طه · الآية 122

﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ

«ثُمَّ»: حَرفٌ يُمهِلُ ثُمَّ ثَلاثةُ أفعالٍ لا تُمهِل

«ثُمَّ» لِلتَّرتيبِ مَعَ التَّراخي، فلا هي واوٌ تَجمَع، ولا فاءٌ تُعَقِّب، وبَينَ آخِرِ الآيةِ التي قَبلَها وأوَّلِ هذه مُهلةٌ لا يُقالُ كَم كانَت.

ثُمَّ تَتَتابَعُ ثَلاثةُ أفعالٍ بِفاءٍ وواوٍ لا مُهلةَ فيهِما، فالمُهلةُ في المَدخَلِ وَحدَه، وما بَعدَه مُتَواصِل.

ولَيسَ في الآيةِ فِعلٌ لِلمَذكورِ قَبلَها، ففيها ثَلاثةُ أفعالٍ فاعِلُها واحِد، ولَيسَ هو الذي عَصى.

«اجْتَبَاهُ رَبُّهُ»: لَفظٌ واحِدٌ يَنقَلِبُ مَوقِعُه بَينَ سَطرَين

قيلَ في الآيةِ التي قَبلَها وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ﴾، والاسمُ فيها مَنصوبٌ مَفعولٌ بِه.

ويُقالُ هُنا «اجْتَبَاهُ رَبُّهُ»، والاسمُ نَفسُه مَرفوعٌ فاعِل، مُضافاً إلى الضَّميرِ نَفسِه.

لَفظٌ واحِدٌ في آيتَينِ مُتَجاوِرَتَين، مَفعولٌ في الأُولى وفاعِلٌ في الثّانية. وهذا هو جَوابُ السّورةِ على الآيةِ التي قَبلَها، فلَفظُ العِصيانِ باقٍ لا يُبَدَّل، والذي يُقلَبُ مَوقِعُ المَعصِيّ، من مَفعولٍ يُعصى إلى فاعِلٍ يَجتَبي.

والاجتِباءُ من ج-ب-ي، وأصلُه جَمعُ المُتَفَرِّقِ إلى مَوضِعٍ يُمسِكُه، ومِنه «الجابِية»، وهي الحَوضُ يُجمَعُ فيه الماءُ فلا يَضيع.

وهو هُنا على وَزنِ افتَعَل، وهذا الوَزنُ يَرُدُّ الفِعلَ إلى فاعِلِه، فالمَعنى جَمَعَه إلى نَفسِه.

وما قَبلَه في هذا المَقطَعِ كُلُّه تَفَرُّق: عَهدٌ انسَلَّ، وعَزمٌ لم يوجَد، وغَيٌّ يُفضي بِصاحِبِه إلى أسفَل، فالذي لم يوجَدْ لَه ما يُمسِكُ جُمِعَ إلى مَن يُمسِك.

و«رَبُّهُ» من ر-ب-ب، وهي مُلازَمةٌ مُتَّصِلةٌ تَنقُلُ المُلازَمَ من حالٍ إلى حال، فالاسمُ نَفسُه يَدُلُّ على نَقلِ الحالِ قَبلَ أن يُذكَرَ فِعلٌ يَنقُلُها.

«فَتَابَ عَلَيْهِ»: الرُّجوعُ يَقَعُ ثانِياً ومِن جِهةٍ واحِدة

والفاءُ تُعَقِّبُ الاجتِباء، فالتَّرتيبُ صَريحٌ في اللَّفظ، وهو اجتِباءٌ ثُمَّ تَوبة، لا تَوبةٌ ثُمَّ اجتِباء.

وهذا تَرتيبٌ يُقرَأُ ولا يُقلَب. فلم يُشتَرَطْ في الآيةِ رُجوعٌ من العَبدِ قَبلَ الاجتِباء، ولم يُذكَرْ لَه فِعلٌ ألبَتّة.

والتَّوبُ في ت-و-ب إفلاتٌ لِمَسارٍ كانَ صاحِبُه يُمسِكُه ورُجوعٌ يَمتَدُّ بِه إلى ما تَرَكَه، وفاعِلُه هُنا هو فاعِلُ الاجتِباء.

وعُدِّيَ بِـ«عَلى»، فالرُّجوعُ نازِلٌ عَلَيه من فَوقُ، غَيرُ صادِرٍ مِنه.

«وَهَدَىٰ»: فِعلٌ يُختَمُ بِه السَّطرُ بِلا مَفعولٍ ظاهِر

والواوُ تَعطِفُ الثّالِثَ على ما قَبلَه، ثُمَّ تَنتَهي الآيةُ ولا مَفعولَ لِلفِعلِ الأخير.

وعُدِلَ عن «وهَداهُ» إلى حَذفِ المَفعول، فبَقِيَ الفِعلُ عارِياً، ولا جِهةَ مُسَمّاةٌ يُهدى إلَيها.

وهذه صورةٌ وَقَعَت في هذه السّورةِ من قَبل: ثُمَّ هَدَىٰ﴾، فِعلانِ قَبلَهُما لَهُما مَفعولان، ثُمَّ فِعلٌ ثالِثٌ بِلا مَفعول، فاللَّفظُ نَفسُه والمَوقِعُ نَفسُه، وهو آخِرُ ثَلاثةٍ، عارٍ.

والهُدى من ه-د-ي، وهو دَلالةٌ خَفِيّةٌ تَضبِطُ الاتِّجاهَ وتَمتَدُّ مَعَ السّائِر، فهي تُصاحِبُه ولا تُنقَل.

وثَلاثةُ الأفعالِ في الآيةِ على تَرتيب: جَمعٌ إلى النَّفس، ثُمَّ رُجوعٌ نازِل، ثُمَّ دَلالةٌ تَمضي مَعَه، والأوَّلُ فيها سابِقٌ لا يُؤَخَّر.


حَصيلة

«ثُمَّ» لِلتَّرتيبِ مَعَ التَّراخي، فبَينَ آخِرِ الآيةِ التي قَبلَها وأوَّلِ هذه مُهلةٌ لا يُقالُ كَم كانَت، ثُمَّ تَتَتابَعُ ثَلاثةُ أفعالٍ بِفاءٍ وواوٍ لا مُهلةَ فيهِما، فالمُهلةُ في المَدخَلِ وَحدَه. ولَيسَ في الآيةِ فِعلٌ لِمَن ذُكِرَ قَبلَها، ففيها ثَلاثةُ أفعالٍ فاعِلُها واحِدٌ، ولَيسَ هو الذي عَصى. وقد قيلَ في الآيةِ التي قَبلَها إنَّ آدَمَ عَصى رَبَّه، فالاسمُ هُناكَ مَنصوبٌ مَفعولٌ بِه؛ ويُقالُ هُنا إنَّ رَبَّه اجتَباه، فالاسمُ نَفسُه مَرفوعٌ فاعِل، مُضافاً إلى الضَّميرِ نَفسِه. فهو لَفظٌ واحِدٌ في آيتَينِ مُتَجاوِرَتَين، مَفعولٌ في الأُولى وفاعِلٌ في الثّانية، وهذا جَوابُ السّورة: يَبقى لَفظُ العِصيانِ كما هو، ويُقلَبُ مَوقِعُ المَعصِيِّ من مَفعولٍ يُعصى إلى فاعِلٍ يَجتَبي. والاجتِباءُ في ج-ب-ي جَمعُ المُتَفَرِّقِ إلى مَوضِعٍ يُمسِكُه، على وَزنِ افتَعَل الذي يَرُدُّ الفِعلَ إلى فاعِلِه، فالمَعنى جَمَعَه إلى نَفسِه. وما قَبلَه في هذا المَقطَعِ تَفَرُّقٌ كُلُّه: عَهدٌ انسَلَّ، وعَزمٌ لم يوجَد، وغَيٌّ يُفضي بِصاحِبِه إلى أسفَل؛ فالذي لم يوجَدْ لَه ما يُمسِكُ جُمِعَ إلى مَن يُمسِك. و«رَبُّهُ» من ر-ب-ب مُلازَمةٌ مُتَّصِلةٌ تَنقُلُ المُلازَمَ من حالٍ إلى حال، فالاسمُ يَدُلُّ على نَقلِ الحالِ قَبلَ أن يُذكَرَ فِعلٌ يَنقُلُها. ثُمَّ فاءٌ تُعَقِّبُ الاجتِباءَ، فالتَّرتيبُ صَريحٌ في اللَّفظ: اجتِباءٌ ثُمَّ تَوبة، ولم يُشتَرَطْ رُجوعٌ من العَبدِ قَبلَه ولم يُذكَرْ لَه في الآيةِ فِعلٌ ألبَتّة. والتَّوبُ في ت-و-ب إفلاتٌ لِمَسارٍ كانَ صاحِبُه يُمسِكُه ورُجوعٌ إلى ما تَرَكَه، وعُدِّيَ بِـ«على» فهو نازِلٌ عَلَيه لا صادِرٌ مِنه. ثُمَّ فِعلٌ ثالِثٌ تُختَمُ بِه الآيةُ بِلا مَفعولٍ ظاهِر، ولم يَأتِ «وهَداهُ»، ولا جِهةَ مُسَمّاةٌ يُهدى إلَيها؛ وهي الصّورةُ التي وَقَعَت في هذه السّورةِ من قَبلُ: فِعلانِ لَهُما مَفعولانِ ثُمَّ ثالِثٌ عارٍ. والهُدى في ه-د-ي دَلالةٌ خَفِيّةٌ تَضبِطُ الاتِّجاهَ وتَمتَدُّ مَعَ السّائِر، فهي تُصاحِبُ ولا تُنقَل. فالتَّرتيبُ جَمعٌ إلى النَّفس، فرُجوعٌ نازِل، فدَلالةٌ تَمضي مَعَه، والأوَّلُ سابِقٌ لا يُؤَخَّر.