الظُّلُمات
الظُّلُماتُ من ظ-ل-م، والجَذرُ حَجبٌ يَغشى الشَّيءَ ويَتَعَلَّقُ بِه فيُمسِكُه في باطِنِه. والظُّلُماتُ هذا الحَجبُ في الأشياء: يَغشاها فيُمسِكُها في باطِنِه فلا تُرى، ومَن كانَ فيه لا يَخرُجُ مِنه بِنَفسِه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ظ: حَجبٌ غَليظ. ويَظهَرُ مِنه هُنا إطباقُه: حَجبٌ يُطبِقُ على الشَّيءِ ويَغشاه، وهو حَجبٌ يَغشى الشَّيء. وهذا وَجهُ «الحَجبِ والإطباقِ الغاشي».
- ل: تَعَلُّقٌ يَمتَدّ. ويَظهَرُ مِنه هُنا أوَّلُه: الشَّيءُ يَلتَصِقُ بِغَيرِه ويَعلَقُ بِه، وهو تَعَلُّق. وهذا وَجهُ «التَّعَلُّقِ والالتِصاقِ والحَوز».
- م: امتِساكٌ وضَمّ. ويَظهَرُ مِنه هُنا وَسَطُه: امتِساكٌ يَحوي ما ضَمَّه في الباطِن، وهو إمساكٌ في الباطِن. وهذا وَجهُ «الامتِساكِ والاحتِواءِ الباطِن».
النَّواةُ ظل (ظ + ل) = حَجبٌ يَغشى الشَّيءَ ويَتَعَلَّقُ بِه. والإتمامُ بـم يُمسِكُ ما غَشِيَه هذا الحَجبُ في باطِنِه. فالجَذرُ ظ-ل-م حرفيّاً: حَجبٌ يَغشى الشَّيءَ ويَتَعَلَّقُ بِه فيُمسِكُه في باطِنِه.
وما يُمسِكُه هذا الحَجبُ في باطِنِه لا يَخرُجُ مِنه. فكِلتا الجَنَّتَينِ آتَت أُكُلَها ولم تُمسِكْ مِنه شَيئاً: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا﴾ (١٨:٣٣)، والظُّلمةُ إذا غَشِيَت قَوماً يَمشونَ أمسَكَتهُم في مَوضِعِهِم: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ (٢:٢٠).
والظُّلُماتُ هذا الحَجبُ نَفسُه في الأشياء: يَغشاها فيُمسِكُها في باطِنِه فلا تُرى، ومَن كانَ فيه لا يَخرُجُ مِنه: ﴿كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ (٦:١٢٢). ويُقابِلُها النُّور، وهو انبِعاثٌ يَخرُجُ من داخِلٍ فيَسري فيما حَولَه (النُّور): الظُّلُماتُ تُمسِكُ في الباطِن، والنُّورُ يَخرُجُ مِنه. ولِذلك يَأتي الانتِقالُ بَينَهُما إخراجاً: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (١٤:١). وصورةُ الجَذرِ الأُخرى في الإنسان: الظُّلمُ إمساكٌ يُمسِكُ بِه صاحِبُه ما كانَ يَصِلُ إلى غَيرِه (الظُّلم).
اختِبارُ المَعنى على مَواضِعِ الجَذرِ كُلِّها. يَرِدُ الجَذرُ في القُرآنِ في ثَلاثِمِئةٍ وخَمسةَ عَشَرَ مَوضِعاً (٣١٥). مِئَتانِ وتِسعةٌ وثَمانونَ مِنها لِلظُّلم، وهي مُختَبَرةٌ في الظُّلم. والباقي سِتّةٌ وعِشرونَ (٢٦) لِلظُّلمة، على ثَلاثِ صِيَغ:
- ظُلُمات (٢٣، جَمعاً في كُلِّ مَواضِعِه): - ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ (٣٩:٦): الحَجبُ يُمسِكُ المَخلوقَ في باطِنِه وهو يُخلَقُ فيه، والظُّلُماتُ هُنا تُعَدّ. - ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ (٢٤:٤٠): حُجُبٌ يَغشى بَعضُها بَعضاً، فتُمسِكُ أقرَبَ الأشياءِ إلى صاحِبِها عن بَصَرِه. وفي الآيةِ نَفسِها «كَظُلُمَاتٍ». - ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ (٦:٥٩): الأرضُ تُمسِكُ الحَبّةَ في باطِنِها، واللهُ يَعلَمُها هُناك. - ﴿لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٦:٩٧، ومِثلُها ٦:٦٣ و٢٧:٦٣): حَجبٌ يَغشى السّائِرَ في البَرِّ والبَحر، والنُّجومُ يُهتَدى بِها فيه. - ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ (٦:٣٩): الذينَ كَذَّبوا بِالآياتِ في الحَجبِ لا يَسمَعونَ ولا يَنطِقون. - ﴿فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢١:٨٧): المُمسَكُ في الحَجبِ يُنادي من داخِلِه، ويُسَمّي نَفسَه في النِّداءِ من الظّالِمين، فتَجتَمِعُ صورَتا الجَذرِ في آيةٍ واحِدة. - ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (٦:١)، و﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ (١٣:١٦، ومِثلُها ٣٥:٢٠): الظُّلُماتُ مَجعولةٌ مَعَ النُّور، وهُما لا يَستَويان. - الإخراجُ مِنها إلى النُّورِ في سِتّةِ مَواضِعَ غَيرِ ٢:٢٥٧ (٥:١٦، ١٤:١، ١٤:٥، ٣٣:٤٣، ٥٧:٩، ٦٥:١١)، ومِنها ﴿لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٥٧:٩): ما يُمسِكُه الحَجبُ يُخرَجُ مِنه.
- أَظلَمَ (١): ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ (٢:٢٠): الفِعلُ مَعَ «عَلَى» يَجعَلُ الحَجبَ يَغشاهُم فيُمسِكُهُم في مَوضِعِهِم، ويُقابِلُه في الآيةِ نَفسِها «كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ» (القِسمُ الرّابِع).
- مُظلِم (٢): ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ (١٠:٢٧): اللَّيلُ قِطَعٌ مُظلِمةٌ تَغشى الوُجوه، والفِعلُ في الآيةِ نَفسُه «أُغْشِيَتْ». ومِثلُه في القَوم: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾ (٣٦:٣٧): يُسلَخُ النَّهارُ فيَبقى اللَّيلُ يَغشاهُم.
من خارِجِ التَّركيب:
- من المُعجَم: الظُّلمُ وَضعُ الشَّيءِ في غَيرِ مَوضِعِه، والظُّلمةُ ذَهابُ النّور.
- عِندَ جَبَل في النَّواةِ ظل: «الحجب».
وما تَزيدُه الظُّلُمات: تَرِدُ جَمعاً في مَواضِعِها كُلِّها، ويُقابِلُها النُّورُ مُفرَداً. فهي حُجُبٌ يَغشى بَعضُها بَعضاً (٢٤:٤٠)، أو ثَلاثٌ تُعَدّ (٣٩:٦).
الصِّيَغ
- ظُلُمات (جَمع): الحَجبُ الغاشي في الأشياء، ولا يَرِدُ في القُرآنِ إلّا جَمعاً.
- أَظلَمَ (أَفعَلَ، ماضٍ): صارَ الحَجبُ غاشياً، و«عَلَيْهِمْ» تُسَمّي مَن يَغشاه (٢:٢٠).
- مُظلِم (اسمُ فاعِلٍ من أَظلَمَ): ما يَغشى بِهذا الحَجب: قِطَعٌ من اللَّيلِ (١٠:٢٧)، أو مَن صارَ فيه: قَومٌ يَغشاهُم اللَّيلُ (٣٦:٣٧).
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: حَجبٌ يَغشى الشَّيءَ ويَتَعَلَّقُ بِه فيُمسِكُه في باطِنِه. الوَزنُ يُحَدِّدُ: الحَجبَ نَفسَه جَمعاً، أو دُخولَه على مَن يَغشاه، أو مَن صارَ فيه.
الفُروق المَعنويّة
dhulm(الظُّلم): الجَذرُ نَفسُه. الظُّلمُ إمساكٌ يُمسِكُ بِه الفاعِلُ ما كانَ يَصِلُ إلى غَيرِه أو إلى نَفسِه، والظُّلُماتُ حَجبٌ يَغشى الأشياءَ فيُمسِكُها في باطِنِه. ويَجتَمِعانِ في ٢١:٨٧. انظُر الظُّلم.nur(النُّور): الضِّدّ. النُّورُ يَخرُجُ من داخِلٍ فيَسري فيما حَولَه، والظُّلُماتُ تُمسِكُ في باطِنِها. ويَتَقابَلانِ في ٢:٢٥٧ و٦:١ و١٣:١٦. انظُر النُّور.
المَواضع: مَواقعُ الظُّلُماتِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٧ ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. تَدخُلُ الظُّلُماتُ القُرآنَ بَعدَ ذَهابِ نُورٍ كانَ يَسري فيما حَولَ صاحِبِه: «فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ» ثُمَّ «ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ». فيُترَكونَ «فِي» الحَجبِ فيُمسِكُهُم في باطِنِه، وأثَرُه في الآيةِ «لَّا يُبْصِرُونَ». انظُر النُّور والبَصَر.
- ٢:١٩ ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾: الجَديدُ: تَصيرُ الظُّلُماتُ «فِيهِ»، داخِلَ صَيِّبٍ نازِلٍ «مِّنَ السَّمَاءِ»، بَعدَ أن كانَ النّاسُ داخِلَها في ٢:١٧، ويُعطَفُ عَلَيها رَعدٌ وبَرق. فالحَجبُ هُنا جُزءٌ من المَطَرِ النّازِل. انظُر الصَّيِّب والبَرق.
- ٢:٢٠ ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾: الجَديدُ: يَرِدُ الجَذرُ فِعلاً على أَفعَلَ لِأوَّلِ مَرّةٍ في المُسَجَّل، مُتَعَدّياً بِـ«عَلَى»: يَغشاهُم الحَجبُ فيُمسِكُهُم في مَوضِعِهِم فيَقِفون. ويُقابِلُه في الآيةِ نَفسِها «كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ»، فتَتَعاقَبُ الإضاءةُ والإمساك. انظُر البَرق.
- ٢:٢٥٧ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾: الجَديدُ: تَرِدُ «الظُّلُمَاتِ» مُعَرَّفةً طَرَفاً في إخراجٍ يَقَعُ مَرَّتَينِ بِاتِّجاهَين: اللهُ يُخرِجُ الذينَ آمَنوا مِنها إلى النُّور، والطّاغوتُ يُخرِجُ الذينَ كَفَروا من النُّورِ إلَيها. فالحَجبُ الذي يُمسِكُ في باطِنِه يُخرَجُ مِنه ويُدخَلُ إلَيه، وتُختَمُ الآيةُ بِـ«أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ». انظُر النُّور والطَّاغوت.
التَّقاطُعات
nur: التَّقابُلُ الأساسيّ: النُّورُ يَخرُجُ فيَسري، والظُّلُماتُ تَغشى فتُمسِك. انظُر النُّور.nar: في ٢:١٧ النّارُ المُستَوقَدةُ أضاءَت ما حَولَ صاحِبِها، وحينَ ذَهَبَ النُّورُ جاءَت الظُّلُمات. انظُر النّار.basar: الظُّلُماتُ تُمسِكُ ما فيها عن البَصَرِ في ٢:١٧ و٢٤:٤٠. انظُر البَصَر.sayyib: الظُّلُماتُ جُزءٌ من مَثَلِ الصَّيِّب. انظُر الصَّيِّب.barq: البَرقُ يُضيءُ لَحَظاتٍ داخِلَ الظُّلُمات. انظُر البَرق.
الإشكالات المَفتوحة
- دَينُ تَسجيل: ٣٦:٣٧ مَنشورةٌ وفيها «مُّظْلِمُونَ»، ولم تُسَجَّلْ هُنا. تُسَجَّلُ في مَوجةٍ لاحِقة.