آل عمران · الآية 179

﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ

«مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ»: ما أَنتم عليه لا يَبقى

تَفتَحُ «ما كان» نفياً يَتعلّقُ بالله، وتأتي لامُ الجحودِ قبلَ «يذر». و«يَذَر» من و-ذ-ر، سَقَطَت واوُه في المُضارِعِ كما تَسقُطُ في «يَعِد»، وهو فَتحُ الحَلقةِ عمّا أحاطَت بِه فيَمضي على حالِه، غيرَ أنّ النفيَ يَمنعُ بقاءَ المؤمنينَ على الحالِ المشارِ إليها. و«ما أنتم عليه» يَجمعُ حالَ المخاطَبينَ في إشارةٍ واحدة، ثمّ تَضعُ لها «حتى» الآتيةُ حدّاً يَكشفُ اتجاهَ التحوّل.

«حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ»: الغايةُ تَفصلُ طرفينِ موصوفين

و«حتى» تَضعُ غايةً للحالِ المنفيِّ بقاؤها: أن يَميزَ اللهُ الخبيثَ من الطيّب. والتمييزُ من م-ي-ز، ومادّتُه نافِذٌ حادٌّ يَجري بَينَ ما تَلاصَقَ حتّى يَفصِلَ بَعضَه عن بَعض، فيَحمِلُ فصلَ طرفٍ عن طرف. و«الخبيث» مفعولٌ، و«من الطيب» جهةُ فصلِه، وكلاهما وصفٌ يَجعلُ المدارَ على الصفةِ الظاهرةِ بالتمييز. والطيبُ من ط-ي-ب، وأصلُه ما يَنبَسِطُ لَيِّناً ويَنفَتِحُ خارِجاً فيَحسُنُ وَقعُه، فيَنتهي اختلاطُ الحالِ إلى انفصالِ الوصفين.

«وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ»: الغَيبُ لا يُفتَحُ للجَميع

ثمّ تُعيدُ الواوُ صيغةَ «ما كان» ولامَ الجحود، والفعلُ هذه المرّة «يطلعكم». وصيغةُ الإفعالِ تَجعلُ المخاطَبينَ مفعولاً وتَربطُهم بـ«على الغيب»، فتَضعُ الغيبَ خارجَ اطلاعِ الجماعة. وبذلك يَفصلُ تكرارُ النفيِ بينَ تمييزٍ يُجريه اللهُ في الواقع وامتلاكِ الناسِ معرفةَ الغيب: يَرونَ أثرَ الفصلِ ولا يَملكونَ الخفيَّ من أمرِه.

«وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ»: الاستدراكُ يَثبتُ اختياراً إلهيّاً

و«لكنّ» تَستدركُ بعدَ نفيِ الاطّلاع، واسمُ الله اسمُها والمضارعُ خبرُها. والاجتباءُ من ج-ب-ي، ومدارُه على اجتماعٍ يَتَّصلُ ثمّ يَمتَدُّ سارياً، وصيغةُ الافتعالِ تَحملُ اختياراً مقصوداً. و«من رسله» تَحفظُ مجالَ الاختيارِ في الرسلِ المضافينَ إليه، و«من يشاء» تَجعلُ المشيئةَ حدَّه، وما كان ممتنعاً على الجماعةِ يصبحُ اجتباءً مخصوصاً مصدرُه اللهُ وحده.

«فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ... فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ»: الإيمانُ يَصيرُ جَواباً وأَجراً

والفاءُ تُنتجُ أمراً للجماعةِ بالإيمانِ بالله ورسله، والعطفُ يَحفظُ المتعلَّقينِ تحتَ الباء. ثمّ تَفتحُ «إن» شرطينِ فعليّين: تؤمنوا وتتقوا، والشرطُ يَطلبُ إيماناً متجدّداً وتقوى عامدة، ويَجيءُ جوابُه «فلكم أجر عظيم»، فتَجعلُ اللامُ الأجرَ لهم عندَ تحقّقِ الفعلين. وتنكيرُ الأجرِ مع وصفِه بالعِظم يَفتحُ الجزاءَ على سَعةٍ تُناسِبُ مصدرَه.


حَصيلة

يَنفي النصُّ بقاءَ المؤمنينَ على الحالِ التي عليها المخاطَبون، ويَجعلُ الغايةَ أن يَميزَ اللهُ الخبيثَ من الطيّب، ثمّ يَضعُ الغيبَ خارجَ اطلاعِ الجماعة، ويَستدركُ باجتباءِ الله من رسله مَن يشاء. والحدودُ متوزّعةٌ بوضوح: التمييزُ فعلُ الله، والغيبُ عندَه، والاجتباءُ بمشيئتِه، وأمّا عملُ المخاطَبين فالإيمانُ بالله ورسله والتقوى، وعندَ تحقّقِهما يُفتَحُ لهم أجرٌ عظيم.