الإسراء · الآية 110

﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا

«قُلِ ادْعُوا»: افتِتاحٌ مَرَّ في السّورةِ بِمَفعولٍ آخَر

وقد سَبَقَ هذانِ اللَّفظانِ مُتَجاوِرَينِ في هذه السّورة: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ﴾، فالصيغةُ واحِدةٌ والمَفعولُ يَتَبَدَّل.

وكانَ الأمرُ بِالدُّعاءِ هُناكَ اختِباراً يَنتَهي إلى عَجز، وهو هُنا يَنتَهي إلى وُجدان، فالأمرُ واحِدٌ في اللَّفظِ يُساقُ مَرَّتَين: مَرّةً لِيَظهَرَ مَن لا يَملِك، ومَرّةً لِيَظهَرَ ما لا يُحصى.

والدُّعاءُ من د-ع-و، وأصلُه دَفعٌ يَنفُذُ ظاهِراً من العُمقِ ثُمَّ يوصَلُ بِمَن يُقصَدُ بِه، فهو نِداءٌ يَستَحضِر، لا صَوتٌ في فَراغ، والوَصلُ في آخِرِ الجَذرِ هو الفارِقُ بَينَ المَوضِعَين، فهُناكَ نِداءٌ لا يَصِل، وهُنا نِداءٌ لا يَنقَطِع.

«اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ»: الفِعلُ يُعادُ مَعَ كُلِّ اسم

ومَحَلُّ النَّظَرِ ما لم يُختَصَر، وقد عُدِلَ عن «ادعُوا اللهَ أو الرَّحمنَ» إلى إعادةِ الفِعل: «أوِ ادعُوا الرَّحمن»، والاختِصارُ كانَ مُمكِناً ولَفظُه أخَفّ.

وفي إعادَتِه أنَّ لِلاسمَينِ دَعوَتَينِ تامَّتَين، وليسا مَفعولَينِ لِدَعوةٍ واحِدة، فكُلُّ اسمٍ يَستَقِلُّ بِنِدائِه، ولا يُجعَلُ أحَدُهُما تابِعاً لِلآخَر.

و«أو» ها هُنا لِلتَّخيير، ولا تُفيدُ الشَّكَّ ولا تَرجيحَ أحَدِ الطَّرَفَين، والتَّخييرُ إنَّما يَقَعُ بَينَ مُتَساوِيَين، فالآيةُ لم تَنُصَّ على أنَّ أحَدَ الاسمَينِ أَولى، ولم تُرَتِّبْهُما، ولم تَجعَلْ لِأحَدِهِما شَرطاً.

«أَيًّا مَّا تَدْعُوا»: تَعميمٌ يُجاوِزُ الاسمَينِ مَعاً

و«أيّاً» اسمُ شَرطٍ مَنصوبٌ على أنَّه مَفعولُ «تَدعوا»، و«ما» زائِدةٌ تُؤَكِّدُ الإبهامَ وتَزيدُه اتِّساعاً، فالجُملةُ شَرطٌ، وليسَت اختِياراً بَينَ اثنَين.

ولَو أُريدَ الاسمانِ وَحدَهُما لَقيلَ «أيَّهُما تَدعُوا»، وقد جاءَت «أيّاً» مُبهَمةً بِغَيرِ إضافةٍ تَحُدُّها، فخَرَجَ الكَلامُ من الاثنَينِ إلى ما لا يُحَدُّ عَدَدُه.

وهذا مَوضِعُ اللُّطفِ في الآية، وقد ذُكِرَ فيها اسمانِ ثُمَّ نُقِضَ حَصرُ الأمرِ فيهِما بِأداةٍ واحِدة، ومَن ظَنَّ أنَّ الخِيارَ بَينَ اثنَينِ فقد انتَهى نَظَرُه قَبلَ «أيّاً».

«فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ»: جَوابٌ يَفتَحُ ما كانَ ضَيِّقاً

وعُدِلَ في جَوابِ الشَّرطِ عن «فهُما لَه» إلى «فلَه الأسماءُ الحُسنى»، فالسُّؤالُ عن اسمَينِ والجَوابُ بِجَمعٍ مُعَرَّف.

والاسمُ من س-م-و، ومادّتُه جَريانٌ يَعلو ويَمتَدُّ ثُمَّ يَنضَمُّ ويوصَل، فهو رايةٌ تُرفَعُ على الشَّيءِ فتَدُلُّ عَلَيه من فَوق، غَيرُ وِعاءٍ يُحيطُ بِه، ولِذلك تَكثُرُ الأسماءُ ولا يَتَعَدَّدُ المُسَمّى، كالرّاياتِ تَكثُرُ والمَوضِعُ واحِد.

و«الحُسنى» أفعَلُ تَفضيلٍ في صيغةِ المُؤَنَّث، و ح-س-ن احتِواءٌ حَيٌّ يَجري مُمتَدّاً ثُمَّ يَنبَعِثُ من الباطِنِ إلى مَن حَولَه، فالأسماءُ مَوصوفةٌ بِأبلَغِ ما في هذا الجَذرِ من سَيَلانٍ ووُصولٍ إلى الخارِج. والاسمانِ اللَّذانِ ذُكِرا في صَدرِ الآيةِ رُدّا بَعدُ إلى جُملةٍ لا تُعَدّ، فما ذُكِرَ مِثالٌ، وليسَ قِسمة.

«وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا»: طَرَفانِ في الصَّوتِ يُنهى عَنهُما

ثُمَّ يَنتَقِلُ الخِطابُ من جَمعٍ إلى مُفرَد، فبَعدَ «ادعُوا» و«تَدعُوا» جاءَ «لا تَجهَرْ» و«لا تُخافِتْ»، وضاقَ المُخاطَبُ حينَ ضاقَ المَوضوعُ من الاسمِ إلى الصَّوت.

والجَهرُ من ج-ه-ر، وأصلُه ما تَجَمَّعَ في الجَوفِ فأُفرِغَ بِالنَّفَسِ وجَرى بِغَيرِ ساتِر، فهو إخراجٌ كامِلٌ لا يُبقي في الباطِنِ شَيئاً. والمُخافَتةُ من خ-ف-ت، وهي صَوتٌ يَنقُصُ ويَخرُجُ من أضيَقِ مَنفَذٍ حتّى يَنقَطِع، ومِنه «خَفَتَ الصَّوتُ» إذا سَكَنَ وضَعُف، فهُما طَرَفانِ: أحَدُهُما يُفرِغُ حتّى لا يَبقى، والآخَرُ يُمسِكُ حتّى لا يَخرُج.

و«تُخافِتْ» على وَزنِ فاعَلَ، وهو بابٌ يَقتَضي طَرَفَين، فالإسرارُ في هذه الصيغةِ صَوتٌ يَدورُ بَينَ صاحِبِه وبَينَ ما يُخاطِبُ بِه ولا يُجاوِزُهُما. والباءُ في «بِصَلاتِك» و«بِها» تُعَدّي الفِعلَينِ إلى مَفعولٍ واحِد، فهي صِلةٌ واحِدةٌ نُهِيَ عن أن تُرفَعَ حتّى تَنكَشِف، وعن أن تُخفَضَ حتّى تَنطَفِئ.

«وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا»: وَسَطٌ سُكِتَ عنه أوَّلاً ثُمَّ قيل

و«ذَلِكَ» مُفرَدٌ يُشارُ بِه إلى الطَّرَفَينِ مَعاً، وقد جُمِعَ النَّهيانِ في إشارةٍ واحِدةٍ ثُمَّ طُلِبَ ما بَينَهُما، فصارَ الطَّرَفانِ حَدَّينِ لِمَجال، لا شِقَّينِ لِقِسمة.

وقد رُسِمَت هذه الصّورةُ في هذه السّورةِ مَرّةً من قَبل: يَدٌ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ﴾ ويَدٌ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾، فهُما طَرَفانِ مَنهِيٌّ عَنهُما في المال، وهذانِ طَرَفانِ مَنهِيٌّ عَنهُما في الصَّوت. والفَرقُ أنَّ الأولى ذَكَرَتِ الطَّرَفَينِ وسَكَتَت عمّا بَينَهُما فتَرَكَتْه لِلقارِئ، وهذه تَنُصُّ عَلَيه أمراً: «وابتَغِ بَينَ ذَلِكَ سَبيلاً»، فالسّورةُ رَسَمَتِ الحَدَّينِ مَرَّتَين، وأمَرَت بِالوَسَطِ في آخِرِهِما.

و«ابتَغِ» على وَزنِ افتَعَل، وفيه تَكَلُّفٌ ذاتيّ، أي طَلَبٌ يُعالِجُه صاحِبُه ولا يَقَعُ لَه عَفواً. و ب-غ-ي تَمَسُّكٌ يَغورُ في الباطِنِ نَحوَ ما استَتَر، فالمَطلوبُ مَغيَّبٌ يُبحَثُ عنه، غَيرُ ظاهِرٍ يُلتَقَط. والوَسَطُ في هذه الآيةِ مَأمورٌ بِه وليسَ مَوصوفاً، فقد قيلَ اطلُبْه ولم يُبَيَّنْ ما هو.

و«سَبيلاً» آخِرُ ما تُختَمُ بِه الجُملة، وقد خُتِمَت بِها سِتُّ آياتٍ في هذه السّورة، وهذه آخِرُها. وثَلاثٌ مِمّا سَبَقَ مَوصوفةٌ بِما لا يُدرَك: سُوءٌ وعَجزٌ وضَلال، وواحِدةٌ سَبَقَت بِهذا الفِعلِ نَفسِه: لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾، وهو ابتِغاءٌ مُعَلَّقٌ على فَرضٍ لا يَقَع، فلَمّا قارَبَتِ السّورةُ خِتامَها أُمِرَ بِابتِغاءٍ يَقَع. و«سَبيلاً» نَكِرةٌ، أي طَريقٌ يُطلَبُ ولا يُسَمّى، والسَّبيلُ من س-ب-ل مَجرىً يَجري مُتَّصِلاً ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِوِجهةٍ يَمتَدُّ إلَيها، ولم تُعطِ السّورةُ طَريقاً مَرسوماً، وأعطَت حافَّتَيه.


حَصيلة

يُفتَتَحُ الأمرُ بِلَفظٍ سَبَقَ في السّورةِ إلى مَفعولٍ آخَر، فيَظهَرُ الفَرقُ بَينَ نِداءٍ لا يَصِلُ ونِداءٍ لا يَنقَطِع. ويُعادُ الفِعلُ مَعَ الاسمِ الثاني ولا يُختَصَر، فيَستَقِلُّ كُلُّ اسمٍ بِدَعوَتِه، و«أو» تُخَيِّرُ بَينَ مُتَساوِيَينِ ولا تُرَتِّب. ثُمَّ تَجيءُ «أيّاً مّا» فتُخرِجُ الأمرَ من الاثنَينِ إلى ما لا يُحَدّ، ويَجيءُ الجَوابُ جَمعاً مُعَرَّفاً: «الأسماءُ الحُسنى». والاسمُ في س-م-و رايةٌ تُرفَعُ فتَدُلُّ ولا تُحيط، فتَكثُرُ الرّاياتُ والمَوضِعُ واحِد، وما ذُكِرَ في صَدرِ الآيةِ مِثالٌ لا قِسمة. ثُمَّ يَضيقُ الخِطابُ إلى مُفرَدٍ ويَضيقُ المَوضوعُ من الاسمِ إلى الصَّوت: ج-ه-ر إفراغٌ بِالنَّفَسِ لا ساتِرَ فيه، و خ-ف-ت نُقصانٌ يَخرُجُ من أضيَقِ مَنفَذٍ حتّى يَنقَطِع، وصيغةُ «تُخافِت» تَجعَلُ الإسرارَ دائِراً بَينَ طَرَفَين. ثُمَّ «ذَلِكَ» مُفرَدةٌ تَجمَعُ الطَّرَفَينِ في إشارةٍ واحِدةٍ فيَصيرانِ حَدَّي مَجالٍ لا شِقَّي قِسمة. وقد رُسِمَ الحَدّانِ في هذه السّورةِ مَرّةً في اليَدِ فتُرِكَ ما بَينَهُما بِلا اسم، ورُسِما هُنا في الصَّوتِ فأُمِرَ بِما بَينَهُما نَصّاً. و«ابتَغِ» افتِعالٌ يُكَلِّفُ صاحِبَه الطَّلَب، و ب-غ-ي قَصدٌ إلى ما استَتَر. و«سَبيلاً» نَكِرةٌ خُتِمَت بِها سِتُّ آياتٍ في السّورة، وهذه آخِرُها، وقد كانَ ابتِغاؤُها مُعَلَّقاً على فَرضٍ لا يَقَع، فصارَ في الخِتامِ أمراً يُمتَثَل، وفي الآيةِ حَدّانِ يُعطَيانِ وطَريقٌ يُطلَبُ ولا يُوصَف.