البِناء
إقامةُ ما كانَ مُتَفَرِّقاً حَتّى يَصيرَ صَرحاً يَحتَوي فَراغاً مَحمِيّاً. البِناءُ ليسَ تَرَاكُماً عَشوائيّاً للعَناصِر، بَل تَنظيمٌ مَقصودٌ لِحَيِّزٍ داخِليٍّ يَصيرُ مَأمناً لِمَن يَدخُلُه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ب — انطِباقُ الشَّفَتَين ثُمَّ انفِتاحُهما. شِحنَتُه: اتّصالٌ يَتَمَسَّك، الإلصاقُ الذي يَحمِلُ.
- ن — رَنينٌ أَنفِيٌّ يَخرُجُ من الباطِن. شِحنَتُه: رَنينٌ داخِليٌّ يَنبَعِثُ، نَفاذٌ من الجَوفِ إلى السَّطح.
- ي — لِيّةٌ من مُقَدَّمِ الحَنَك. شِحنَتُه: امتِدادٌ لَطيفٌ يَسري في اتِّجاه.
النَّواةُ بن (ب + ن) = اتِّصالٌ يَنبَعِثُ من داخِلِه، إلصاقٌ يُنشِئُ بُنيةً من الجَوف. الإكمالُ بـي يَمُدُّ هذه البُنيةَ في اتِّجاهٍ لَطيفٍ مُستَمِرّ، فيَصيرُ الجَذرُ كلُّه: اتِّصالٌ يَنبَعِثُ من الداخِلِ ويَمتَدُّ في صَرحٍ قائِم مُتَماسِك.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- بَنى = أَقامَ. والفِعلُ يَدُلُّ على تَجميعِ العَناصِرِ المُتَفَرِّقةِ في تَكوينٍ واحِد.
- البُنيان — المُشَيَّدُ من الحَجَرِ والطين، الصَّرحُ القائِمُ المُتَماسِك.
- البُنيةُ — التَّركيبُ الداخليُّ لأيِّ شَيء. ومنه «بُنيةُ اللُّغة» = الكَيفِيّةُ التي تَتَرابَطُ فيها أجزاؤُها.
- الابنُ (من الجَذرِ ذاتِه بَعضُ العُلَماء) — من يَنبَعِثُ من الباطِنِ ويَرتَبِطُ بِمَصدَرِه.
الشِّحنةُ الجامعةُ للجَذرِ ب-ن-ي: تَماسُكٌ يَنبَثِقُ من داخِلٍ لِيُقيمَ صَرحاً يَحتَوي فَراغاً ويَحفَظُه. البِناءُ ليسَ مُجَرَّدَ تَكدُّسٍ، بَل نِظامٌ داخليٌّ يُحدِّدُ ما يَدخُلُ في الحَيِّزِ وما يَحمِيه.
الصِّيَغ — كيف يَردُ «البِناء» في القرآن
- بِناءً (مَصدَرٌ) — «جَعَلَ السَّماءَ بِناءً»: السَّماءُ مُقامةٌ في حالِ البِناء، صَرحٌ قائِم. الوَزنُ فِعال يَدُلُّ على الشَّيءِ بِشَأنِه الفاعِل.
- بُنيان (جَمع، وَزنُ فُعلان) — البِناءُ المُتَراكِمُ الرَّاسِخ. «كأنَّهُم بُنيانٌ مَرصوص» (الصَّفّ:٤).
- بَنى (فِعلٌ ماضٍ) — فِعلُ الإقامة.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: «بِناءً» تَحمِلُ في حُروفِها خاصِّيَّةَ التَّماسُكِ
الداخليِّ (ب) المُنبَعِثِ من الجَوف (ن) الممتَدِّ في صَرحٍ (ي). الوَزنُ
يُحَدِّدُ الشَّيءَ بِوَظيفتِه، لا يَصنَعُ الوَظيفة.
الفُروق المَعنويّة — الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى
(صِيَغُ ب-ن-ي كلُّها تَدورُ على التَّماسُكِ والإقامة. لا فَرعَ يَستَحِقُّ مَلَفّاً مُستَقِلاً في هذه المَرحَلة.)
المَواضع — مَواقعُ البِناءِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٢٢ ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾ — مَوضِعُ الافتِتاحالبِناءُ يَدخُلُ القرآنَ هنا وَصفاً للسَّماء في مُقابَلةِ الفِراشِ الأرضيّ. الصُّورةُ تَقولُ: السَّماءُ ليسَت فَجوةً فارِغةً فَوقَك، بَل صَرحٌ مُقامٌ يَحمِلُ نِظاماً داخِليّاً. يَحتَوي الهَواءَ الذي تَتَنَفَّسُه، ويُنَظِّمُ الضَّوءَ الذي تَرى به، ويُوصِلُ الماءَ الذي يَنزِلُ منه. الآيةُ المُتَّصِلةُ به «وأَنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً» تَجعَلُه بِناءً وظيفيّاً لا صَرحاً جامِداً: السَّقفُ يَعمَل.
- ٩١:٥ ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ — البِناءُ في صورةِ الفِعلِ الماضي. الجَديدُ: «بَناها» يَكشِفُ الفاعِلَ بِالضَّميرِ «ما» الموصولة العائِدةِ إلى الله. القَسَمُ بِالسَّماء + بِفاعِلِها مَعاً: لَيسَت السَّماءُ موضوعَ القَسَمِ وَحدَها، بَل وَفِعلُ بِنائِها. الجَذرُ يَكشِفُ نَفسَه هُنا في فِعلٍ صَريح: «بَنى» — اللهُ هو البَاني. ما كانَ في ٢:٢٢ صِفةً (السَّماءُ بِناءً) صارَ في ٩١:٥ فِعلاً (بَناها). تَقابُلُ السِّياقَين كاشِف: ٢:٢٢ تَصِفُ السَّقفَ الجاهِزَ مَنفَعَةً لِلإنسان، و٩١:٥ تَستَدعي الفِعلَ المَنشيءَ كَحُجَّةٍ على الإقدارِ الإلَهيّ. والقَسَمُ بِالفاعِلِ والمَفعولِ مَعاً في سُورةِ الشَّمسِ يُمَهِّدُ لِقَسَمٍ كَونيٍّ شامِلٍ على «قَد أَفلَحَ مَن زَكَّاها».
- ٢:٤٩ ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ + ٢:١٤٦ ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ — الجَذرُ ب-ن-ي في شَقَّتِه الثَّانية: الابنُ والأَبناء. الجَديدُ: نَفسُ الجَذرِ يُنتِجُ البِناءَ المادِّيَّ (الإقامة) والابنَ البَشَريَّ (الإنشاء). الصِّلةُ في الجَذرِ: الابنُ ما بَناه الوالِدُ من نَفسِه، صَرحٌ خَرَجَ من اللُّحمَة. ٢:٤٩ تَكشِفُ هَدمَ هذا البِناءِ بِالذَّبحِ — هَدمُ ما بَناه الوالِدُ تَدميرٌ لِلصَّرحِ الوِراثيِّ بِأَسرِه. و٢:١٤٦ تَستَخدِمُ المَعرِفةَ بِالابنِ كَأَوضَحِ صورةٍ لِلمَعرِفةِ المُلازِمة — مَن يَعرِفُ صَرحَه يَعرِفُه بِكُلِّ تَفصيل. الجَذرُ يَفتَحُ مَيدانَين، والشِّحنةُ واحِدة: إقامةُ ما يَستَمِرُّ. انظُر القَتل و
ahl.md.
التَّقاطُعات — مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
firash— الثُّنائيُّ القُرآنيُّ الحاسِمُ في ٢:٢٢: الفِراشُ (الأرضيّة المَبسوطة) والبِناءُ (السَّقفُ المُقام). الكائنُ البَشَريُّ بَينَهما، في غُرفةٍ مُكتَمِلة. انظُر الفِراش للثُّنائيّ كامِلاً.sama— البِناءُ وَصفٌ للسَّماء. السَّماءُ (ما ارتَفَعَ فَوقَنا) تَكتَسِبُ صِفةَ البِناءِ (التَّنظيمُ الداخليُّ الحافِظُ لِلحَيِّز).inzal— البِناءُ الفاعِلُ في ٢:٢٢: «وأَنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً». السَّقفُ يَعمَلُ بِإنزالِ الماء. البِناءُ لَيسَ ساكِناً.
الإشكالات المَفتوحة
- ما عَلاقةُ «البِناء» بـ«السَّبعِ السَّماوات» في ٢:٢٩؟ البِناءُ في ٢:٢٢ يَنزِلُ على السَّماءِ المُفرَدة؛ وفي ٢:٢٩ تَتَفَصَّلُ إلى سَبعِ طَبَقات. مَوقِفُنا: البِناءُ وَصفٌ لِلوَظيفةِ الكُلِّيّة؛ التَّسويةُ سَبعاً تَفصيلٌ لِلتَّركيبِ الداخليّ.