المُخافَتة
صَوتٌ يَتَناقَصُ حَتّى يُشرِفَ على الانقِطاع. لَيسَ إسراراً ولا صَمتاً، بَل دَرَجةٌ في سُلَّمِ العُلُوِّ يُنهى عَن بُلوغِ طَرَفِها.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- خ: تَخَلخُلٌ ونَقصٌ وفَراغ.
شِحنَتُه: تَخَلخُلٌ يَنقُصُ ويَفرُغ.
- ف: شَقٌّ وانفِتاحٌ ضَيِّق.
شِحنَتُه: نَفاذٌ من شَقٍّ ضَيِّق.
- ت: قَطعٌ وتَمامٌ وانفِلات.
شِحنَتُه: قَطعٌ يُتِمُّ الحَدَثَ ويُنهيه.
النَّواةُ خف (خ + ف) = تَخَلخُلٌ يَنفُذُ من ضَيِّق: كَثافةٌ تَقِلُّ فيَخرُجُ ما بَقِيَ منها من مَنفَذٍ ضامِر. الإغلاقُ بـت يَقطَعُ هذا النُّقصانَ عِندَ تَمامِه، فيَصيرُ الجَذرُ: نُقصانٌ مُتَدَرِّجٌ يَنفُذُ من ضَيِّقٍ حَتّى يَنقَطِع.
ومنه في كَلامِ العَرَب: خَفَتَ الصَّوتُ ضَعُفَ حَتّى سَكَن، والخافِتُ الذي يُسمَعُ ولا يَكادُ يُبين.
الشِّحنةُ الجامِعة: تَناقُصٌ في الصَّوتِ يَمضي إلى حَدِّ الانقِطاعِ ولَمّا يَبلُغْه.
وثَمَنُ هذه القِراءةِ أنَّها تَحسِمُ ما لا يَحسِمُهُ ظاهِرُ اللَّفظ: لَو كانَ الخُفوتُ إسراراً لَما استَقامَ في ١٧:١١٠ أن يُطلَبَ ﴿بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾، إذ لا وَسَطَ بَينَ سِرٍّ وإعلان. وإنَّما يَستَقيمُ الوَسَطُ إذا كانَ الطَّرَفانِ دَرَجَتَينِ في مِقدارٍ واحِد: عُلُوٌّ يَبلُغُ أقصاه، ونُقصانٌ يَبلُغُ أقصاه. فالجَذرُ يُعطي المِقدارَ لا الكِتمان.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- تُخَافِتْ (مُضارِعٌ مَجزومٌ بِالنَّهيِ من فاعَلَ)، ١٧:١١٠:
الوَزنُ يَجعَلُ الخُفوتَ مَقصوداً مُوَجَّهاً إلى مَحَلٍّ بِعَينِه (﴿بِهَا﴾)، لا حالاً تَعرِضُ لِلصَّوتِ من غَيرِ قَصد.
- يَتَخَافَتُونَ (مُضارِعٌ من تَفاعَل)، ٢٠:١٠٣: الوَزنُ
لِلمُشارَكة، فلا واحِدٌ يَخفِضُ إلى واحِد، بَل الجَماعةُ كُلُّها تَخفِضُ بَعضُها إلى بَعضٍ في آنٍ واحِد.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: النُّقصانُ المُتَدَرِّج، من الحُروف.
والوَزنانِ كِلاهُما من بابِ المُفاعَلة، فالخُفوتُ في المَنشورِ
لا يَقَعُ فَرداً في نَفسِه بَل مُوَجَّهاً بَينَ طَرَفَين.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ مُستَقِلّاً لِلجَذرِ في المَنشور. ويُفارِقُ الخُفوتُ ما يُجاوِرُه: الإسرارُ إخفاءُ المَعنى عن غَيرِ المُخاطَب، والسُّكوتُ انقِطاعُ الصَّوتِ رَأساً، والخُفوتُ نُقصانُهُ وهو باقٍ. ولِذلكَ صَحَّ أن يَقَعَ بِهِ التَّفاهُمُ في ٢٠:١٠٣: صَوتٌ ناقِصٌ يُسمَع، لا صَمتٌ لا يُسمَعُ منه شَيء.
المَواضع: مَواقعُ المُخافَتةِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ١٧:١١٠ ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ
بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَذرُ يَدخُلُ المُصحَفَ مَنهِيّاً عَنهُ مَقروناً بِضِدِّهِ المَنهِيِّ عَنهُ أيضاً، فلا يُذَمُّ أحَدُ الطَّرَفَينِ دونَ الآخَر. والذي يُطلَبُ لَيسَ تَركَهُما بَل ما بَينَهُما، وطَلَبُ الوَسَطِ يَكشِفُ أنَّهُما حَدّا مِقدارٍ واحِدٍ لا حالَتانِ مُتَبايِنَتان. والمَوضِعُ يَقَعُ بَعدَ تَخييرٍ في الاسمِ الذي يُدعى بِه، فيَنتَقِلُ التَّنظيمُ من المَدعُوِّ بِهِ إلى مِقدارِ الصَّوتِ بِه.
- ٢٠:١٠٣ ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾: الجَديدُ: الخُفوتُ يَنتَقِلُ
من نَهيٍ إلى وَصفٍ واقِع، ومن فِعلِ واحِدٍ في صَلاتِهِ إلى فِعلِ جَماعةٍ في مَقامِ بَعث. والوَزنُ يَصيرُ تَفاعُلاً فيَعُمُّ الجَميعَ في آنٍ. وجَديدٌ ثانٍ: لا مَنهِيَّ هُنا ولا مَأمور، بَل خَبَرٌ عن حالٍ اقتَضاها المَقام: الصَّوتُ يَنقُصُ من نَفسِهِ حَيثُ يَهولُ المَشهَد. فما كانَ في مَوضِعِ الافتِتاحِ اختِياراً يُنهى عَن طَرَفِه، صارَ هُنا أثَراً لا يَملِكُ صاحِبُهُ رَدَّه.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
jahr: ١٧:١١٠ تَجمَعُ الجَهرَ والمُخافَتةَ في نَهيٍ
واحِد، فهُما طَرَفا مِقدارٍ واحِدٍ لا مَعنَيانِ مُتَقابِلان بِالنَّفيِ والإثبات.
salat: المَوضِعُ نَفسُهُ يَجعَلُ الصَّلاةَ مَحَلَّ
الخُفوتِ المَنهِيِّ عَنه، فالتَّنظيمُ يَقَعُ على أداءِ العِبادةِ لا على الكَلامِ مُطلَقاً.
du3a: ١٧:١١٠ تَفتَتِحُ بِالأمرِ بِالدُّعاءِ ثُمَّ
تَنتَقِلُ إلى مِقدارِ الصَّوت، فالمَوضِعُ يَصِلُ اختِيارَ الاسمِ بِاختِيارِ الدَّرَجة.
sawt: الجَذرُ لا يَتَعَلَّقُ إلّا بِمِقدارِ الصَّوت،
و٢٠:١٠٣ تُبَيِّنُ أنَّ نُقصانَهُ لا يَمنَعُ التَّفاهُمَ بِه.
الإشكالات المَفتوحة
- هَل المُخافَتةُ مَذمومةٌ في ذاتِها؟ ١٧:١١٠ تَنهى عَنها
وعَن ضِدِّها مَعاً، و٢٠:١٠٣ تَصِفُ بِها قَوماً في مَقامِ هَولٍ بِلا ذَمٍّ لِلصَّوتِ نَفسِه. فالمَذمومُ بُلوغُ الطَّرَف حَيثُ يُطلَبُ الوَسَط، لا الجَذرُ. ويَبقى السُّؤالُ عن حُكمِها حَيثُ لا وَسَطَ مَطلوباً مَفتوحاً.
- لِماذا لا يَرِدُ الجَذرُ إلّا في بابِ المُفاعَلة؟
الحُروفُ تُعطي نُقصاناً يَنفُذُ من مَنفَذٍ ضَيِّق، والنُّفوذُ يَقتَضي جِهةً يَنفُذُ إلَيها. وعَلَيهِ فالوَزنُ مُوافِقٌ لِلجَذرِ لا زائِدٌ عَلَيه. وهَل يَحتَمِلُ ثُلاثِيّاً مُجَرَّداً يَصِفُ الصَّوتَ وَحدَه، مَسأَلةٌ مَوقوفةٌ على ما يُنشَرُ بَعدُ.