طه · الآية 103

﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا

«يَتَخَافَتُونَ»: صَوتٌ يَنقُصُ حَتّى يُشرِفَ على الانقِطاع

الوَزنُ تَفاعَل، وهو لِلمُشارَكة، فالجَماعةُ كُلُّها تَخفِضُ بَعضُها إلى بَعض، وليسَ ثَمَّ واحِدٌ يُسِرُّ إلى واحِد، والصَّوتُ نازِلٌ في كُلِّ جِهةٍ في وَقتٍ واحِد.

وأصلُ خ-ف-ت نَقصٌ يَخرُجُ من شَقٍّ ضَيِّقٍ ثُمَّ يَنقَطِع، يُقالُ «خَفَتَ الصَّوتُ» إذا ضَعُفَ حَتّى سَكَن. فالخُفوتُ صَوتٌ يَتَناقَصُ حَتّى يُشرِفَ على الذَّهاب، وهو غَيرُ صَمتٍ من أوَّلِه.

وهو الجَذرُ الذي نُهِيَ عنه في الصَّلاةِ بِلَفظِه: وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، فالجَذرُ واحِدٌ في مَقامَين: مَنهِيٌّ عنه حَيثُ يُرفَعُ القَولُ إلى غَيرِ النّاس، وواقِعٌ هُنا حَيثُ يُدارُ القَولُ بَينَ النّاسِ وَحدَهُم.

«بَيْنَهُمْ»: كَلامٌ يَدورُ ولا يُرفَع

والظَّرفُ يَحصُرُ مَدارَ الكَلام، فهو تَقديرٌ يَتَداوَلونَه فيما بَينَهُم، وليسَ سُؤالاً يُوَجَّهُ ولا جَواباً يُطلَب.

ولِذلك جاءَ ما بَعدَه بِصيغةِ الخِطاب: «لَّبِثْتُمْ»، إذ يَقولُ بَعضُهُم لِبَعضٍ «أنتُم»، فالمُخافَتةُ مُحاوَرةٌ، لا مُناجاةُ نَفس.

«إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا»: حَصرٌ في أخفَضِ صَوت

و«إِنْ» نافِية، و«إلّا» لِلاستِثناء، فالجُملةُ نَفيٌ وحَصر، وصيغَتُها خالِيةٌ من التَّقريبِ والتَّظَنّي، ولَفظُها لَفظُ جَزم.

و«لَبِثَ» من ل-ب-ث، وهو تَعَلُّقٌ بِمَوضِعٍ يَتَمَسَّكُ ويَتَكاثَفُ فيه المُقام، فاللُّبثُ مُكثٌ لَه ثِقَلٌ في مَوضِعِه، لا مُرورٌ عابِر.

و«عَشْرًا» عَدَدٌ بِلا مَعدود، ولم يُبَيَّنْ عَشرُ ماذا، فالآيةُ تَذكُرُ الكَمِّيّةَ وتَترُكُ الوِحدةَ مَحذوفة، فيَبقى التَّقديرُ مُعَلَّقاً على شَيءٍ لم يُسَمّ.

ومَدارُ ع-ش-ر على تَجَمُّعٍ يَنتَشِرُ ثُمَّ يُمسَكُ في عَقدٍ واحِد، ومِنه «العَشيرةُ» لِجَماعةٍ يُمسِكُ بَعضُها بَعضاً، و«المُعاشَرةُ» لِمُخالَطةٍ تَجمَع، فالعَشَرةُ أوَّلُ عَقدٍ يَضُمُّ الآحادَ ويَحوزُها.

ومَحَلُّ النَّظَرِ في الآيةِ كُلِّها مُفارَقةٌ، هي أنَّ أخفَضَ ما يُقالُ صَوتاً هو أجزَمُ ما يُقالُ صيغة، فالهَمسُ يَنطِقُ بِحَصر.


حَصيلة

وَزنُ المُشارَكةِ يَجعَلُ الخَفضَ مُتَبادَلاً، فهي جَماعةٌ تَنزِلُ أصواتُها بَعضُها إلى بَعض، ولا مُسِرَّ فيها ولا مُسَرَّ إلَيه. وجَذرُ الخُفوتِ نَقصٌ يَخرُجُ من مَضيقٍ ثُمَّ يَنقَطِع، فالصَّوتُ في الآيةِ ذاهِبٌ غَيرُ ساكِت. وهو الجَذرُ الذي وَرَدَ نَهياً في مَقامِ الصَّلاة، فما نُهِيَ عنه حَيثُ يُرفَعُ القَولُ يَقَعُ هُنا حَيثُ يُدارُ القَولُ بَينَ النّاسِ وَحدَهُم. و«بَيْنَهُمْ» تَحصُرُ مَدارَ الكَلامِ فلا يُرفَعُ إلى أحَد، ثُمَّ يَجيءُ الكَلامُ خِطاباً لا مُناجاة: «لَّبِثْتُمْ». وصيغَتُه نَفيٌ وحَصرٌ خالِصان من التَّقريبِ والتَّرَدُّد، واللُّبثُ في جَذرِه مُقامٌ لَه ثِقَلٌ لا مُرورٌ عابِر، و«عَشْرًا» عَدَدٌ حُذِفَ مَعدودُه فبَقِيَ العَقدُ بِلا وِحدةٍ يُعَدُّ بِها، وجَذرُ العَشَرةِ أوَّلُ عَقدٍ يَضُمُّ الآحاد. فأخفَضُ الأصواتِ يَنطِقُ بِأجزَمِ الصِّيَغ، ويَبقى ما جُزِمَ بِه مُعَلَّقاً على مَعدودٍ لم يُذكَر.