الدَّين
الدَّينُ من د-ي-ن، والجَذرُ شَيءٌ يُحبَسُ ثابِتاً ويَطولُ حَبسُه ثُمَّ يَخرُجُ من باطِنِه. والدَّينُ هذا المَحبوسُ مالاً: يُحبَسُ على المَدينِ إلى أجَلٍ مُسَمّى، ثُمَّ يَخرُجُ من مالِه إلى مَن هو لَه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف، والجَذرُ أجوَف:
- د: احتِباسٌ بِضَغطٍ يَمتَدّ. ويَظهَرُ مِنه هُنا أوَّلُه: يُحبَسُ الشَّيءُ بِضَغطٍ فيَثبُتُ في مَوضِعِه، وهو احتِباسٌ ثابِت. وهذا وَجهُ «الاحتِباسِ والضَّغطِ والثَّبات».
- ي: امتِدادٌ مُتَّصِلٌ يَسري. ويَظهَرُ مِنه هُنا سَرَيانُه بَينَ الحَرفَين: مَدٌّ يَمُدُّ ما قَبلَه فيَطولُ الحَبس، وهو طُول. وهذا وَجهُ «الامتِدادِ والسَّرَيان».
- ن: امتِدادٌ لَطيفٌ من الباطِن. ويَظهَرُ مِنه هُنا آخِرُه: ما كانَ في الباطِنِ يَنبَعِثُ مِنه لَطيفاً إلى الخارِج، وهو خُروجٌ من الباطِن. وهذا وَجهُ «النَّفاذِ والانبِعاثِ من الباطِنِ إلى الخارِج».
د (الاحتباسُ والضغطُ والثبات) + ن (النفاذُ والانبعاثُ من الباطنِ إلى الخارج): النواة دن = احتباسٌ ثابتٌ ينبعثُ لطيفًا من الباطن. وي (الامتدادُ والسريان) بَينَهُما مَدٌّ يُطيلُ هذا الاحتِباسَ قَبلَ أن يَنبَعِثَ ما احتُبِس. فالجذرُ د-ي-ن حرفيّاً شَيءٌ يُحبَسُ ثابِتاً ويَطولُ حَبسُه ثُمَّ يَخرُجُ من باطِنِه.
فالدّالُ تَحبِسُ الشَّيءَ ثابِتاً، والياءُ تُطيلُ حَبسَه، والنّونُ تُخرِجُه من باطِنِه في آخِرِه. فالجَذرُ د-ي-ن: شَيءٌ يُحبَسُ ثابِتاً ويَطولُ حَبسُه ثُمَّ يَخرُجُ من باطِنِه.
وتَجتَمِعُ الثَّلاثةُ في آيةِ الدَّين: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢:٢٨٢): ما يُحبَسُ على المَدينِ ثابِتاً، و«إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى» مَدى طولِه، ثُمَّ يَخرُجُ مِنه عِندَ أجَلِه. ويَطولُ الحَبسُ في الدِّين: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ (١٦:٥٢). ويَخرُجُ المَحبوسُ في آخِرِه كامِلاً: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ (٢٤:٢٥)، كَما يُوَفّى الدَّينُ عِندَ أجَلِه.
اختِبارُ المَعنى على مَواضِعِ الجَذرِ كُلِّها. يَرِدُ الجَذرُ في القُرآنِ في مِئةٍ ومَوضِعٍ واحِد (١٠١)، على خَمسِ صِيَغ: «دِين» (٩٢)، و«دَيْن» (٥)، و«تَدايَنتُم» (١)، و«يَدينون» (١)، و«مَدينون، مَدينين» (٢). وتَأتي «دِين» مُعَرَّفةً ونَكِرةً، ومُضافةً إلى الضَّمائِرِ وإلى اسمِ اللهِ وإلى المَلِكِ والحَقّ، ومِنها «يَوْمِ الدِّينِ» في ثَلاثةَ عَشَرَ مَوضِعاً. وهذه الصِّيَغُ كُلُّها، لِكُلِّ صيغةٍ عَدَدُ مَواضِعِها وشاهِد:
- دِين، في «يَومِ الدِّين» (١٣ من الـ٩٢): ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١:٤): يَومٌ يُسَمّى بِما يَخرُجُ فيه، فما حُبِسَ على النّاسِ من أعمالِهِم وطالَ حَبسُه يَخرُجُ فيه إلَيهِم. ومِنه ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١٥:٣٥): اللَّعنةُ تَطولُ على المُخاطَبِ إلى اليَومِ الذي يَخرُجُ فيه المَحبوس.
- دِين، ما يَخرُجُ في آخِرِه: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ (٥١:٦): ما حُبِسَ يَخرُجُ فيَقَع. ومِنه التَّكذيبُ بِه: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ (٨٢:٩).
- دِين، ما يُحبَسُ عَلَيه المَرءُ فيَثبُتُ فيه: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (١٠٩:٦): لِكُلِّ فَريقٍ ما يَثبُتُ عَلَيه ويَطولُ فيه، ويُضافُ إلى صاحِبِه. ومِنه ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٩٨:٥)، و﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ (٣٠:٣٠).
- دِين، مُضافاً إلى مَن يَحبِسُ عَلَيه: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ (١٢:٧٦): دِينُ المَلِكِ ما يَحبِسُ عَلَيه المَلِكُ مَن في أرضِه، فيُؤخَذُ بِه مَن أُخِذ، ولم يَكُن فيه ما يَأخُذُ بِه يوسُفُ أخاه. ومِثلُه ﴿وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (٢٤:٢)، و﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ (١١٠:٢).
- دَيْن (٥): ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٤:١١): ما يُحبَسُ على المَيِّتِ من مالٍ يَبقى ثابِتاً بَعدَه، ثُمَّ يَخرُجُ من مالِه المَتروكِ قَبلَ القِسمة. والأربَعةُ الأُخرى ٢:٢٨٢ وثَلاثةُ مَواضِعَ في ٤:١٢.
- تَدايَنتُم (١): ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ (٢:٢٨٢): تَفاعَلَ يَجعَلُ الحَبسَ بَينَ طَرَفَين، يُحبَسُ لِأحَدِهِما على الآخَر، و«إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى» مَدى طولِه.
- يَدينون (١): ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ (٩:٢٩): الفِعلُ أن يَحبِسَ المَرءُ نَفسَه على دِينٍ فيَثبُتَ عَلَيه، والآيةُ تَنفيه عن قَومٍ في دِينِ الحَقّ.
- مَدينون، مَدينين (٢): ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ (٣٧:٥٣): المَدينُ مَن حُبِسَ عَلَيه ما يَخرُجُ مِنه في آخِرِه، والقائِلونَ يَستَبعِدونَ أن يَبقى ذلك مَحبوساً عَلَيهِم بَعدَ أن صاروا تُراباً وعِظاماً. و﴿فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ (٥٦:٨٦) ﴿تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٥٦:٨٧): لَو كانوا غَيرَ مَحبوسينَ تَحتَ يَدٍ تُمسِكُهُم لَرَدّوا النَّفسَ حينَ «بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ» (٥٦:٨٣).
من خارِجِ التَّركيب:
- من المُعجَم: الدَّينُ ما يُعطى إلى أجَل، والدِّينُ الجَزاءُ والحِسابُ والطّاعة، ودانَه: جَزاه، ودانَ لَه: أطاعَه وانقادَ لَه. ويَرُدُّ ابنُ فارِسٍ الجَذرَ إلى أصلٍ واحِدٍ هو جِنسٌ من الانقِيادِ والذُّلّ.
- عِندَ جَبَل في النَّواةِ دن: «اندساس الشيء في أثناء أو ثباته فيه». وقِراءَتُه لِلحَرفَين: الدّالُ «احتباس بضغط وامتداد طولي»، والنّونُ «امتداد لطيف في الباطن أو منه». وقِراءَتُه لِلنَّواةِ على شَطرِ الحَبسِ والثَّبات، والصَّفحةُ تَتبَعُه فيه. والخُروجُ في آخِرِه من وَجهِ النّونِ الذي تَقرَؤُه النَّواةُ في السِّجِلّ: «احتباسٌ ثابتٌ ينبعثُ لطيفًا من الباطن».
وما يَزيدُه الدَّين: «دَيْن» بِفَتحِ الدّالِ يُسَمّي المَحبوسَ نَفسَه مالاً على المَدين، و«تَدايَنتُم» تُسَمّي الحَبسَ يَعقِدُه طَرَفان. وفي آيَتَي ٢:٢٨٢ و٢:٢٨٣ يَعمَلُ كُلُّ ما يُمسِكُ المَحبوسَ ثابِتاً ما طالَ حَبسُه: الكِتابة، والكاتِبُ بِالعَدل، والشُّهود، ثُمَّ ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ (٢:٢٨٣) حينَ يُفقَدُ الكاتِب.
الصِّيَغ
- دَيْن (اسم، بِفَتحِ الدّال): ما يُحبَسُ على المَدينِ من مالٍ ثابِتاً، ويَطولُ إلى أجَلِه، ثُمَّ يَخرُجُ من مالِه (٢:٢٨٢، ٤:١١، ٤:١٢).
- تَدايَنتُم (تَفاعَلتُم): الحَبسُ نَفسُه يَعقِدُه طَرَفانِ بَينَهُما، أحَدُهُما يُحبَسُ عَلَيه والآخَرُ يُحبَسُ لَه (٢:٢٨٢).
- المَدين (اسمُ مَفعول): مَن حُبِسَ عَلَيه الدَّين. ولَفظُه في القُرآنِ يَأتي في الجَزاءِ (٣٧:٥٣، ٥٦:٨٦)، وهو في الدِّين.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: شَيءٌ يُحبَسُ ثابِتاً ويَطولُ حَبسُه ثُمَّ يَخرُجُ من باطِنِه. الوَزنُ يُحَدِّدُ: المَحبوسَ نَفسَه (دَيْن)، أو الطَّرَفَينِ يَعقِدانِه (تَدايَنتُم)، أو مَن هو عَلَيه (مَدين).
الفُروق المَعنويّة
din(الدِّين): الجَذرُ نَفسُه. الدَّينُ مَحبوسٌ من مالٍ إلى أجَلٍ يُسَمّيه الطَّرَفان، والدِّينُ ما يُحبَسُ عَلَيه المَرءُ ويَخرُجُ جَزاؤُه يَومَ الدِّين. وفي الاثنَينِ يُوَفّى المَحبوسُ كامِلاً في آخِرِه (٢٤:٢٥). انظُر الدِّين.amana(الأمانة): في ٢:٢٨٣ يُسَمّى ما على المَدينِ «أَمَانَتَهُ» حينَ يَأمَنُ بَعضُهُم بَعضاً. الدَّينُ يُسَمّيه من جِهةِ حَبسِه إلى أجَل، والأمانةُ من جِهةِ الثِّقةِ بِمَن هو عِندَه. انظُر الأَمانة.
المَواضع: مَواقعُ الكَلِمةِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٢٨٢ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. يَدخُلُ الجَذرُ هذه الصَّفحةَ بِالثَّلاثةِ مَعاً: «تَدَايَنتُم» حَبسٌ يَعقِدُه طَرَفان، و«بِدَيْنٍ» المَحبوسُ نَفسُه، و«إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى» مَدى طولِه. ثُمَّ يُؤمَرُ بِما يُمسِكُه ثابِتاً ما طالَ: «فَاكْتُبُوهُ»، وكاتِبٌ بِالعَدل، وإملاءُ «الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ»، وشَهيدانِ من الرِّجالِ أو رَجُلٌ وامرَأتان. والكِتابةُ تَشمَلُ الصَّغيرَ والكَبيرَ «إِلَىٰ أَجَلِهِ».
- ٢:٢٨٣ ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾: الجَديدُ: يَغيبُ لَفظُ الدَّينِ وتَبقى أحكامُه. تُفتَحُ حالٌ لم تُذكَرْ في ٢:٢٨٢، «عَلَىٰ سَفَرٍ» مَعَ فَقدِ الكاتِب، فيُمسِكُ الرَّهنُ المَقبوضُ ما كانَت تُمسِكُه الكِتابة. ثُمَّ يُسَمّى ما على المَدينِ «أَمَانَتَهُ»، ويُسَمّى خُروجُه مِنه «فَلْيُؤَدِّ»، حينَ «أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا». انظُر الأَمانة والرِّهان.
- ٤:١١ ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: الجَديدُ: الدَّينُ هُنا دَينُ مَن ماتَ. ما حُبِسَ عَلَيه يَبقى ثابِتاً بَعدَ ذَهابِه، فيَطولُ حَبسُه أبعَدَ من عُمُرِه، ويَخرُجُ من مالِه المَتروكِ قَبلَ أن تُقسَمَ الأنصِبة. ويُذكَرُ مَعَ الوَصيّةِ في آخِرِ الأنصِبة، والآيةُ تُفتَتَحُ بِوَصيّةٍ من اللهِ أسبَقَ مِنهُما: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ». انظُر الوَصِيَّة.
- ٤:١٢ ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾: الجَديدُ: يَعودُ «دَيْنٍ» ثَلاثَ مَرّاتٍ مَعَ كُلِّ مَيِّت: دَينُ الزَّوجةِ قَبلَ نَصيبِ زَوجِها، ودَينُ الزَّوجِ قَبلَ نَصيبِها، ثُمَّ دَينُ مَن يُورَثُ كَلالة. وبَعدَ آخِرِها قَيدٌ «غَيْرَ مُضَارٍّ»: ما يَخرُجُ من مالِ المَيِّتِ دَيناً يَكونُ خالِياً من قَصدِ الإضرارِ بِمَن بَعدَه. والمَرأةُ فيه مَدينةٌ يَخرُجُ دَينُها من مالِها كَما يَخرُجُ دَينُ الرَّجُل. انظُر الضَّرَر.
التَّقاطُعات
din: الجَذرُ نَفسُه، والفَرقُ في §٣.riba: الرِّبا والدَّينُ في سياقٍ واحِدٍ من البَقَرة.katib: الكاتِبُ يُمسِكُ الدَّينَ ثابِتاً بِالكِتابة.amana: الأمانةُ اسمُ ما على المَدينِ حينَ يَأمَنُ بَعضُهُم بَعضاً.rihan: الرَّهنُ يُمسِكُ الدَّينَ حينَ يُفقَدُ الكاتِب.3adl: «بِالْعَدْلِ» قَيدٌ لِلكِتابة.
الإشكالات المَفتوحة
- وَجهُ الياءِ في مَدخَلِ ١٩ مَكتوبٌ «امتداد + لِين + سَريان»، ووَجهُها في السِّجِلِّ «الامتِدادُ والسَّرَيان». و«اللِّين» يَبقى في المَدخَلِ المَنقول، ولا يَدخُلُ جُملةَ الجَذر.
- دَينُ التَّسجيل: آياتٌ مَنشورةٌ فيها الجَذرُ ولا تُسَجِّلُها صَفَحاتُه: ٣:٧٣، ٨٢:١٧، ٨٢:١٨، ٩٨:٥ (وهي مُسَجَّلةٌ في صَفَحاتٍ أُخرى).