الاجتِباء
حَشدُ المُتَفَرِّقِ إلى مَوضِعٍ واحِدٍ يَختارُهُ الجامِعُ لِنَفسِه. لا يَرِدُ الجَذرُ في المَنشورِ إلّا على وَزنِ افتَعَل، ولا يَكونُ الجامِعُ فيه إلّا اللهَ.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ج: اجتِماعٌ وتَكَتُّل.
شِحنَتُه: اجتِماعٌ يَتَكَتَّلُ في حَيِّز.
- ب: احتِباسٌ وضَغط. شِحنَتُه: احتِباسٌ يُمسِكُ ما اجتَمَع.
- ي: امتِدادٌ وسَريان. شِحنَتُه: امتِدادٌ يَسري لَيِّناً.
النَّواةُ جب (ج + ب) = اجتِماعٌ مَحبوس: ما تَكَتَّلَ فأُمسِكَ في حَيِّزٍ واحِدٍ لا يَتَفَلَّتُ منه. الإغلاقُ بـي يَمُدُّ هذا الجَمعَ في لِينٍ نَحوَ جِهةٍ واحِدة، فيَصيرُ الجَذرُ: سَوقُ المُتَفَرِّقِ في لِينٍ حَتّى يَجتَمِعَ في حَيِّزٍ يُمسِكُه.
ومنه في كَلامِ العَرَب: جَبى الماءَ في الحَوضِ جَمَعَه، والجابِيةُ الحَوضُ يُجمَعُ فيه، وجَبى ما تَفَرَّقَ في المَواضِعِ فحَمَلَهُ إلى مَوضِعٍ واحِد.
الشِّحنةُ الجامِعة: حَشدُ ما تَفَرَّقَ إلى مَحَلٍّ واحِدٍ يُمسِكُهُ ويَحوزُه.
وثَمَنُ هذه القِراءةِ يَظهَرُ في الوَزن: لا يَكتُبُ المَنشورُ من الجَذرِ إلّا افتَعَل، وافتَعَلَ صَرفُ الحَدَثِ إلى فاعِلِه. فمَن جَبى إنَّما جَمَعَ إلى حَوضِ نَفسِه، ولِهذا لا يُقالُ في المَنشورِ إنَّهُ اختارَ بَل إنَّهُ اجتَبى: الاختِيارُ تَمييزٌ يَقِفُ عِندَ التَّفضيل، والاجتِباءُ تَمييزٌ يَنتَهي بِالمُجتَبى إلى جانِبِ مَنِ اجتَباه. ولِذلكَ لَزِمَهُ في المَوضِعَينِ ما يَدُلُّ على المُنتَقى مِنه أو على المَآلِ بَعدَه.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- يَجْتَبِي (مُضارِعٌ من افتَعَل)، ٣:١٧٩: الوَزنُ يَصرِفُ
الجَمعَ إلى فاعِلِه، والمُضارِعُ يَجعَلُهُ سُنّةً جارِيةً لا حادِثةً واحِدة.
- اجْتَبَاهُ (ماضٍ من افتَعَل مُتَّصِلٌ بِمَفعولِه)، ٢٠:١٢٢:
الماضي يَجعَلُ الاجتِباءَ واقِعةً بِعَينِها، واتِّصالُ الضَّميرِ يُعَيِّنُ المُجتَبى بَعدَ أن كانَ مُبهَماً.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: حَشدُ المُتَفَرِّقِ إلى حَيِّزٍ يُمسِكُه،
من الحُروف. والوَزنُ واحِدٌ في المَوضِعَينِ يَصرِفُ الحَدَثَ
إلى فاعِلِه، ولا يَفرِقُ بَينَهُما إلّا الزَّمَنُ وتَعيينُ
المَفعول.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ مُستَقِلّاً لِلجَذرِ في المَنشور: لا جِبايةَ ولا جابِيةَ في الصِّيَغِ المَكتوبة. ويُفارِقُ الاجتِباءُ ما يُجاوِرُهُ: الاصطِفاءُ تَخليصٌ يُنظَرُ فيه إلى نَقاءِ المُصطَفى، والاجتِباءُ حَشدٌ يُنظَرُ فيه إلى المَحَلِّ الذي صارَ إلَيه. ولِذلكَ يَقَعُ الاصطِفاءُ على مَن لَم يُخالِط، ويَقَعُ الاجتِباءُ على مَن كانَ في جُملةٍ فانتُزِعَ منها.
المَواضع: مَواقعُ الاجتِباءِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٣:١٧٩ ﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ﴾:
مَوضِعُ الافتِتاح. الجَذرُ يَدخُلُ المُصحَفَ مُستَدرَكاً بِـ«لكِنَّ» بَعدَ نَفيِ إطلاعِ النّاسِ على الغَيب، فيَقومُ الاجتِباءُ مَقامَ ما نُفِيَ: الغَيبُ لا يُبسَطُ لِلجَماعة، بَل يُحشَدُ إلَيهِ واحِدٌ يُقَرَّب. و«مِن رُّسُلِهِ» تُثَبِّتُ ما تُعطيهِ الحُروف: الجَمعُ لا يَكونُ إلّا من جُملةٍ مُتَفَرِّقة، فالمُجتَبى مُنتَزَعٌ من صِنفٍ قائِمٍ قَبلَه. ومَوقِعُ الآيةِ بَعدَ ﴿حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ يَجعَلُ الاجتِباءَ تَمييزاً ثانِياً: تَمييزٌ في الجُملةِ كُلِّها، ثُمَّ حَشدٌ لِواحِدٍ من المُميَّزين.
- ٢٠:١٢٢ ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾:
الجَديدُ: الاجتِباءُ يَنتَقِلُ من سُنّةٍ جارِيةٍ إلى واقِعةٍ مُعَيَّنة، ومن مُبهَمٍ «مَن يَشَاءُ» إلى ضَميرٍ مَعروف. وجَديدٌ ثانٍ وهو الأثقَل: مَوقِعُهُ بَعدَ الزَّلّةِ لا قَبلَها، وبِـ«ثُمَّ» التي تُبعِدُ ما بَينَهُما. فالجَذرُ يَحتَمِلُ أن يُحشَدَ إلى الحَوضِ مَن كانَ قَد خَرَجَ منه، والاجتِباءُ لَيسَ جَزاءَ سَلامةٍ سابِقة. وثالِثٌ: الفاءُ في ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾ تَجعَلُ التَّوبةَ والهُدى ثَمَرَتَي الاجتِباءِ لا شَرطَيه، فالجَمعُ إلى الجانِبِ يَسبِقُ الإصلاحَ ولا يَتلوه.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
rasul: ٣:١٧٩ تَجعَلُ الرُّسُلَ الجُملةَ التي يُنتَزَعُ
منها المُجتَبى، فالرِّسالةُ صِنفٌ والاجتِباءُ انتِقاءٌ داخِلَه.
ghayb: المَوضِعُ نَفسُهُ يَجعَلُ الاجتِباءَ بَديلَ
الإطلاعِ العامِّ على الغَيب: ما مُنِعَ بَسطُهُ يُنالُ بِالقُربِ من الجامِع.
tawba: ٢٠:١٢٢ تَعطِفُ التَّوبةَ على الاجتِباءِ
بِالفاء، فالرُّجوعُ إلى العَبدِ تالٍ لِحَشدِهِ إلى جانِبِ رَبِّه.
hidaya: المَوضِعُ نَفسُهُ يَختِمُ بِالهُدى بِلا
مَفعولٍ مَذكور، فيَصيرُ الاجتِباءُ أوَّلَ حَلَقةٍ ويَصيرُ الهُدى آخِرَها.
الإشكالات المَفتوحة
- هَل الاجتِباءُ وَصفٌ لِلمُجتَبى أم لِمَوقِعِه؟ الحُروفُ
تُعطي حَشداً إلى مَحَلّ، فالمَعنى في الانتِقالِ لا في صِفةِ المُنتَقَل. و٢٠:١٢٢ تُؤَيِّدُ ذلك، إذ يَقَعُ الاجتِباءُ على مَن سَبَقَتهُ زَلّة. غَيرَ أنَّ ٣:١٧٩ تُقَيِّدُهُ بِـ«مِن رُّسُلِهِ»، فالمُجتَبى مَوصوفٌ قَبلَ اجتِبائِه، والجَمعُ بَينَ الأمرَينِ مَسأَلةٌ قائِمة.
- لِماذا لا يُكتَبُ الجَذرُ إلّا على افتَعَل؟ الوَزنُ
يَصرِفُ الحَدَثَ إلى فاعِلِه، ولا يَجبي أحَدٌ إلّا إلى حَوضِ نَفسِه. وهَل يَحتَمِلُ الجَذرُ ثُلاثِيّاً مُجَرَّداً يُسنَدُ إلى غَيرِ اللهِ، مَسأَلةٌ مَوقوفةٌ على ما يُنشَرُ بَعدُ.