البَصَر
ظُهورٌ على السَّطحِ يَثبُتُ ويَنفُذُ إلى داخِل. الإدراكُ الذي يَنطَلِقُ من الظَّاهِرِ ليَبلُغَ المُضمَر.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ب — انطِباقُ الشَّفَتَينِ ثُمَّ انفِتاحُهُما. شِحنَتُه: اتِّصالٌ يَتَمَسَّكُ ثُمَّ يَفتَحُ على ما بَعدَه، ظُهورٌ وبَوّابة.
- ص — حرفٌ مُطبَقٌ مُستَعلٍ، يَنشأُ بانضِغاطِ اللِّسانِ في الحَنَكِ العُلويِّ مَعَ إطباق. شِحنَتُه: صَلابةٌ وإطباق، شِدَّةٌ مَحبوسةٌ ثُمَّ مُنطَلِقة.
- ر — اهتِزازُ اللِّسانِ في الغار. شِحنَتُه: تَكرارٌ وجَريان، استِرسالٌ يَمتَدّ.
النَّواةُ بص (ب + ص) = ظُهورٌ يَثبُتُ بصَلابة، بَوّابةٌ تُطبَقُ على ما تَرى فتَحبِسُه قَبلَ إصدارِه. الإكمالُ بـر يُمَدُّ هذا الإدراكُ المَحبوسُ إلى استِرسالٍ ويَجري، فيَصيرُ الجَذرُ كلُّه: ظُهورٌ يَثبُتُ بصَلابةٍ ثُمَّ يَجري مُستَرسِلاً، إدراكٌ يَقبِضُ ما يَرى ويُديمُه.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- بَصَرَ بالشَّيءِ — رَآه ورَأى ما وَراءَه. البَصَرُ في الأَصلِ أَعمَقُ من مُجَرَّدِ النَّظَر.
- البَصيرة — الإدراكُ الداخِليُّ العَميق، نافِذةُ القَلبِ الكاشِفة. وبهذا يُعلَمُ أنَّ البَصَرَ الجَذريَّ ليسَ حاسَّةً سَطحيّةً فَحَسب.
- أَبصَرَ (إفعال) — رَأى رُؤيةً واضِحة.
الشِّحنةُ الجامعةُ للجَذرِ ب-ص-ر: ظُهورٌ صُلبٌ يُثبَّتُ ثُمَّ يَسري، الإدراكُ الذي يَقبِضُ الظَّاهِرَ ويُنفِّذُه إلى الداخِل. البَصَرُ في الجَذرِ أَعمَقُ من عَينٍ مُجَرَّدة.
الصِّيَغ — كيف يَردُ «البَصَر» في القرآن
- أَبصار (جَمعُ بَصَر) — الإدراكاتُ المُتَعَدِّدة. الجَمعُ يُشيرُ إلى التَّعَدُّدِ في أَصحابِه.
- بَصير (صِفةٌ مُشَبَّهة) — المُتَّصِفُ بالبَصَرِ ثُباتاً. «اللهُ بَصير» = الذي يَقبِضُ كلَّ ما يَظهَرُ ولا يَغيبُ عنه ظاهِر.
- بَصيرة (تَأنيثٌ للصِّفة) — الإدراكُ الداخِليُّ.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: في كلِّ الصِّيَغ شِحنةُ «الظُّهورِ الصُّلبِ المُثبَّتِ
الجاري» قائِمة.
المِفتاحُ البِنيَويُّ — البَصَرُ كَمَنفَذِ الإدراكِ الظَّاهِرِيِّ في قانونِ الرُّؤيَةِ المُتَبادَلَة: في تَيبولوجيا §IX (انظُر [مَنهَجَ المَلَفّات](../../../methodology/13-dossier-method.md)) البَصَرُ لَيسَ قانوناً بَل مَنفَذٌ خارِجيٌّ من مَنافِذِ الإنسانِ، يَنفَتِحُ عَلى الآياتِ الظَّاهِرة ويَلتَقي بِهِ قانونٌ مَوازٍ من جِهَةِ الله: «اللهُ بَصير». الإدراكُ البَشَريُّ والإدراكُ الإِلَهيُّ يَلتَقيانِ في الجَذرِ ذاتِه:
- في العَبد: بَصَرٌ يَفتَحُ على الظَّاهِر ﴿أَفَلا تُبصِرون﴾.
- في الله: بَصيرٌ يَنفَذُ إلى كُلِّ ما يَعمَلُ العَبد ﴿بِما تَعمَلون بَصير﴾ (٢:١١٠).
- التَّقابُلُ ليسَ مُتَناظِراً: بَصَرُ العَبدِ مَحدودٌ بِالسَّطح، والبَصيرُ يَقبِضُ السَّطحَ والعُمق.
البَصَرُ إذَن العُضوُ الذي يَتَلَقَّى عَلَيهِ قانونُ الآياتِ الظَّاهِرة كَما يَتَلَقَّى القَلبُ عَلَيه قانونَ الكَلِمَة. مَنفَذٌ مَعَ نَظيرٍ: السَّمعُ يَتَلَقَّى التِّلاوة، البَصَرُ يَتَلَقَّى المَشهد، القَلبُ يَتَلَقَّى المَعنى. تَعطيلُ أَحَدِها (خَتم، غِشاوة، صَمَم) يَكسِرُ سَلسَلَةَ الإدراك.
والفَرقُ بَين «الغِشاوة» على البَصَرِ و«الخَتم» على القَلبِ يَكشِفُ البِنيَة: البَصَرُ سَطحٌ خارِجيّ، يَكفي حَجبُه بِطَبَقة؛ القَلبُ عُمقٌ داخِليّ، يَحتاجُ إغلاقاً تامّاً. الجَذرُ يَكشِفُ هذا: ظُهورٌ (ب) — صَلابة (ص) — جَريان (ر). البَصَرُ مَنفَذُ السَّطحِ الصَّلب.
الفُروق المَعنويّة — الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى
(لا فُروعَ ذاتُ شِحنةٍ مُتَمَيِّزة. كلُّ صِيَغِ ب-ص-ر تَدورُ على الإدراكِ الذي يَقبِضُ الظَّاهِر.)
المَواضع — مَواقعُ البَصَرِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٧ ﴿وعلى أَبصارِهِم غِشاوَة﴾ — مَوضِعُ الافتِتاحالبَصَرُ يَدخُلُ القرآنَ هنا بصِيغةِ الجَمع «أَبصارِهِم»، مُغَطًّى لا مَختوماً. لاحِظِ الفَرق: القَلبُ والسَّمعُ خُتِما خَتماً بـ«على»، والبَصَرُ غُشِّيَ بـ«غِشاوة». الخَتمُ إغلاقٌ كامِلٌ يَلتَصِق؛ والغِشاوةُ طَبقةٌ تَنتَشِرُ على السَّطح. والفَرقُ في العُمق: البَصَرُ أَقرَبُ إلى السَّطحِ من القَلبِ والسَّمع، فكُفِيَ بطَبقةٍ دُونَ إغلاقٍ كامِل. وجَمعُ «أَبصار» مُقابِلَ إفرادِ «سَمعِهِم» يُؤَكِّدُ أنَّ البَصَرَ أَكثَرُ تَعَدُّداً في مَظاهِرِه من السَّمع.
- ٢:١٧ ﴿وَتَرَكَهُم في ظُلُماتٍ لا يُبصِرون﴾ — البَصَرُ يَرِدُ هنا في صيغةِ النَّفي «لا يُبصِرون»: الإبصارُ معَطَّلٌ بَعدَ أن أُخِذَ النُّورُ. ودَقيقُ الجَذرِ: الإبصارُ (ب-ص-ر) ظُهورٌ يَثبُتُ بِصَلابةٍ ثُمَّ يَجري. حينَ تَنعَدِمُ الاستِقامةُ (بسَبَبِ الظُّلُمات) لا يَجِدُ البَصَرُ سَطحاً صُلباً يَثبُتُ عليه. فالإبصارُ لَيسَ في جِهازِ العَينِ فَحَسبُ بل في الوَضعِيَّةِ التي تَسمَحُ لِلعَينِ أن تَرى. انظُر الظُّلُمات والنُّور والمَثَل.
- ٢:٢٠ ﴿يَكادُ البَرقُ يَخطَفُ أَبصارَهُم ... وَلَو شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمعِهِم وأَبصارِهِم﴾ — البَصَرُ يَرِدُ مَرَّتَين: «أَبصارَهُم» (مَفعولُ الخَطف) و«وأَبصارِهِم» (مَعطوفٌ على السَّمعِ في القُدرةِ الإلهيَّة). في الأُولى البَصَرُ في خَطَرِ الانتِزاعِ المُؤَقَّتِ بِالبَرق؛ وفي الثَّانيةِ البَصَرُ قَرضٌ إلهيٌّ لا مُلك. الجَمعُ «أَبصارَهُم» يُشيرُ إلى تَعَدُّدِ مَظاهِرِ الإدراكِ البَصَريّ. انظُر الخَطف والبَرق والقُدرة.
- ٢:١١٠ ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ — «بَصير» صِفةٌ إلهيَّةٌ تَختِمُ الأَمرَ بِالصَّلاةِ والزَّكاة. الجَديدُ: البَصيرُ (الذي يَقبِضُ كُلَّ ما يَظهَرُ) يَنظُرُ في «ما تَعمَلون» — الأَعمالُ كُلُّها في دائِرةِ الرُّؤيةِ الإلهيَّة. الصَّلاةُ والزَّكاةُ المُطالَبُ بِهِما لَيستا في السِّرِّ — هُما مَرئيَّتانِ للبَصير.
التَّقاطُعات — مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
ghishawa— التَّلازُمُ في ٢:٧. الغِشاوةُ حِجابُ البَصَرِ بعَينِه. انظُر الغِشاوة.khatm— التَّمييز: الخَتمُ على القَلبِ والسَّمع، والغِشاوةُ على البَصَر. انظُر الخَتم.sam3— البَصَرُ والسَّمعُ مَداخِلُ المَعرِفة، يُغلَقانِ بأَسلوبَين مُختَلِفَين. انظُر السَّمع.shu3ur— الشُّعورُ إدراكٌ باطِنيٌّ والبَصَرُ إدراكٌ ظاهِريٌّ. معاً يَكتَمِلُ الإدراكُ من الخارِجِ إلى الداخِل. انظُر الشُّعور.
الإشكالات المَفتوحة
- لماذا جُمِعَ «أَبصارِهِم» ومُفرِدَ «سَمعِهِم»؟ الجَذرُ يُرشِدُ إلى أنَّ السَّمعَ جِنسٌ مَصدَريٌّ بَينَما الأَبصارُ أَعضاءٌ مُتَعَدِّدةٌ ظاهِرة. مَوقِفُنا: الإفرادُ والجَمعُ يَعكِسانِ الطَّابَعَ الجَوهَريَّ لكلٍّ منهما.