طه · الآية 96

﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي

«قَالَ»: الآيةُ كُلُّها في فَمِ رَجُلٍ واحِد

سُئِلَ فأجاب، وما بَعدَ «قالَ» إلى آخِرِ السَّطرِ كَلامُه هو. لا يَشرَحُ النَّصُّ ما جَرى، بَل يَنقُلُ ما قالَه صاحِبُه عمّا جَرى.

فكُلُّ ما في الآيةِ دَعوى مُتَكَلِّم: البَصَرُ دَعواه، والقَبضُ خَبَرُه عن نَفسِه، والنَّبذُ خَبَرُه عن نَفسِه. ولم تُذَيَّلِ الآيةُ بِتَصديقٍ ولا بِتَكذيب.

وهذا أوَّلُ ما يُقرَأُ فيها، وهو الذي يَحكُمُ قِراءةَ ما بَعدَه. مَن نَسِيَ أنَّ الكَلامَ كَلامُ قائِلٍ حَوَّلَ الدَّعوى إلى خَبَرٍ عن الواقِع.

«بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ»: مُفرَدٌ يُقابِلُ جَماعةً في فِعلٍ واحِد

الفِعلُ واحِدٌ في الشَّطرَينِ والباءُ واحِدةٌ فيهِما. أُثبِتَ لِمُتَكَلِّمٍ مُفرَدٍ ونُفِيَ عن جَماعة، والفارِقُ ضَميرانِ لا أكثَر.

والبَصَرُ في ب-ص-ر إمساكٌ مُتَّصِلٌ بِالمَرئيِّ يُعادُ فيَثبُت. وقد عُدِّيَ بِالباء، والباءُ لِلإلصاق، فالمَرئيُّ مَقبوضٌ عَلَيه لا مَمرورٌ بِه.

وبِناءُ «فَعُلَ» في العَرَبِيّةِ يَغلِبُ في الأوصافِ الثّابِتة. فالمُدَّعى لَيسَ لَمحةً عارِضةً بَل وَصفٌ يَنسِبُه إلى نَفسِه.

ثُمَّ «ما» مَوصولةٌ مُبهَمة. لم يَقُلْ ما الذي أبصَرَه. ادَّعى فَرقاً بَينَه وبَينَ غَيرِه ولم يُسَمِّ مَوضِعَ الفَرق، فالدَّعوى مَبنِيّةٌ على شَيءٍ لا يُعرَفُ إلّا مِنه.

«فَقَبَضْتُ قَبْضَةً»: فِعلٌ ومَصدَرُ مَرَّةٍ يُحَدِّدُ المِقدار

القَبضُ في ق-ب-ض احتِباسٌ يَشتَدُّ فيَتَّصِلُ بِالمَقبوضِ ثُمَّ يَضُمُّه ضَمّاً ثَقيلاً. فهو إمساكٌ يُضَيِّقُ على ما أمسَكَ.

و«قَبضَة» مَصدَرُ مَرّة: فِعلٌ واحِدٌ لا يَتَكَرَّر. وجاءَت نَكِرةً غَيرَ مُعَيَّنة، ومِقدارُها ما تُطبِقُ عَلَيه يَدٌ واحِدةٌ لا أكثَر.

فالمُدَّعى بَصَرٌ لم يَكُنْ لِغَيرِه، والمَأخوذُ بِه مِلءُ كَفٍّ مَرّةً واحِدة. الدَّعوى واسِعةٌ والمِقدارُ ضَيِّق.

«مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ»: تَعريفٌ يُشيرُ ولا يُعَيِّن

«مِن» تَبعيضِيّة: بَعضٌ من أثَرٍ لا الأثَرُ كُلُّه. والأثَرُ في أ-ث-ر ما يَنبَثُّ عن الفِعلِ فيَبقى يَجري بَعدَه.

واللَّفظُ نَفسُه وَرَدَ في هذا المَشهَدِ قَبلَ اثنَتَي عَشرةَ آيةً في مَعنىً آخَر: هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي﴾، حَيثُ هو طَريقٌ يُتبَع. وهو هُنا شَيءٌ يُقبَضُ مِنه. الكَلِمةُ واحِدةٌ والمَوقِعانِ مُختَلِفان، ويُذكَرُ التَّجاوُرُ ولا يُبنى عَلَيه.

ثُمَّ الرَّسُولِ﴾ مُعَرَّفاً بِـ«ال». والرِّسالةُ في ر-س-ل انطِلاقٌ من مَصدَرٍ لا يَقِفُ حتّى يَتَّصِلَ بِمَن أُرسِلَ إلَيه، و«رَسول» على وَزنِ فَعولٍ صيغةٌ تُسَمّي الوَظيفةَ لا شاغِلَها.

ولم يُذكَرْ لَه اسمٌ ولا وَصفٌ ولا بَدَلٌ ولا صِلة. والتَّعريفُ بِـ«ال» يُشيرُ إلى مَعهودٍ عِندَ المُخاطَبِ ولا يُعَيِّنُه في النَّصّ. فيَبقى بِلا تَعيين، وما لم تُسَمِّهِ الآيةُ لا يُسَمّى.

«فَنَبَذْتُهَا»: الفِعلُ الثّاني يَحُلُّ ما عَقَدَه الأوَّل

النَّبذُ في ن-ب-ذ إخراجٌ من الباطِنِ يَنفُذُ حادّاً فيُطرَحُ بَعيداً. فهو ضِدُّ الإمساكِ في الجِهةِ وفي الشِّدّةِ مَعاً.

فالخَبَرُ عن يَدٍ أطبَقَت ثُمَّ عن يَدٍ فَتَحَت. قَبَضَ ثُمَّ نَبَذ، ولم يَبقَ في يَدِه شَيء.

والفاءُ بَينَ الفِعلَينِ لِلتَّعقيبِ بِلا مُهلة. ثَلاثةُ أفعالٍ مُتَتابِعةٍ بِثَلاثِ فاءات: بَصَرٌ فقَبضٌ فنَبذ، وكُلُّها مُسنَدةٌ إلى تاءِ المُتَكَلِّم.

«وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي»: خِتامٌ يَرُدُّ الأمرَ إلى صاحِبِه

هذه الجُملةُ هي قِراءةُ الآية. فبَعدَ ثَلاثةِ أفعالٍ يَحكيها عن نَفسِه، يَختِمُ بِفِعلٍ رابِعٍ فاعِلُه نَفسُه لا يَدُه.

«وكَذلِك» كافُ تَشبيهٍ داخِلةٌ على اسمِ إشارةٍ لِلبَعيد، وهي تَجمَعُ كُلَّ ما تَقَدَّمَ في كَلِمةٍ واحِدةٍ ثُمَّ تُسَلِّمُه إلى ما بَعدَها. ولم يُذكَرْ لِلفِعلِ مَفعولٌ صَريح، فالإشارةُ تَقومُ مَقامَه.

والتَّسويلُ في س-و-ل استِرخاءٌ يَمتَدُّ ويَتَدَلّى حتّى يَتَعَلَّقَ بِمُتَناوَلِ اليَد، ومنه «سَوَّلَ لَه» أرخى لَه الأمرَ حتّى بَدا سَهلاً قَريبَ المَأخَذ. ووَزنُ فَعَّلَ يَجعَلُ الإرخاءَ صَنعةَ فاعِلِه.

والفاعِلُ «نَفْسِي»، والنَّفسُ في ن-ف-س انبِعاثٌ نافِذٌ يَشُقُّ ويَمتَدُّ سائِلاً، وهي هُنا مُضافةٌ إلى ياءِ المُتَكَلِّم. ومَعَها «لِي» بِلامِ الاختِصاص. فالفاعِلُ نَفسُه والمُنتَفِعُ نَفسُه: الجُملةُ تَدورُ عَلَيه مَرَّتَين.

ولم يَقُلْ إنَّ القَبضةَ صَنَعَت. قالَ إنَّ نَفسَه أرخَت لَه. فالفاعِلُ الذي يُسَمّيهِ صاحِبُ الفِعلِ في آخِرِ جَوابِه لَيسَ ما قَبَضَ، بَل ما بِه قَبَض.


حَصيلة

الآيةُ من أوَّلِها إلى آخِرِها كَلامُ رَجُلٍ سُئِلَ فأجاب، ولم تُذَيَّلْ بِتَصديقٍ ولا بِتَكذيب، فما فيها دَعوى قائِلٍ لا خَبَرٌ عن واقِع. وأوَّلُ الدَّعوى بَصَرٌ أُثبِتَ لِمُفرَدٍ ونُفِيَ عن جَماعةٍ بِالفِعلِ نَفسِه والباءِ نَفسِها، والبَصَرُ في ب-ص-ر إمساكٌ مُتَّصِلٌ بِالمَرئيِّ يُعادُ فيَثبُت، وبِناءُ «فَعُلَ» يَغلِبُ في الأوصافِ الثّابِتة، و«ما» مُبهَمةٌ فلم يُسَمَّ مَوضِعُ الفَرقِ الذي ادَّعاه. ثُمَّ قَبضٌ من ق-ب-ض احتِباسٌ يَشتَدُّ ويَضُمُّ ضَمّاً ثَقيلاً، و«قَبضَة» مَصدَرُ مَرّةٍ نَكِرةٌ مِقدارُها مِلءُ كَفٍّ واحِدة، فالدَّعوى واسِعةٌ والمِقدارُ ضَيِّق. و«مِن» تَبعيضِيّة، والأثَرُ في أ-ث-ر ما يَنبَثُّ عن الفِعلِ فيَبقى يَجري بَعدَه، وهو اللَّفظُ الذي وَرَدَ في هذا المَشهَدِ طَريقاً يُتبَعُ فوَرَدَ هُنا شَيئاً يُقبَضُ مِنه. و«الرَّسول» مُعَرَّفٌ بِـ«ال»، وصيغةُ فَعولٍ تُسَمّي الوَظيفةَ لا شاغِلَها، ولم يُذكَرْ لَه اسمٌ ولا وَصفٌ ولا بَدَل، فالتَّعريفُ يُشيرُ ولا يُعَيِّن، ويَبقى بِلا تَعيين. ثُمَّ نَبذٌ من ن-ب-ذ طَرحٌ حادٌّ يُبعِد، فحُلَّ بِالفِعلِ الثّاني ما عَقَدَه الأوَّل. ويَختِمُ بِفِعلٍ رابِعٍ لَيسَ لِيَدِه: «وكَذلِك» تَجمَعُ ما تَقَدَّمَ كُلَّه وتَقومُ مَقامَ المَفعولِ المَحذوف، والتَّسويلُ في س-و-ل إرخاءٌ يَتَدَلّى حتّى يَقرُبَ المَأخَذُ، ووَزنُ فَعَّلَ يَجعَلُه صَنعةَ فاعِلِه، والفاعِلُ نَفسُه واللّامُ لَه. سُئِلَ عن فِعلِه فحَكى بَصَراً وقَبضاً ونَبذاً، ثُمَّ سَمّى الفاعِلَ فلم يُسَمِّ ما قَبَض.