الهُبوط
النُّزولُ من مُستَوىً إلى مُستَوىً أَدنى: حَركةٌ تَتَّجِهُ نَحوَ الثَّقيلِ المَسفَل. انتِقالٌ من العُلوِّ إلى القاع.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ه: نَفَسٌ خَفيٌّ يَخرُجُ من الحَنجَرة. شِحنَتُه: نُعومةٌ
وتَنَفُّس، خُروجٌ خافِت.
- ب: انطِباقٌ ثُمَّ انفِتاح. شِحنَتُه: انفِتاحٌ وخُروج.
- ط: احتِكاكٌ أَمامِيٌّ ثَقيلٌ مُطبَق. شِحنَتُه: انبِساطٌ وثِقَل،
تَمَدُّدٌ نَحوَ الأَسفَل.
النَّواةُ هب (ه + ب) = نَفَسٌ يَخرُجُ ويَبرُز: ما كانَ مَحبوساً يَنطَلِق. الإغلاقُ بـط يُثَقِّلُ هذا الخُروجَ ويُمَدِّدُه نَحوَ الأَسفَل، فيَصيرُ الجَذرُ: نُزولٌ ثَقيلٌ مُمتَدٌّ من أعلى إلى أَسفَل. «هَبَطَ»: نَزَلَ بِثِقَل. «اهبِطوا»: أَمرٌ بِالنُّزول من مُستَوىً إلى مُستَوىً أَدنى.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
خَمسةُ مَواضِعَ في السُّوَرِ المَنشورة، وثَلاثُ صِيَغ:
- اهبِطوا (أَمرٌ جَمع): ثَلاثةُ مَواضِع. مَرَّتانِ في هذا
المَقطَع: مَرَّةً في خِضَمِّ المَشهَدِ عقيبَ الزَّلَل (٢:٣٦) ومَرَّةً في الخِطابِ العامِّ الشّامِلِ للبَشَريّة (٢:٣٨). ويَعودُ اللَّفظُ نَفسُه في السّورةِ ذاتِها بِمَفعولٍ مَكانيٍّ صَريحٍ «اهْبِطُوا مِصْرًا» (٢:٦١)، فلا يَلزَمُ الأمرَ في المُسَجَّلِ مَعنى العُقوبةِ ولا مَعنى الطَّردِ من عُلُوّ.
- اهبِطا (أَمرٌ مُثَنّى): مَوضِعٌ واحِد (٢٠:١٢٣)، وهو المُثَنّى
الوَحيدُ في المَنشور.
- يَهبِطُ (مُضارِعٌ لازِمٌ مُسنَدٌ إلى غَيرِ الإنسان): مَوضِعٌ
واحِد، ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (٢:٧٤)، وهو المَوضِعُ الوَحيدُ الذي لا أمرَ فيه: الحَجَرُ يَهبِطُ من خَشيةٍ لا عن أمرٍ يُوَجَّهُ إليه.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الأَمرُ المُجَرَّد. الشِّحنةُ من الجَذر.
الفُروق المَعنويّة
لا فُروعَ مُتَمَيِّزة.
المَواضع: مَواقعُ الهُبوطِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٣٦ ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾، مَوضِعُ الافتِتاح.
الهُبوطُ يَدخُلُ القرآنَ هنا بِأَمرٍ إلهيٍّ جَماعيّ. «اهبِطوا» للجَمع، والآيةُ لا تُسَمّي المُخاطَبينَ بِأعيانِهِم ولا تَعُدُّهُم؛ الذي تَقولُه أنَّ الأمرَ سَبَقَه ذِكرُ «الشَّيطان» فاعِلاً في «فَأَزَلَّهُما الشَّيطانُ عَنها»، وتَلاهُ «بَعضُكُم لِبَعضٍ عَدُوّ» فاقتَضى في المُخاطَبينَ عَداوةً مُتَبادَلة. الهُبوطُ ليسَ عِقاباً مُطلَقاً بَل انتِقالٌ وَظيفيّ: الأَرضُ مَوضِعُ الامتِحان والخِلافة. ويُعطي في الوَقتِ ذاتِه بُشرى: «مُستَقَرٌّ وَمَتاعٌ إلى حين». الهُبوطُ مُؤَقَّت («إلى حين»)، لا أَبَديّ.
- ٢:٣٨ ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾، التَّكرارُ يُرَسِّخُ الأَمرَ ويَفتَحُه على الخِطابِ
الشّامِل. «مِنها جَميعاً» يَشمَلُ الجَميعَ بِلا استِثناء. الجَديدُ: يُعادُ الأمرُ نَفسُه بَعدَ آيةِ التَّوبةِ ٢:٣٧، ويُذكَرُ مَعَه لِأوَّلِ مَرّةٍ ما يُهبَطُ مِنه «مِنْهَا» وشُمولُه «جَمِيعًا»، ويُقرَنُ بِوَعدٍ مَشروطٍ «فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى» بَعدَ أن قُرِنَ في ٢:٣٦ بِالعَداوةِ والمُستَقَرّ، فيَصيرُ الهُبوطُ نَفسُه مَوضِعاً لِهُدىً يَأتي.
- ٢:٦١ ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾: «اهبِطوا» أمرٌ لِلجَمعِ بِلَفظِ ٢:٣٦ و٢:٣٨، يَأتي في جَوابِ «قالَ» عن طَلَبٍ رُفِعَ إلى موسى، ومَفعولُه «مِصراً» نَكِرةً مُنَوَّنة، وتَعقُبُه فاءٌ تُعَلِّلُه بِأنَّ لَهُم ما سَألوا. الجَديدُ: يُسَمّى لِلهُبوطِ مَوضِعٌ يُنزَلُ إلَيه، وكانَ في ٢:٣٦ و٢:٣٨ هُبوطاً من مَوضِعٍ تُشيرُ إلَيه «مِنها». ويَصيرُ الأمرُ جَواباً عن سُؤال: نُزولٌ إلى حَيثُ يوجَدُ المَطلوب، لا عُقوبةٌ مَفصولةٌ عَنه. ويَتَقابَلُ في الآيةِ نَفسِها «أدنى» و«خَيرٌ»، فيَقَعُ الانتِقالُ من الأعلى إلى الأدنى في المَرتَبةِ مَعَ المَوضِع، والهابِطونَ هُم الذينَ اختاروه بِسُؤالِهِم. انظُر التَّبديل.
- ٢:٧٤ ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾: «يَهبِطُ» مُضارِعٌ لازِمٌ صِلةٌ لِـ«ما»، و«ما» اسمُ «إنَّ» مُؤَخَّراً تَدخُلُه اللّام، و«مِنها» قَبلَه تَجعَلُ الهابِطَ بَعضَ الحِجارة، و«مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ» تُعَلِّلُه. وهو ثالِثُ ثَلاثةٍ تُفَصَّلُ بِها الحِجارةُ بَعدَ قُلوبٍ قَسَت فهي كالحِجارةِ أو أشَدّ. الجَديدُ: يَهبِطُ ما لا يُؤمَر: الفِعلُ مُضارِعٌ لا أمر، وفاعِلُه حَجَرٌ لا إنسان، وسَبَبُه خَشيةٌ في الهابِطِ نَفسِه لا قَولٌ يُوَجَّهُ إلَيه. وكانَ الهُبوطُ في ٢:٣٦ و٢:٣٨ و٢:٦١ نُزولاً يُؤمَرُ بِه الإنسان، فصارَ هُنا نُزولاً يَتَحَرَّكُ بِه الجَمادُ إجابةً، ويُقاسُ بِه قَلبٌ لا يَهبِطُ ولا يَلين. انظُر الخَشية.
- ٢٠:١٢٣ ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾: الجَديدُ:
يَجيءُ الأَمرُ مُثَنّىً لِأَوَّلِ مَرّة، ويَجمَعُ في آيةٍ واحِدةٍ ما فُرِّقَ على آيَتَينِ في البَقَرة: العَداوةُ التي في ٢:٣٦ والهُدى الذي في ٢:٣٨. ثُمَّ يَنقَلِبُ الخِطابُ داخِلَ الآيةِ نَفسِها من المُثَنّى إلى الجَمع («اهْبِطَا» ثُمَّ «بَعْضُكُمْ» ثُمَّ «يَأْتِيَنَّكُم»)، فالأمرُ يَقَعُ على اثنَينِ وحُكمُه يَتَعَدّى إلى مَن بَعدَهُما. ويُبدَلُ جَوابُ الاتِّباع: «فَلا خَوفٌ عَلَيهِم ولا هُم يَحزَنون» في ٢:٣٨ يَصيرُ هُنا «فَلا يَضِلُّ ولا يَشقى»، فيَنتَقِلُ الوَعدُ من نَفيِ ما يَعرِضُ لِلنَّفسِ إلى نَفيِ ما يَعرِضُ لِلطَّريق.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
ikhraj: الإِخراجُ فَعَلَه الشَّيطان، والهُبوطُ أَمرٌ إلهيٌّ:
الاثنانِ متَتالِيانِ.
3adawa: الهُبوطُ مُصاحَبٌ بِإِعلانِ العَداوة.mata3: «مَتاعٌ إلى حين» الوَصفُ الذي يُحَدِّدُ طَبيعةَ الأَرض.
الإشكالات المَفتوحة
- لماذا تَكَرَّرَ «اهبِطوا» في ٢:٣٦ و٢:٣٨؟ مَوقِفُنا: التَّكرارُ
للتَّأكيدِ مع تَعديلِ السِّياق: الأَوَّلُ عَقيبَ الزَّلَلِ مُباشَرةً، والثانيَ تَأسيسٌ للعَلاقةِ بَين الخَلقِ والهُدى. ونَشرُ طه يَضَعُ هذا المَوقِفَ في مَحَكّ: ٢٠:١٢٣ تَجمَعُ الشَّطرَينِ في آيةٍ واحِدة، فالفَصلُ بَينَهُما في البَقَرةِ اختِيارُ نَظمٍ لا ضَرورةَ مَعنى.
- كَم عَدَدُ المُخاطَبينَ بِالهُبوط؟ المُصحَفُ يُخاطِبُ بِالجَمعِ في
البَقَرةِ وبِالمُثَنّى في طه، ولا يُسَمّي المُخاطَبينَ ولا يَعُدُّهُم في المَوضِعَين. والجَمعُ يَحتَمِلُ ما لا يَحتَمِلُه المُثَنّى، فيَقِفُ المَفهومُ عِندَ ذلك ولا يُتِمُّ العَدَدَ من خارِج. مَفتوح.