التَّمييز
فَرزُ المُختَلِطِ بِفَصلِ بَعضِه عن بَعضٍ حَتّى يَقومَ كُلُّ صِنفٍ وَحدَه. في المَنشورِ يَقَعُ مَرّةً بِفِعلِ اللهِ في الدُّنيا بِالابتِلاء، ومَرّةً بِأمرٍ يُوَجَّهُ إلى المُجرِمينَ فيَقومونَ بِه بِأنفُسِهِم.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- م: انطِباقُ الشَّفَتَينِ يَضُمُّ الصَّوتَ ويُمسِكُه في
الباطِنِ قَبلَ إرسالِه. شِحنَتُه: الامتِساكُ والاحتِواءُ الباطِن.
- ي: انسِيابٌ لَيِّنٌ يَمتَدُّ بِه الصَّوتُ ويَسري. شِحنَتُه:
الامتِدادُ والسَّرَيان.
- ز: صَفيرٌ مَجهورٌ يَنفُذُ في مَضيقٍ حادّاً. شِحنَتُه:
الجَرَيانُ النافِذُ الحادّ.
النَّواةُ مَي (م + ي) = مَجموعٌ مُمسَكٌ يَمتَدُّ: كَثرةٌ مُحتَواةٌ في حَيِّزٍ واحِدٍ تَسري فيه. والإغلاقُ بـز يُدخِلُ في هذا المَجموعِ نُفوذاً حادّاً يَشُقُّه في مَضيق، فلا يَبقى المُحتَوى مُختَلِطاً بَل يُفصَلُ بَعضُه عن بَعضٍ بِنافِذٍ يَجري بَينَهُما، فيَصيرُ الجَذرُ: شَقُّ المُجتَمِعِ بِنافِذٍ حادٍّ حَتّى يَنفَصِلَ صِنفٌ عن صِنف.
ومنه في كَلامِ العَرَب: مازَ الشَّيءَ عَزَلَ بَعضَه عن بَعض، وامتازَ القَومُ انفَصَلَ فَريقُهُم عَنِ الآخَر، والمائِزُ ما يُفَرَّقُ بِه بَينَ المُشتَبِهَين.
الشِّحنةُ الجامِعة: فَصلُ المُختَلِطِ بِنافِذٍ يَجري بَينَ صِنفَيه.
وهذه القِراءةُ تُؤَدّي ثَمَنَها: تُفَسِّرُ لِمَ لا يَقَعُ هذا الجَذرُ في المَنشورِ إلّا على مُختَلِطٍ قائِمٍ قَبلَه، فلا يُقالُ في المُتَفَرِّقِ ابتِداءً؛ وتُفَسِّرُ لِمَ صَحَّ أن يُؤمَرَ بِه المَفصولونَ أنفُسُهُم في ٣٦:٥٩، فالنّافِذُ يَجري بَينَ الصِّنفَينِ ويَكفي أن يَنحازَ كُلٌّ إلى ناحِيَتِه.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- يَمِيزَ (مُضارِعٌ ثُلاثِيٌّ مُجَرَّدٌ مَنصوبٌ بِـ«حَتّى»): في
٣:١٧٩. النَّصبُ بِالغايةِ يَجعَلُ الفَصلَ مُنتَهىً يُساقُ إليه ما قَبلَه، والمُجَرَّدُ يَنسِبُ الفِعلَ إلى فاعِلِه بِغَيرِ واسِطة.
- وَامْتَازُوا (أمرٌ من الافتِعالِ مُسنَدٌ إلى واوِ الجَماعة):
في ٣٦:٥٩. الافتِعالُ يَرُدُّ الفِعلَ إلى الفاعِلِ نَفسِه، والأمرُ يَجعَلُ الانفِصالَ مَطلوباً مِنهُم لا واقِعاً عَلَيهِم.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: الفَصلُ بِنافِذٍ، من الحُروف. والصِّيَغُ
تُبَدِّلُ الفاعِل: فاصِلٌ من فَوقُ في الأولى، ومُنفَصِلونَ
بِأنفُسِهِم في الثّانِية.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ لِلجَذرِ في المَنشور، والصّيغَتانِ وَجها حَدَثٍ واحِد. وأقرَبُ ما يُلابِسُه من غَيرِ جَذرِه:
tafriq(ف-ر-ق): التَّفريقُ تَشتيتٌ يَجعَلُ الواحِدَ
أجزاءً، والتَّمييزُ فَرزٌ يَجعَلُ المُختَلِطَ صِنفَين. فالأوَّلُ يَنقُصُ بِه الجُملة، والثّاني تَبقى الجُملةُ بِه كامِلةً مُرَتَّبة.
hashr: الحَشرُ جَمعٌ بِسَوقٍ إلى مَوضِعٍ واحِد،
والتَّمييزُ عَكسُ وِجهَتِه في المَوضِعِ نَفسِه: يُجمَعُ الخَلقُ ثُمَّ يُؤمَرُ فَريقٌ بِأن يَنحازَ، فلا امتِيازَ إلّا بَعدَ جَمع.
المَواضع: مَواقعُ التَّمييزِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٣:١٧٩ ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾:
مَوضِعُ الافتِتاح. يَدخُلُ الجَذرُ المُصحَفَ غايةً لِنَفيٍ: يُنفى تَركُ المُؤمِنينَ على حالِ الاختِلاطِ، وتُجعَلُ الغايةُ هي الفَصل. والمَفصولانِ وَصفانِ لا ذَواتٌ ﴿الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، فالنّافِذُ يَجري بَينَ صِفَتَينِ في جَماعةٍ واحِدة. ويُعَقَّبُ بِنَفيِ الاطِّلاعِ على الغَيب، فيُقَرَّرُ أنَّ الفَصلَ يَقَعُ بِمَجرى الأحداثِ لا بِإخبارٍ يُغني عَنها: يُمَيَّزُ الوَصفُ بِأن يَظهَر، لا بِأن يُعلَنَ قَبلَ ظُهورِه. انظُر الخَبيث والطَّيِّب والغَيب.
- ٣٦:٥٩ ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾: الجَديدُ: يَنقَلِبُ
الفاعِل. كانَ الفَصلُ في المَوضِعِ الأوَّلِ فِعلاً يُنتَظَرُ بُلوغُ غايَتِه، وصارَ هُنا أمراً يُوَجَّهُ إلى المَفصولينَ فيَتَوَلَّونَهُ بِأنفُسِهِم. وظَرفُ ﴿الْيَوْمَ﴾ يَقطَعُ التَّرَقُّبَ الذي في «حَتّى»: انتَهَتِ الغايةُ فحَلَّ وَقتُها. والنِّداءُ بِالوَصفِ ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ يُسَمّي الصِّنفَ الذي كانَ في ٣:١٧٩ مَوصوفاً بِالخُبثِ غَيرَ مُسَمًّى بِأهلِه، فالتَّمييزُ الذي بَدَأَ فَصلَ وَصفَينِ يَنتَهي إلى نِداءِ جَماعةٍ بِاسمِ وَصفِها. انظُر الحَشر.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
khabithوtayyib: طَرَفا الفَصلِ في ٣:١٧٩، ولا يُذكَرُ
التَّمييزُ في المَنشورِ إلّا وطَرَفاهُ وَصفان.
ghayb: الآيةُ نَفسُها تَنفي الاطِّلاعَ على الغَيبِ بَعدَ
إثباتِ التَّمييز، فيُقرَأُ الفَرزُ بَديلاً عَنِ الإخبارِ لا مُقَدِّمةً لَه.
ibtila: سِياقُ ٣:١٧٩ في أحداثٍ جَرَت على الجَماعة،
والتَّمييزُ ثَمَرَتُها، فالفَرزُ يَحتاجُ مَجرىً يَجري فيه.
hashr: ٣٦:٥٩ تَضَعُ الأمرَ بِالامتِيازِ في يَومِ الجَمع،
فيُقرَأُ الفَصلُ حَرَكةً داخِلَ الجَمعِ لا بَديلاً عَنه.
tafriq: المَفهومانِ يَتَجاوَرانِ في إزالةِ الاختِلاطِ
ويَفتَرِقانِ في مَصيرِ الجُملة.
الإشكالات المَفتوحة
- **لِمَ جاءَ الفَصلُ في الدُّنيا مَنسوباً إلى فاعِلٍ من فَوقُ،
وفي المَوقِفِ الآخَرِ أمراً لِلمَفصولين؟** المَنشورُ يُعطي المَوضِعَينِ ولا يُعطي ثالِثاً يُرَجِّح. مَوقِفُنا من الحُروف: النّافِذُ الحادُّ يَجري بَينَ الصِّنفَينِ في الحالَينِ، والذي اختَلَفَ مَن يُمسِكُ بِه؛ وحينَ يَظهَرُ الوَصفُ ظُهوراً تامّاً يَكفي أن يُؤمَرَ صاحِبُه بِأن يَنحازَ إلى ناحِيَتِه.
- هَل يُقالُ التَّمييزُ في مُتَفَرِّقٍ ابتِداءً؟ لَيسَ في
المَنشورِ مَوضِعٌ يَشهَدُ لِذلك: المَوضِعانِ كِلاهُما بَعدَ اختِلاطٍ مَذكور. مَوقِفُنا: الجَذرُ يَشتَرِطُ سابِقةَ الاجتِماعِ، والحُكمُ مَوقوفٌ على ما يُنشَرُ بَعدُ.