السَّماء
ما عَلا فَوقَنا وارتَفَعَ: سَيَلانٌ يَنتَهي إلى تَجَمُّعٍ صاعِد. الجِهةُ التي تَشمَلُ ما فَوقَ الأَرضِ من أُفُقٍ وفَضاء. ومنه السُّموُّ والاسمُ من الجَذرِ ذاتِه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- س: سَيَلانٌ نَفَسيٌّ أَمامِيٌّ بِلا احتِكاك. شِحنَتُه: امتِدادٌ
وسَيَلانٌ سَلِسٌ مُمتَدّ.
- م: انطِباقُ الشَّفَتَين. شِحنَتُه: تَجَمُّعٌ وتَلاصُق.
- و: الشَّفَتانِ مُستَديرَتانِ في وَصلٍ مُمتَدّ. شِحنَتُه: ارتِباطٌ
مُستَدام، امتِدادٌ إلى أَعلى.
النَّواةُ سم (س + م) = سَيَلانٌ يَتَجَمَّع، امتِدادٌ يَنتَهي إلى مَركَز. الإكمالُ بـو يَمُدُّ هذا التَّجَمُّعَ إلى أَعلى في ارتِفاعٍ مُستَمِرّ، فيَصيرُ الجَذرُ كلُّه: سَيَلانٌ يَتَجَمَّعُ صاعِداً إلى أَعلى، حَرَكةٌ تَمتَدُّ ثُمَّ تَعلو وتَبقى.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- سَما: ارتَفَعَ وعَلا. الفِعلُ الأَساس.
- السَّماء: ما ارتَفَعَ وعَلا: كلُّ سَقفٍ وكلُّ ما فَوقَ الرَّأس.
ثُمَّ اختُصَّ بالفَلَكِ والأُفُقِ العُلوِيّ.
- السُّمُوّ: الارتِفاعُ في القَدرِ والمَنزِلة.
- الاسم: من الجَذرِ ذاتِه: ما يَرفَعُ الشَّيءَ من خُمولِه ويُعلِنُه
فَوقَ ذاتِه. الاسمُ رايةٌ مَرفوعة. انظُر الاسم.
الشِّحنةُ الجامعةُ للجَذرِ س-م-و: سَيَلانٌ صاعِدٌ يَتَجَمَّعُ في الأَعلى، ما ارتَفَعَ وعَلا من الأَرضِ إلى ما فَوقَها.
صِلةٌ بالجَذرِ ذاتِه: «الاسمُ» في الاسم من الجَذرِ ذاتِه س-م-و
في شِحنةِ «ما يَعلو فَوقَ الشَّيءِ ويُعلِنُه». السَّماءُ الفِضاءُ
الصَّاعِدُ، والاسمُ الرَّايةُ المَرفوعة. الشِّحنةُ واحِدةٌ والتَّطبيقُ
مُختَلِف.
الصِّيَغ: كيف تَردُ «السَّماء» في القرآن
- السَّماء (مُعَرَّفة): الفَضاءُ العُلوِيُّ المَعهود.
- سَماء (نَكِرة): نَوعٌ من العُلوِيّ أو سَقفٌ.
- سَماوات (جَمع): طَبَقاتٌ مُتَعَدِّدةٌ من العُلوّ.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: في كلِّ الصِّيَغ شِحنةُ «الارتِفاعِ الصَّاعِد»
قائِمة.
المِفتاحُ البِنيَويُّ، السَّماءُ كَالحاوي العُلويِّ لِجَريانِ القَوانينِ النَّازِلة: السَّماءُ لَيسَت قانوناً بَل الحاوي العُلويُّ الذي تَنبَعِثُ مِنه كُلُّ المَوادِّ التي تَجري عَلَيها قَوانينُ التَّبادُل. كَما أنَّ الأَرضَ الحاوي السُّفليُّ لِلمَخلوقاتِ التي تَتَلَقَّى، السَّماءُ الحاوي العُلويُّ لِما يَنزِلُ إلَيها:
- رِزقٌ مَنه السَّماء (٢:٢٢): الماءُ النَّازِلُ: مادَّةُ قانونِ
الإنفاقِ والشُّكر.
- رِجزٌ مَنه السَّماء (٢:٥٩): العُقوبَةُ النَّازِلَة: تَفعيلُ
قانونِ الكُفرِ المَعكوس.
- وَحيٌ مَنه السَّماء (٢:٢٣ بِالقِراءَةِ المُمتَدَّة): الكِتابُ
النَّازِلُ على العَبد، مادَّةُ قانونِ الإيمان.
- إشارَةٌ مَنه السَّماء (٢:١٩): الصَّيِّبُ والبَرقُ والرَّعد:
أَعراضُ القَوانينِ التي تُختَبَرُ بِها النُّفوس.
السَّماءُ إذَن مَصدَرُ المَوادِّ التي تَنزِلُ ثُمَّ تَجري عَلَيها السُّنَن: ماءٌ يَنزِلُ ويَجري عَلَيه الإنفاق، رِزقٌ يَنزِلُ ويَجري عَلَيه الشُّكر، كَلِمَةٌ تَنزِلُ ويَجري عَلَيها التَّوبَة. الجَذرُ يَكشِفُ البِنيَة: سَيَلانٌ (س)، تَجَمُّعٌ (م)، صُعودٌ (و). السَّماءُ هي التَّجَمُّعُ العُلويُّ السَّيّالُ الذي يُغَذِّي الحَيِّز.
ولِذلكَ يَرِدُ في القُرآنِ الثُّنائيُّ المُكَرَّرُ «السَّماواتِ والأَرض»: الكَونُ مَفهومٌ بِحاوِيَين، عُلويٍّ يُنزِلُ وسُفليٍّ يَتَلَقَّى. وما بَينَهُما: مَيدانُ القَوانين.
الفُروق المَعنويّة: الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى
- الاسم (الاسم): الجَذرُ ذاتُه س-م-و في شِحنةِ «الرَّايةِ
المَرفوعةِ فَوقَ الشَّيء». انظُر الاسم.
المَواضع: مَواقعُ السَّماءِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٩ ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح
في هذا السِّياق. «مِنَ السَّماء» يُحَدِّدُ مَصدَرَ الصَّيِّب: نُزولٌ من الجِهةِ العُلوِيَّةِ التي لا يَملِكُها المُتَلَقِّي. «مِن» الابتِدائِيَّةُ تُشيرُ إلى انبِعاثِ الصَّيِّبِ من جِهةٍ أَعلى من الإنسان، مَصدَرٌ لَيسَ في يَدِه. والسَّماءُ في هذا السِّياقِ ليست فَلَكيّاً مُجَرَّداً بل جِهةُ الإشارةِ الإلهيَّة: ما يَنزِلُ من فَوقَنا نُزولاً مُستَهدِفاً. انظُر الصَّيِّب.
- ٢:٢٢ ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: السَّماءُ تَرِدُ مَرَّتَين في آيةٍ واحِدة: مَرَّةً مَوصوفةً بِالبِناء (السَّقفُ المُقام)، ومَرَّةً مَصدَراً لِلماءِ النَّازِل. الاسمُ ذاتُه يَحمِلُ وَظيفَتَين مُتَتابِعَتَين: يَحتَوي الفَضاءَ ويُنزِلُ الماء. انظُر البِناء والماء والإنزال.
- ٢:٢٩ ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾: السَّماءُ تَتَفَصَّلُ هنا إلى سَبعِ طَبَقات. «سَماواتٍ» جَمعٌ يَكشِفُ أنَّ ما كانَ يُوصَفُ بِالمُفرَدِ (بِناءٌ واحِد) هو في الحَقيقةِ طَبَقاتٌ مُتَعَدِّدة. «سَبعاً» اكتِمالٌ بُنيَويّ. انظُر الاستِواء.
- ٢:٣٣ ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: «السَّماوات» في
التَّوازيِّ الكَونيِّ مع «الأَرض». الجَمعُ هنا يُشيرُ إلى الطَّبَقاتِ المُتَعَدِّدةِ التي أُشيرَ إليها في ٢:٢٩. غَيبُها مَعلومٌ لله: ما تَحجُبُه طَبَقاتُ السَّماواتِ عن عِيانِ المَخلوقاتِ لا يَحجُبُه عن الله. انظُر الغَيب.
- ٢:٥٩ ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾: السَّماءُ تَرِدُ هنا مَصدَراً للعُقوبةِ كَما كانَت مَصدَراً للعَطاءِ في ٢:٢٢ (الماء) و٢:٥٧ (المَنُّ والسَّلوى). الجِهةُ العُلويَّةُ ذاتُها تُرسِلُ رِزقاً حينَ تُلتَزَمُ الشُّروط، وتُرسِلُ رِجزاً حينَ يَقَعُ الخَرق. السَّماءُ لَيسَت مَصدَرَ خَيرٍ فَحَسب، بَل البِنيةُ التي تَضبِطُ النِّظامَ من فَوق.
- ٢:١٠٧ ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: «مُلكُ السَّماواتِ»، الحِيازةُ الإلهيَّةُ تَشمَلُ الطَّبَقاتِ العُليا. الثُّنائيُّ (سَماوات + أَرض) يَعودُ حُجَّةً على حَقِّ النَّسخ: مَن يَملِكُ السَّماواتِ والأَرضَ لا يُطعَنُ في حَقِّه في إعادةِ الصِّيَغ.
- ٢:١١٦ ﴿بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾: السَّماواتُ هُنا في سِياقِ نَفيِ الوَلَد: مَن يَملِكُ ما في السَّماواتِ والأَرض (= كُلَّ شَيء) لا يَكونُ شَيءٌ خارِجَه وَلَداً. الوَلَدُ يَقتَضي شَيئاً خارِجَ صاحِبِه وهذا مُستَحيلٌ مَعَ الإحاطةِ التَّامَّة.
- ٢:١١٧ ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: «بَديعُ السَّماوات»، الإبداعُ الإلهيُّ الذي يَنتَسِبُ إلى الطَّبَقاتِ العُليا وإلى الأَرضِ معاً: المُبدِعُ مُبدِعٌ لِلكَونِ بِكامَلِه. انظُر البَديع / الإبداع.
- ١٧:٤٤ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾: السَّماواتُ فاعِلةً لا حاوِياً. الجَديدُ: يُسنَدُ إلى السَّماواتِ فِعلٌ تَفعَلُه وتُعَدّى بِاللّامِ إلى المُسَبَّحِ لَه، بَعدَ أن كانَت في المُسَجَّلِ مَصدَراً يَنزِلُ منه أو مُلكاً يُملَك. والعَدَدُ «السَّبْعُ» يَعودُ بِنا إلى ٢:٢٩، فما سُوِّيَ هُناكَ سَبعاً يُنطَقُ هُنا مُسَبِّحاً. ويُضَمُّ إلَيها «وَمَن فِيهِنَّ»، فتُعلَمُ الطَّبَقاتُ مَسكونةً بِمَن يَعقِلُ لا فَضاءً خالِياً. وخِتامُ الآيةِ يَجعَلُ الجَهلَ بِهذا التَّسبيحِ في السّامِعِ لا في الفاعِل.
- ١٧:٩٢ ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾: السَّماءُ في مَوضِعِ ما يُسقَط. الجَديدُ: تَقَعُ السَّماءُ مَفعولاً لِفِعلِ الإسقاطِ ويُطلَبُ نُزولُها هي لا نُزولُ ما فيها، مُقَطَّعةً «كِسَفًا». وقَد كانَت في ٢:٢٢ بِناءً مُقاماً، فيُطلَبُ هُنا نَقضُ ما بُنِيَ. والطّالِبونَ يَجعَلونَ السَّقفَ الذي فَوقَهُم أداةَ العَذابِ عَلَيهِم.
- ١٧:٩٣ ﴿أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ﴾: الاتِّجاهُ يَنعَكِس. الجَديدُ: تُطلَبُ السَّماءُ مَوضِعاً يُرقى فيه لا مَصدَراً يَنزِلُ منه، وهو الوَجهُ الذي يَنطِقُ بِه الجَذرُ نَفسُه: س-م-و ارتِفاعٌ صاعِد. فيَجتَمِعُ في آيَتَينِ مُتَجاوِرَتَينِ طَلَبانِ مُتَعاكِسانِ في المَوضِعِ الواحِد: أن تَسقُطَ السَّماءُ (١٧:٩٢) وأن يُصعَدَ إلَيها. ثُمَّ لا يَنتَهي الطَّلَبُ عِندَ الصُّعود، بَل يُشتَرَطُ بَعدَه كِتابٌ يُنَزَّلُ عَلَيهِم يَقرَؤونَه، فيَرجِعُ الشَّرطُ إلى النُّزولِ الذي بَدَأَ الجِدالُ بِإنكارِه.
- ١٧:٩٥ ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا﴾: النّازِلُ منها رَسولٌ لا مادَّة. الجَديدُ: يُضافُ إلى ما يَنزِلُ من السَّماءِ في المُسَجَّلِ (ماءٌ ورِجزٌ وإشارة) نازِلٌ من جِنسٍ آخَر: مَلَكٌ رَسول. والشَّرطُ الذي عُلِّقَ بِه يَجعَلُ جِنسَ النّازِلِ تابِعاً لِجِنسِ السّاكِنِ في الأرض، فما يُنزَلُ من الحاوي العُلويِّ مَوزونٌ بِمَن يَتَلَقّاه في السُّفليِّ لا بِما يَقتَرِحونَه.
- ٢٠:٤ ﴿مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾: التَّرتيبُ يَنقَلِبُ والوَصفُ يُنطَقُ. الجَديدُ: تُقَدَّمُ الأرضُ على السَّماواتِ في الذِّكر، وقَدِ اطَّرَدَ في المُسَجَّلِ تَقديمُ السَّماواتِ، فيَتَقَيَّدُ ما في القِسمِ الثّاني من أنَّ الثُّنائيَّ يَجيءُ على وَجهٍ واحِد. ثُمَّ تُوصَفُ السَّماواتُ بِـ«الْعُلَى»، وهو وَصفٌ من جَذرٍ آخَرَ يَقولُ ما يَقولُه جَذرُها: الارتِفاع. فيُصَرَّحُ بِما كانَ الاسمُ يَحمِلُه، ويُذكَرُ الوَصفُ حَيثُ أُخِّرَ المَوصوف.
- ٢٠:٦ ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ﴾: الثُّنائيُّ يُفتَحُ إلى أربَعة. الجَديدُ: يُزادُ على «ما في السَّماواتِ وما في الأرض» مَوضِعانِ لم يَرِدا في المُسَجَّلِ قَبلَه: ما بَينَهُما وما تَحتَ الثَّرى. فيُنَصُّ على المَيدانِ الذي كانَ القِسمُ الثّاني يَقولُ إنَّه بَينَ الحاوِيَين، ويُضافُ رابِعٌ تَحتَ السُّفليِّ نَفسِه. والمِلكُ واحِدٌ في الأربَعةِ بِلامٍ واحِدةٍ مُقَدَّمة، فلا تَتَفاضَلُ الطَّبَقاتُ في النِّسبةِ إلى مالِكِها.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
ism: السَّماءُ والاسمُ من جَذرٍ واحِد. انظُر الاسم.sayyib: الصَّيِّبُ نَزَلَ «مِنَ السَّماء». انظُر الصَّيِّب.ra3d: الرَّعدُ داخِلَ هذا الصَّيِّبِ النَّازِلِ من السَّماء.
انظُر الرَّعد.
barq: كَالرَّعد. انظُر البَرق.ard: السَّماءُ والأَرضُ ثُنائيٌّ قرآنيٌّ كَثير (مَواضِعُ
مُتَوَقَّعة كَثيرة).
الإشكالات المَفتوحة
- هل السَّماءُ في القرآنِ كِيانٌ ماديٌّ أم رَمزٌ لِلجِهةِ الإلهيَّة؟
الجَذرُ يُعطي الارتِفاعَ الحَقيقيَّ: ما عَلا فَوقَ الأَرض. مَوقِفُنا: القرآنُ يَستَعمِلُ «السَّماء» في المَعنَيَين معاً بحَسَبِ السِّياق. في ٢:١٩ مَصدَرُ الإشارةِ النَّازِلة.