَعمى (مُفرَد، صِفةٌ على وَزنِ أَفعَل) — المُتَّصِفُ بالعَمى.
- عَمى (مَصدَر) — الالتِباسُ العَميقُ المُمتَدّ.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: في كلِّ الصِّيَغ شِحنةُ «الاتِّصالِ العَميقِ
الغامِرِ المُمتَدِّ الذي يُذيبُ التَّمييز» قائِمة.
الفُروق المَعنويّة — الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى
(كلُّ صِيَغِ ع-م-ي تَتَمَحوَرُ على الاختِلاطِ العَميقِ المُمتَدّ. ملاحَظة: العَمَه هو مَلَفَّ مُستَقِلٌّ للعَمَهِ ع-م-هـ، وهو مَختَلِفٌ عن هذا المَلَفَّ رَغمَ تَقارُبِ الاسمَين.)
المَواضع — مَواقعُ العَمى في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٨ ﴿صُمٌّ بُكمٌ عُميٌ فَهُم لا يَرجِعون﴾ — مَوضِعُ الافتِتاحالعَمى يَأتي ثالِثاً وخاتِماً لِثَلاثيِّ الوَصفِ في ٢:١٨. والدَّقيقُ أنَّ المُنافِقَ يَرى: يَرى النُّصوصَ والمَشاهِدَ والوُجوهَ. لَكِنَّ عَينَه عَمياءُ بمَعنى الجَذرِ: المِحوَرُ الداخِليُّ الذي كانَ يُرَتِّبُ هذه المَرئيّاتِ في مَسارٍ واحِدٍ قَد التَبَسَ وانعَدَمَ. الرُّؤيةُ بِلا مِحوَرٍ تَراكُمٌ من مَشاهِدَ لا تَنتَظِمُ في خَطّ. والعَمى هنا نَتيجةُ مَا سَبَقَ: الصَّمَمُ أَغلَقَ قَناةَ الإدخالِ ليُعدِمَ المِحوَرَ بِحِرمانِه من مادَّةِ بِنائِه؛ والبَكَمُ أَغلَقَ قَناةَ الإخراجِ المُلزِمِ فَأَبقى المِحوَرَ بِلا تَصريف؛ والعَمى النَّتيجةُ النِّهائِيَّة: مِحوَرٌ مُعطَّلٌ كُلِّيّاً لا يُرَتِّبُ الرُّؤية. فاءُ التَّعقيبِ ﴿فَهُم﴾ تُعلِنُ أنَّ ما يَليها نَتيجةٌ آلِيَّة: انسُدَّت القَنواتُ الثَّلاثُ فَانعَدَمَ الرُّجوع. انظُر الصَّمَم والبَكَم والرُّجوع.
- ٢:١٧١ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ — التَّكرارُ الكامِلُ لِثَلاثيِّ ٢:١٨ في سِياقٍ جَديد. الجَديدُ: الفاءُ التَّعقيبِيَّةُ تُختَمُ بِـ«لا يَعقِلون» لا «لا يَرجِعون». ٢:١٨ أَنكَرَ الرُّجوعَ (لا يَستَطيعونَ العَودة)، ٢:١٧١ يُنكِرُ العَقلَ (لا يَستَطيعونَ الإدراك). نَتيجَتانِ مُتَدَرِّجَتانِ من نَفسِ ثُلاثيِّ الانسِداد. وَسِياقُ ٢:١٧١ كاشِف: مَثَلُ الذينَ كَفَروا كَمَثَلِ الذي يَنعِقُ بِما لا يَسمَعُ — الرَّاعي يُنادي والشَّاةُ تَسمَعُ صَوتاً لا مَعنى. العَمى هُنا فَقدُ تَمييزِ المَعنى المَنطوقِ من الصَّوتِ المُجَرَّد. التَّكرارُ بَين الآيَتَين يَكشِفُ بِنيَةً مُتَكَرِّرَةً: ثَلاثيُّ الانسِدادِ آلَةٌ تَشخيصيَّةٌ مُكَرَّرَةٌ لِنَوعَين مُختَلِفَين من الكُفر (مُنافِقٌ في ٢:١٨ ومُتَّبِعٌ لِلآباءِ في ٢:١٧١).
التَّقاطُعات — مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
3amah— العَمَهُ (ع-م-هـ) وَصفٌ لِلتِّيهِ مَعَ بَقاءِ الرُّؤية. العَمى (ع-م-ي) اختِلاطٌ يُعدِمُ المِحوَر. كِلاهُما في بَقَرة ١٥ و١٨ لَكِن بآلِيَّتَين مُختَلِفَتَين يُكمِلُ كلٌّ منهما الآخَر. انظُر العَمَه.samm— الأَوَّلُ في ثَلاثيِّ ٢:١٨. انظُر الصَّمَم.bakam— الثَّاني. انظُر البَكَم.ruju3— نَتيجةُ الثَّلاثيّ. انظُر الرُّجوع.basar— البَصَرُ القَناةُ التي يُصيبُها العَمى. انظُر البَصَر.dhulumat— في ٢:١٧ «لا يُبصِرون» بسَبَبِ الظُّلُمات، وفي ٢:١٨ «عُميٌ» بسَبَبِ انعِدامِ المِحوَر. مَوضِعانِ مُتَقارِبانِ بِعِلَّتَين مُختَلِفتَين. انظُر الظُّلُمات.
الإشكالات المَفتوحة
- هل العَمى في ٢:١٨ وَصفٌ لِعَمى العَينِ أم القَلب؟ الجَذرُ يُشيرُ إلى انعِدامِ التَّمييزِ والاتِّجاه، وهذا أَوسَعُ من العَينِ المُجَرَّدة. مَوقِفُنا: عَمى المَنظومةِ الإدراكِيَّةِ كُلِّها، وليسَ العَينَ وَحدَها. والقرآنُ يُفَرِّقُ في مَواضِعَ أُخرى بَين عَمى البَصَرِ وعَمى القَلبِ (مَوضِعٌ مُتَوَقَّع).