القَبض
ضَمُّ الشَّيءِ في جَوفِ اليَدِ حَتّى يَصيرَ في حَوزِ القابِضِ لا في مَتناوَلِ غَيرِه. في المَنشورِ يُقابِلُهُ البَسطُ مَرّةً، ويُوثِقُ الدَّينَ مَرّةً، ويَأخُذُ من أثَرٍ مَرّة.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ق: التِئامٌ في أقصى الحَلقِ يَعقِدُ الصَّوتَ في العُمقِ ثُمَّ
يُطلِقُه قاطِعاً. شِحنَتُه: العَقدُ والالتِئامُ في العُمق.
- ب: التِقاءٌ رَخوٌ لِلشَّفَتَينِ يَحبِسُ النَّفَسَ ثُمَّ
يَنفَتِحُ عَنه. شِحنَتُه: الاحتِباسُ والضَّغط.
- ض: انطِباقٌ عَريضٌ ثَقيلٌ لِحافّةِ اللِّسانِ يَضغَطُ ما
تَحتَه ثُمَّ يَنفَرِج. شِحنَتُه: الاحتِباسُ والضَّغطُ بِكَثافة.
النَّواةُ قَب (ق + ب) = عَقدٌ يَحتَبِس: التِئامٌ في العُمقِ يُمسِكُ ما وَقَعَ فيه. والإغلاقُ بـض يُضيفُ إلى العَقدِ ضَغطاً عَريضاً كَثيفاً، فلا يَبقى الإمساكُ بِطَرَفٍ بَل يَصيرُ إحاطةً تَضُمُّ المُمسَكَ من نَواحيه، فيَصيرُ الجَذرُ: عَقدٌ يَضُمُّ الشَّيءَ ضَغطاً حَتّى يَستَقِرَّ في الحَوز.
ومنه في كَلامِ العَرَب: قَبَضَ الشَّيءَ أخَذَهُ بِجُمعِ كَفِّه، والقَبضةُ ما مَلَأَ الكَفَّ، والمَقبوضُ ما صارَ في اليَدِ فخَرَجَ عن يَدِ غَيرِه، وانقَبَضَ الشَّيءُ إذا تَضامَّ بَعدَ انبِساط.
الشِّحنةُ الجامِعة: ضَمٌّ يُحيطُ بِالشَّيءِ فيَنقُلُهُ من الانبِساطِ إلى الحَوز.
وهذه القِراءةُ تُؤَدّي ما لا تُؤَدّيهِ الصّورة: تُفَسِّرُ لِمَ صَحَّ أن يُقابَلَ القَبضُ بِالبَسطِ وحدَه دونَ سائِرِ الأفعال، ولِمَ صارَ الرَّهنُ مَوثوقاً بِوَصفِه مَقبوضاً لا بِوَصفِه مَأخوذاً، ولِمَ كانَتِ القَبضةُ مِقداراً يُعرَفُ بِالكَفِّ لا بِالعَدّ.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- يَقْبِضُ (مُضارِعٌ ثُلاثِيٌّ مُجَرَّدٌ مُسنَدٌ إلى ظاهِر): في
٢:٢٤٥. المُضارِعُ يُفيدُ التَّجَدُّدَ فيَصيرُ الفِعلُ قانوناً جارِياً لا حادِثةً واحِدة، ويُعطَفُ عَلَيه ضِدُّه في الصّيغةِ نَفسِها فيَستَوي الطَّرَفانِ في الجَرَيان.
- فَقَبَضْتُ (ماضٍ مُسنَدٌ إلى المُتَكَلِّمِ مَقروناً بِفاءِ
التَّعقيب): في ٢٠:٩٦. الماضي يُثبِتُ الفِعلَ واقِعاً، والفاءُ تُعَقِّبُ بِه على رُؤيةٍ سَبَقَته، والإسنادُ إلى المُتَكَلِّمِ يَجعَلُهُ اعتِرافاً.
- قَبْضَةً (اسمُ مَرّةٍ مَنصوبٌ مَفعولاً مُطلَقاً في المَعنى):
في ٢٠:٩٦ أيضاً. وَزنُ المَرّةِ يُحَوِّلُ الحَدَثَ إلى مِقدارٍ مَحدودٍ يُعرَفُ بِأداتِه، فيَنقَلِبُ الفِعلُ كَمِّيّةً.
ولا يُقَيَّدُ هُنا وَصفُ الرَّهنِ في ٢:٢٨٣ وإن كانَ من هذا الجَذر: الصّيغةُ مُقَيَّدةٌ في مَفهومِ rihan وهو صاحِبُ الآيةِ، وقِراءَتُنا لَها قائِمةٌ في القِسمِ الرّابِعِ بِغَيرِ رابِطٍ آلِيّ.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: الضَّمُّ إلى الحَوز، من الحُروف. والصِّيَغُ
تُقَلِّبُه بَينَ قانونٍ يَجري، وفِعلٍ وَقَعَ، ومِقدارٍ يُكال.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ مُستَقِلّاً لِلجَذرِ في المَنشور: الصِّيَغُ الأربَعُ وُجوهُ حَدَثٍ واحِد. وأقرَبُ ما يُلابِسُه من غَيرِ جَذرِه:
imsak(م-س-ك): الإمساكُ حَبسٌ يَمنَعُ الانفِلات، والقَبضُ
ضَمٌّ يَنقُلُ إلى الحَوز. فالأوَّلُ يُبقي الشَّيءَ حَيثُ هو، والثّاني يُحَوِّلُ مَوضِعَه.
raqaba(ر-ق-ب): الرَّقَبةُ ما يُملَكُ بِالنَّظَرِ
والحِفظ، والقَبضةُ ما يُملَكُ بِالكَفّ. والفَرقُ في الآلة: عَينٌ هُناكَ ويَدٌ هُنا.
المَواضع: مَواقعُ القَبضِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٢٤٥ ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: مَوضِعُ
الافتِتاح. يَدخُلُ الجَذرُ المُصحَفَ مُضارِعاً مَقروناً بِضِدِّه في جُملةٍ واحِدةٍ بِلا مَفعولٍ لِواحِدٍ مِنهُما، فيُرفَعُ الحَدَثُ عن مَحَلٍّ بِعَينِه ويُقَرَّرُ قانوناً. وسِياقُه القَرضُ والمُضاعَفة: تُذكَرُ الزِّيادةُ ﴿أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ ثُمَّ يُذكَرُ الضَّمُّ والبَسطُ مَعاً، فلا تُقرَأُ المُضاعَفةُ انبِساطاً دائِماً. والعَطفُ يَجعَلُ القَبضَ نِصفَ الحَركةِ لا نَقصاً فيها: ما يُضَمُّ يُرَدُّ إلى مَن ضَمَّه، بِدَليلِ خَتمِ الآيةِ بِـ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. انظُر الصَّدَقة.
- ٢:٢٨٣ ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾:
الجَديدُ: يَنتَقِلُ الجَذرُ من فِعلٍ مُطلَقٍ إلى وَصفٍ يُشتَرَطُ، فيَصيرُ القَبضُ شَرطاً في صِحّةِ تَوثيقٍ لا حَدَثاً يُخبَرُ عَنه. والمَوضِعُ يَكشِفُ أنَّ الضَّمَّ إلى الحَوزِ هو الذي يُغني عن الكِتابةِ عِندَ فَقدِ الكاتِب: ما دَخَلَ اليَدَ أوثَقُ مِمّا عُلِّقَ بِاللِّسان. وتُختَمُ الآيةُ بِالنَّهيِ عن كِتمانِ الشَّهادة، فيُقابَلُ ما يُقبَضُ بِاليَدِ بِما يُكتَمُ في القَلب. انظُر الرِّهان والأَمانة.
- ٢٠:٩٦ ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا﴾: الجَديدُ:
يَجتَمِعُ الفِعلُ ومَصدَرُ مَرَّتِه في تَركيبٍ واحِد، فيُقاسُ الحَدَثُ بِمِقدارِه لا بِوُقوعِه فَقَط، ويَظهَرُ لِأوَّلِ مَرّةٍ مَقبوضٌ لا يُمسَك: أثَرٌ لا عَينَ لَه. ثُمَّ يُعطَفُ عَلَيه النَّبذُ بِالفاء، فيَنقُضُ الفِعلُ الثّاني الأوَّلَ في خُطوَتَين: ضُمَّ إلى الحَوزِ ثُمَّ طُرِحَ من الحَوز. وهذا وَحدَهُ في المَنشورِ قَبضٌ يُتبَعُ بِتَخَلٍّ عَن المَقبوض، وصاحِبُه هو القائِلُ ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾، فالبَصَرُ المُنفَرِدُ سابِقٌ لِلقَبضِ المُنفَرِد. انظُر الأَثَر.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
sadaqa: ٢:٢٤٥ تَضَعُ القَبضَ والبَسطَ بَينَ ذِكرِ القَرضِ
الحَسَنِ وذِكرِ الرُّجوع، فالإنفاقُ يُقرَأُ في مَدارٍ يَضُمُّ ويَبسُط.
rihan: ٢:٢٨٣ لا يَقومُ رَهنُها إلّا بِوَصفِ القَبض،
فالمَفهومانِ يَشتَرِكانِ في آيةٍ واحِدةٍ على لَفظٍ واحِد.
amana: الآيةُ نَفسُها تَنتَقِلُ من الرَّهنِ المَقبوضِ إلى
أداءِ الأمانةِ عِندَ الأمن، فيُقابَلُ التَّوثيقُ بِاليَدِ بِالتَّوثيقِ بِالتَّقوى.
athar: ٢٠:٩٦ تَجعَلُ المَقبوضَ أثَراً، وهو أدَقُّ ما
يُقبَض، فيُختَبَرُ الجَذرُ في أضعَفِ مَادّةٍ يُمكِنُ ضَمُّها.
dayn: سِياقُ ٢:٢٨٣ كُلُّه في الدَّينِ وتَوثيقِه، والقَبضُ
بَديلُ الكِتابةِ فيه عِندَ العُذر.
الإشكالات المَفتوحة
- لِمَ لَم يُقابَلِ القَبضُ في المَنشورِ إلّا بِالبَسط؟ ٢:٢٤٥
وَحدَها تَقرِنُهُما، ولَيسَ في المَنشورِ ثالِثٌ يُقاسُ عَلَيه. مَوقِفُنا من الحُروف: الضِّدُّ يُنتَخَبُ من جِهةِ الحَركةِ لا من جِهةِ الحُكم، والقَبضُ حَركةٌ من انبِساطٍ إلى حَوز، فضِدُّهُ حَركةٌ من حَوزٍ إلى انبِساط. والحُكمُ مَوقوفٌ على ما يُنشَرُ بَعدُ.
- هَل قَبضةُ ٢٠:٩٦ مِقدارٌ أم آلة؟ وَزنُ المَرّةِ يُرَجِّحُ
المِقدار، والمَقبوضُ أثَرٌ يُرَجِّحُ أنَّهُ لَيسَ مِمّا يُكال. مَوقِفُنا: هي مِقدارٌ يُعَرَّفُ بِأداتِه لا بِكَيلِه، ولِذلك صَحَّ وُقوعُها على ما لا يُوزَن.