البقرة · الآية 245

﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

الجذر (ق ر ض): قَطعُ الشَّيءِ وإعادَتُه

أُبَيِّنُ أنَّ جَذرَ (ق ر ض) يَدُلُّ عَلى القَطعِ، ومِنه «المِقراض» (الأداةُ القاطِعة). القَرضُ في اللُّغةِ قَطعُ جُزءٍ مِنَ المالِ يُسَلَّمُ لِغَيرِكَ عَلى وَعدِ الرَّدِّ. والآيةُ تَختارُ هذا اللَّفظَ دونَ «إنفاق» أو «صَدَقة» أو «إيتاء» لِتَجعَلَ المُعامَلةَ في إطارِ عَقدٍ، لا في إطارِ عَطاءٍ مُتَبَرَّعٍ بِه. المُقرِضُ يَعطي ويَتَوَقَّعُ رَدًّا، وهذا هو مَقصودُ الخِطاب.

الجذر (ح س ن): القَرضُ الحَسَنُ لا مُجَرَّدُ العَطاء

أُلاحِظُ أنَّ «حَسَنًا» صِفةٌ لِلقَرضِ لا لِلمُقرِض. الحُسنُ في جَذرِ (ح س ن) يَشمَلُ التَّمامَ والجَودةَ والجَمالَ مَعًا. القَرضُ الحَسَنُ هُنا هو الذي يُعطى مِن طَيِّبِ المالِ، عَن طيبِ نَفسٍ، لِوَجهِ اللهِ، دونَ مَنٍّ ولا أذى ولا انتِظارٍ لِرَدٍّ مِنَ المَخلوقين. الحُسنُ شَرطٌ في المادَّةِ والنِّيَّةِ والسُّلوكِ بَعدَ العَطاء.

الجذر (ض ع ف): «أضعافًا كَثيرةً» تَركيبٌ مُضَخَّمٌ قَصدًا

أؤَكِّدُ أنَّ «أضعاف» جَمعُ ضِعفٍ (أي المِثل)، فَ «أضعاف» تَعني مَرّاتٍ عَديدةً، و«كَثيرة» تُضاعِفُ الكَثرةَ لِلمَرَّةِ الثانية. التَّركيبُ «أضعافًا كَثيرةً» تَركيبٌ مُضَخَّمٌ مَقصودٌ، لا يُريدُ تَحديدَ الجَزاءِ بِرَقمٍ. العَقدُ الإلهيُّ في هذا القَرضِ مَفتوحُ السَّقفِ، عَلى عَكسِ عُقودِ القَرضِ البَشَريَّةِ التي لا تَتَجاوَزُ رَدَّ الأصلِ مَعَ زِيادةٍ طَفيفةٍ مَشروعةٍ أحيانًا.

الجذر (ق ب ض) و(ب س ط): تَعديلُ التَّوَقُّعِ قَبلَ فَوات القَصد

أُشيرُ إلى أنَّ الآيةَ لا تَكتَفي بِالوَعدِ، بَل تُرفِقُه بِتَنبيهٍ: «واللهُ يَقبِضُ ويَبسُط». (ق ب ض) ضَمُّ الشَّيءِ إلى النَّفسِ، و(ب س ط) مَدُّه ونَشرُه. اللهُ هو مَن يُضَيِّقُ الرِّزقَ ويُوَسِّعُه، فَلا يَستَحِقَّنَّ مُقرِضٌ أن يَنتَظِرَ ضَمانةً بَشَريَّةً، ولا أن يَمُنَّ عَلى الله بِأنَّه أقرَضَه. التَّنبيهُ يَصونُ القَرضَ الحَسَنَ مِن أن يَتَحَوَّلَ إلى مُطالَبَةٍ.

الجذر (ر ج ع): «إليهِ تُرجَعون» خَتمُ العَقدِ بِالمُنتَهى

أُبَيِّنُ أنَّ (ر ج ع) يَدُلُّ عَلى عَودةِ الشَّيءِ إلى نُقطةِ انطِلاقِه. «وإليه تُرجَعون» خَتمٌ يُعيدُ كُلَّ العَقدِ إلى إطارِه الأصليِّ: اللهُ هو المالِكُ، والعَبدُ في الأصلِ راجِعٌ إليه لا مُغادِرٌ له. القَرضُ صورةٌ إنسانيَّةٌ لِلتَّعامُلِ مَعَ مالِ اللهِ، لَكِنَّ الحَقيقةَ أنَّه ليسَ قَرضًا بِالمَعنى الدَّقيقِ؛ هو تَصَرُّفٌ مَأذونٌ فيه مِن مالِه إليه.

مَوقِعُ الآيةِ بَينَ القِتالِ وقِصَّةِ طالوت

أؤَكِّدُ أنَّ الآيةَ تَفتَحُ سَبيلًا ثانِيًا مَعَ سَبيلِ القِتالِ. القِتالُ يُبذَلُ فيه البَدَنُ، والقَرضُ الحَسَنُ يُبذَلُ فيه المال. كِلاهُما «قَرضٌ» بِمَعنى القَطعِ مِن المَملوكِ لِيُعادَ بِجَزاءٍ مُضاعَف. الآيةُ القادِمةُ (246) تُفَصِّلُ هذا الثُّنائيَّ في قِصَّةِ طالوتَ، إذ يَرفُضُ الأكثَريَّةُ القِتالَ ثُمَّ يَفشَلونَ في ضَبطِ النَّفسِ حَتّى عَندَ النَّهرِ، فَتَتَّضِحُ قيمةُ الاستِجابةِ بِالبَدَنِ والمالِ مَعًا.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، فَدَورُ «القَرضِ الحَسَنِ» يَسبِقُ مُصطَلَحَ «الصَّدَقة»، والمُضاعَفةُ وَعدٌ إلهيٌّ لا تُصادِرُ سُلطانَ القَبضِ والبَسطِ مِن مالِكِه الحَقيقيِّ.


حَصيلة

الآيةُ تَفتَتِحُ بِصيغةِ التَّعَجُّبِ الدّاعيةِ: مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. اختِيارُ «قَرض» دونَ «صَدَقة» أو «إنفاق» هو اختِيارٌ بَنيَويٌّ حاسِم: جَذرُ (ق-ر-ض) يَدُلُّ عَلى القَطعِ. المِقراضُ هو أداةُ القَطعِ. فَالقَرضُ قَطعُ جُزءٍ مِنَ المالِ يُسَلَّمُ لِلغَيرِ بِعَقد. العَبدُ يُصبِحُ مُقرِضَ اللهِ، وهذا رَفعٌ لِمَقامِه يَتَجاوَزُ مَقامَ المُتَصَدِّق. «حَسَنًا» مِن (ح-س-ن) يَشمَلُ طيبَ المادَّةِ وطيبَ النِّيَّةِ ونَظافةَ السُّلوكِ بَعدَ العَطاءِ دونَ مَنٍّ ولا أذى. والجَزاءُ «أضعافًا كَثيرة». (ض-ع-ف) جَمعُ مِثلٍ مُضافٍ إلى أصلِه. تَركيبٌ مُضَخَّمٌ لا يُحَدِّدُ رَقماً؛ العَقدُ الإلهيُّ مَفتوحُ السَّقف. لَكِنَّ الآيةَ تُرفِقُ الوَعدَ بِتَنبيه: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾. جَذرُ (ق-ب-ض) الإمساكُ والتَّضييقُ، و(ب-س-ط) النَّشرُ والتَّوسيعُ. فَلا يَتَحَوَّلُ المُقرِضُ إلى دائِنٍ يَطلُبُ ضَمانةً بَشَريَّة. وتَختِمُ «وإليه تُرجَعون» مِن (ر-ج-ع): العَودةُ إلى نُقطةِ المَبدأ تُعيدُ كُلَّ العَقدِ إلى إطارِه الأصليِّ، فَاللهُ المالِكُ الأوَّلُ والأخير. الآيةُ تَقَعُ بَينَ آيةِ القِتالِ (244) وقِصَّةِ طالوتَ (246)، وتَفتَحُ سَبيلًا ثانِياً: القِتالُ يَبذُلُ فيه البَدَنَ، والقَرضُ الحَسَنُ يَبذُلُ فيه المال، وكِلاهُما «قَطعٌ» مِنَ المَملوكِ لِيُعادَ مُضاعَفاً.