الأَمانة

amana جذر · أ-م-ن 3 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
تَأكيدٌ مُلتَصِقٌ يَجتَمِعُ في شَيءٍ مُؤتَمَن، الأَمانةُ من جَذرِ أ-م-ن (نَفسُ جَذرِ الإيمانِ والأَمن). الشَّعبةُ الثَّالِثة: ما يُودَعُ ويُستَرَدّ، المَوضوعُ في ذِمَّةِ أَحَدٍ لِيَردَّ. وهي الشَّعبةُ الجامِعةُ: الإيمانُ نَفسُه أَمانةٌ في ذِمَّةِ المُؤمِن.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

  • أ :: انطِباقٌ تامٌّ يَقطَعُ مَجرى النَّفَسِ من أصلِه ثُمَّ

يَنفَتِحُ عَنه دَفعةً واحِدة، وصِفَتُه التَّوكيدُ والتَّقوِية. فالمَبدَأُ قَطعٌ مُؤَكَّدٌ يُبتَدَأُ بِه.

  • م :: انطِباقٌ ضامٌّ لِلشَّفَتَينِ يُمسِكُ النَّفَسَ في جَوفٍ

مُغلَق، ووَجهُه الثّاني الامتِساكُ والاحتِواءُ الباطِن. فالوَسَطُ أنَّ المُؤَكَّدَ يُودَعُ في جَوف.

  • ن :: احتِباسٌ في الجَوفِ يَمتَلِئُ رَنيناً لَطيفاً، ويَنفُذُ في

الآنِ نَفسِه مُنبَعِثاً من مَنفَذٍ ضَيِّق. فالمُنتَهى خُروجُ ما احتُبِسَ من حَيثُ احتُبِس.

فالتَّركيبُ: تَوكيدٌ يَقطَع، فإيداعٌ في جَوف، فانبِعاثٌ مِنه. وهذه ثَلاثُ خَصائِصَ لِلأمانةِ لا تُوجَدُ في مُجَرَّدِ الوَديعة: أنَّ وَضعَها فِعلٌ مَقطوعٌ بِه لا مُساوَمة، وأنَّها تَصيرُ إلى داخِلِ الحامِلِ لا إلى يَدِه، وأنَّ خُروجَها من ذلك الدّاخِلِ نَفسِه.

وما تَدفَعُه هذه القِراءة: أنَّ الجَذرَ يُعطي «أَمِنَ» بِمَعنى اطمَأَنَّ ويُعطيه بِمَعنى وَثِقَ بِغَيرِه، وهُما في الظّاهِرِ مَعنَيانِ لا يَلتَقِيان. و٢:٢٨٣ تَستَعمِلُ الثّانيَ صَريحاً: «فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا». وعلى هذا الأصلِ هُما مَعنىً واحِدٌ من طَرَفَيه: مَن أَمِنَ فقَد ضَمَّ إلى جَوفِه، فإن كانَ المَضمومُ نَفسَه فهو الاطمِئنان، وإن كانَ غَيرَه فهو الائتِمان. ولِذلك جاءَ الحامِلُ في الآيةِ نَفسِها بِصيغةِ ما وَقَعَ عَلَيه الفِعل، «اؤْتُمِنَ»، ونُسِبَتِ الأمانةُ إلَيه هو، «أَمَانَتَهُ»، وهي مالُ غَيرِه: لِأنَّ مَوضِعَها في هذا الجَذرِ جَوفُ حامِلِها. ومن هُنا يَستَقيمُ ما تُقَرِّرُه ٣:٧٥ من أنَّ الأداءَ لا يَتبَعُ قَدرَ المُؤتَمَنِ عَلَيه، قِنطاراً كانَ أو ديناراً، بَل حالَ الحامِل: لَيسَ في حُروفِ الجَذرِ ما يُعَلِّقُ شَيئاً بِحَجمِ المَحمول.

الصِّيَغ

  • أَمانة (فَعالة من أَمِنَ): المودَعُ بِثِقة، ما يُستأمَنُ عَلَيه.
  • اؤتُمِنَ (افتُعِلَ للمَبنيِّ للمَجهول): من وَضَعَ آخَرُ فيه الثِّقة.
  • مُؤتَمَن (اسمُ مَفعول): من تَقَرَّرَت الثِّقةُ فيه.

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الاستِقرارُ بِثِقَة. «فَعالة» تُفيدُ الشَّيءَ المَوضوعَ بِالصِّفةِ (كالشَّجاعةِ ظَرفٌ لِما يُجمَعُ فيه الشَّجاع).

المِفتاحُ البِنيَويُّ، الأَمانةُ كَالمادَّةِ المَوضوعَةِ في ذِمَّةِ الإنسانِ لِتَرجِعَ بِأَمانَةٍ كَامِلَة: الأَمانةُ لَيسَت قانوناً بَل المادَّةُ التي تَنزِلُ في عُهدَةِ العَبدِ ضِمنَ قانونِ الرُّجوعِ المُتَبادَل. كُلُّ ما يَنزِلُ إلى الإنسانِ في القُرآنِ هو أَمانَةٌ بِنَوعٍ ما، تُرَدُّ يَومَ الحِساب:

  • الرِّزقُ أَمانَةٌ ﴿أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾ (٢:٢٥٤).
  • الكِتابُ أَمانَةٌ ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ (٢:٨٥).
  • النِّعمَةُ أَمانَةٌ «لَئِن شَكَرتُم لَأَزيدَنَّكُم».
  • الإيمانُ نَفسُه أَمانَةٌ في القَلب.
  • العَهدُ الأَوَّلُ أَمانَةٌ «أَلَستُ بِرَبِّكُم».
  • العُضوُ والوَلَدُ والمالُ والوَقتُ كُلُّها أَمانات.

الأَمانةُ إذَن الصيغَةُ القانونيَّةُ لِكُلِّ ما يَنزِلُ في حَيِّزِ الإنسان: عَطاءٌ مَشروطٌ بِالرَّدِّ، رَدِّ ذاتِه أَو رَدِّ ثَمَرَتِه. لِأَنَّ المُلكَ لله، وما يَنزِلُ في يَدِ العَبدِ يَبقى مَنسوباً إلى مالِكِه؛ يَكونُ العَبدُ مُؤتَمَناً عَلَيه لا مالِكاً.

والجَذرُ يَكشِفُ هذا: تَأكيدٌ حادّ (أ)، تَجَمُّعٌ (م)، رَنينٌ يَنبَعِث (ن). الأَمانةُ هي التَّأكيدُ المُتَجَمِّعُ المُنبَعِث: ما تَأَكَّدَ وَضعُه في ذِمَّةٍ، تَجَمَّعَ كَحَملٍ على صاحِبِه، ثُمَّ يَنبَعِثُ في فِعلِ الرَّدّ.

ولِذلكَ تَتَلازَمُ الأَمانةُ بِالتَّقوى في ٢:٢٨٣ ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾: التَّقوى هي البِنيَةُ الباطِنَةُ التي تَحفَظُ الأَمانَةَ من الخِيانَة. ولَا يَقومُ قانونُ التَّقوى بِلا أَمانَةٍ تُحفَظ، ولا يَقومُ قانونُ الجَزاءِ بِلا أَمانَةٍ تُؤَدَّى. الأَمانةُ نَسيجُ كُلِّ قانونٍ تَبادُليّ.

الفُروق المَعنويّة: شَعبُ الجَذرِ أ-م-ن

  • iman (الإيمان): أ-م-ن: التَّصديقُ المُستَقِرُّ في القَلب. انظُر الإيمان.
  • amn (الأَمن): أ-م-ن: الطُّمَأنينةُ المُستَقِرَّةُ في المَحيط. انظُر الأَمن.
  • الأَمانة (هُنا): أ-م-ن: الوَديعةُ المُستَقِرَّةُ في الذِّمَّةِ لِتُردَّ.

الثَّلاثةُ شِحنةٌ واحِدة في مَيادينَ ثَلاثة: القَلب، المَحيط، الذِّمَّة.

المَواضع: مَواقعُ الكَلِمةِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٢:٢٨٣ ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. «فَإن أَمِنَ بَعضُكُم بَعضاً»، الثِّقةُ المُتَبادَلةُ (أَمِنَ: وَثِقَ). «فَليُؤَدِّ الذي اؤتُمِنَ أَمانَتَه»، من وُثِقَ به يُؤَدِّي الوَديعة. «وَليَتَّقِ اللهَ رَبَّه»، الأَمانةُ مُرتَبِطةٌ بِالتَّقوى: أَداءُ الأَمانةِ عِبادة. الرَّهنُ بَديلٌ حَيثُ لا كاتِب، والأَمانةُ بَديلٌ حَيثُ لا رَهن، الثِّقةُ الشَّخصيَّةُ أَعلى مَراحِلِ التَّوثيق.
  • ٢:٢٨٥ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾: الإيمانُ لا الأَمانةُ مُباشَرةً، لَكِنَّ «آمَنَ الرَّسولُ وَالمُؤمِنون» يُوجِدُ اقتِراناً: الإيمانُ الذي يَقومُ بِه الرَّسولُ والمُؤمِنون هو أَكبَرُ الأَمانات. «سَمِعنا وأَطَعنا غُفرانَكَ رَبَّنا»، الاستِجابةُ الكاملةُ أَداءٌ للأَمانة.
  • ٣:٧٥ ﴿مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾: الجَديدُ: يُختَبَرُ الائتِمانُ بِمِقدارَينِ مُتَباعِدَين، فيَظهَرُ أنَّ الأداءَ لا يَتبَعُ حَجمَ المُؤتَمَنِ عليه بَل حالَ المُؤتَمَن. فالأمانةُ صِفةٌ في الحامِلِ لا في المَحمول.

التَّقاطُعات

  • iman + amn: الشَّعبَتانِ الجَذريَّتانِ.
  • dayn: الدَّيْنُ والأَمانةُ تَتَلاقَيانِ في آيةِ الدَّين.
  • rihan: الرَّهنُ والأَمانةُ بَديلانِ في سِياقِ السَّفر.
  • khiyana: ضِدُّ الأَمانة.

الإشكالات المَفتوحة

  • هَل الأَمانةُ الكُبرى في القُرآنِ (الأَحزاب:٧٢) من هذا الجَذر؟ المَوقِف: نَعَم: نَفسُ الجَذرِ نَفسُ الشَّعبة. سَيُدرَجُ في القِسم ٤ حينَ يُكتَبُ المَفهوم لِسُورةِ الأَحزاب.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن