القَسَم
فَرزٌ قاطِعٌ دَقيقٌ يَشُدُّ المَفروزَ إلى ما فُرِزَ لَه. وفي المَنشورِ يَظهَرُ الجَذرُ مَرّةً بَعدَ قَسَمٍ مَضى ومَرّةً قَبلَ قَسَمٍ يُستَأنَف.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ق: إطلاقٌ قاطِع. شِحنَتُه: إطلاقٌ قاطِعٌ بَعدَ اشتِداد.
- س: حَصرٌ وضيقٌ ودِقّة. شِحنَتُه: إحكامُ المَجرى الضَّيِّق.
- م: ضَمٌّ ولِقاءٌ وتَلاصُق.
شِحنَتُه: ضَمٌّ يُلاصِقُ ما فُرِز.
النَّواةُ قس (ق + س) = قَطعٌ يَحصُرُ بِدِقّة: فَصلٌ لا يَتَجاوَزُ مَوضِعَهُ ولا يَقصُرُ عَنه. الإغلاقُ بـم يَضُمُّ ما فُرِزَ إلى ما فُرِزَ لَهُ فيُلاصِقُهُ بِه، فيَصيرُ الجَذرُ: فَرزٌ دَقيقٌ يَقطَعُ ثُمَّ يَشُدُّ كُلَّ جُزءٍ إلى حَقِّه.
ومنه في كَلامِ العَرَب: قَسَمَ المالَ فَرَزَهُ أنصِباءَ وأَلحَقَ كُلَّ نَصيبٍ بِصاحِبِه، والقَسيمُ الشَّريكُ في المَقسوم، وأقسَمَ حَلَفَ فقَطَعَ ما سِوى ما حَلَفَ عَلَيه.
الشِّحنةُ الجامِعة: قَطعٌ دَقيقٌ يُلحِقُ المَقطوعَ بِما شُدَّ إلَيه.
وثَمَنُ هذه القِراءةِ أنَّها تَجمَعُ الوَجهَينِ اللَّذَينِ تُفَرِّقُهُما التَّرجَمة: قِسمةُ المالِ وحَلِفُ الحالِف. فما يَفعَلُهُ الحالِفُ بِقَولِهِ هو ما يَفعَلُهُ القاسِمُ بِالمَقسوم: يَقطَعُ الاحتِمالاتِ الأُخرى قَطعاً دَقيقاً، ثُمَّ يَشُدُّ كَلامَهُ إلى ما أقسَمَ بِه. ولِذلكَ لَزِمَ القَسَمَ مُقسَمٌ بِهِ في المَنشورِ ولَم يَقُم بِنَفسِه.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- قَسَمٌ (اسمٌ نَكِرةٌ مَرفوع)، ٨٩:٥: الاسمُ يُثبِتُ
الحَدَثَ قائِماً مَفروغاً منه، والتَّنكيرُ يَجعَلُهُ مَوضوعَ سُؤالٍ لا خَبَراً مُقَرَّراً.
- أُقْسِمُ (مُضارِعٌ من أَفعَلَ مُسنَدٌ إلى المُتَكَلِّم)،
٩٠:١: الوَزنُ يَنقُلُ الفَرزَ من الأعيانِ إلى القَول، فيَصيرُ المُقسِمُ جاعِلاً كَلامَهُ مَشدوداً إلى ما أقسَمَ بِه.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: الفَرزُ القاطِعُ الذي يُلحِقُ، من
الحُروف. والصّيغَتانِ تَقتَسِمانِ الجِهَتَين: اسمٌ يَنظُرُ إلى
القَسَمِ بَعدَ وُقوعِه، وفِعلٌ يَنظُرُ إلَيهِ وهو يُنشَأ.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ مُستَقِلّاً لِلجَذرِ في المَنشور: لا قِسمةَ ولا نَصيبَ مَكتوبٌ بِهذا الجَذر. ويُفارِقُ القَسَمُ ما يُجاوِرُه: القَولُ إخبارٌ يَحتَمِلُ، والقَسَمُ قَولٌ قُطِعَ عَنهُ الاحتِمال. فالفَرقُ لَيسَ في المَقولِ بَل في قَطعِ ما سِواه.
المَواضع: مَواقعُ القَسَمِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٨٩:٥ ﴿هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح.
الجَذرُ يَدخُلُ المُصحَفَ اسماً لا فِعلاً، ومَسؤولاً عَنهُ لا مُنشَأً. والسُّؤالُ يَقَعُ بَعدَ أربَعِ مُقسَمٍ بِها مَضَت (﴿وَالْفَجْرِ﴾ وما تَلاها)، فيَرتَدُّ بِـ«ذَٰلِكَ» عَلَيها كُلِّها ويَجعَلُها قَسَماً واحِداً. وأدَقُّ ما فيه تَقييدُهُ بِـ﴿لِّذِي حِجْرٍ﴾: القَسَمُ لا يَنعَقِدُ عِندَ كُلِّ سامِع، بَل عِندَ مَن يَملِكُ ما يَحجُرُهُ عن التَّفَلُّت. فالفَرزُ القاطِعُ يَحتاجُ إلى مُتَلَقٍّ يَقطَعُ مَعَه.
- ٩٠:١ ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ﴾: الجَديدُ: أوَّلُ فِعلٍ
لِلجَذر، وأوَّلُ إسنادٍ لَهُ إلى مُتَكَلِّم، فيَنتَقِلُ القَسَمُ من مَوضوعٍ يُسأَلُ عَنهُ إلى إنشاءٍ يَقَعُ. وجَديدٌ ثانٍ في المَوقِع: في مَوضِعِ الافتِتاحِ جاءَ القَسَمُ خاتِمةً لِمُقسَمٍ بِها سَبَقَت، وهُنا يَجيءُ فاتِحةً لِما بَعدَه. وثالِثٌ: المُقسَمُ بِهِ واحِدٌ مُعَيَّنٌ مُشارٌ إلَيهِ بِـ«هَٰذَا»، لا جُملةٌ مُتَعَدِّدةٌ تُجمَعُ بِاسمِ إشارة. فالفَرزُ يَشتَدُّ كُلَّما ضاقَ المُقسَمُ بِه.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
fajr: ٨٩:٥ تَرتَدُّ بِـ«ذَٰلِكَ» إلى الفَجرِ وما
عُطِفَ عَلَيه، فيَصيرُ المُقسَمُ بِهِ مَوقوتاً بِمَطالِعِ الأزمِنة.
balad: ٩٠:١ تَجعَلُ المُقسَمَ بِهِ بَلَداً بِعَينِه،
فيَنتَقِلُ القَسَمُ من الزَّمانِ إلى المَكان.
naha: ٨٩:٥ تُقَيِّدُ انعِقادَ القَسَمِ بِصاحِبِ
الحِجر، والنُّهى في المَنشورِ اسمٌ لِما يَكُفُّ صاحِبَهُ كَذلك. فالمَعنِيّانِ يَلتَقِيانِ في أنَّ الحُجّةَ لا تُقامُ إلّا على مَن يَملِكُ كابِحاً.
qawl: القَسَمُ قَولٌ قُطِعَ عَنهُ الاحتِمالُ وشُدَّ إلى
مُقسَمٍ بِه، فهو نَوعٌ في جِنسِ القَولِ يَتَمَيَّزُ بِالقَطع.
الإشكالات المَفتوحة
- لِماذا يُسأَلُ عن القَسَمِ في ٨٩:٥ ولا يُقَرَّر؟ الحُروفُ
تُعطي فَرزاً يَحتاجُ إلى قاطِعٍ ومَقطوعٍ لَه، والاستِفهامُ يَنقُلُ عِبءَ القَطعِ إلى السّامِع. فالسُّؤالُ صورةٌ من صُوَرِ الفَرزِ نَفسِه، ويَبقى السُّؤالُ عن اطِّرادِ هذا في كُلِّ قَسَمٍ مَفتوحاً.
- ما وَجهُ «لا» الدّاخِلةِ على الفِعلِ في ٩٠:١؟ الجَذرُ
يُعطي قَطعاً وشَدّاً، ولا يُعطي وَجهَ النَّفيِ ولا وَجهَ التَّوكيد. والمَسأَلةُ خارِجةٌ عن مادّةِ الحُروف، فتُترَكُ مَوضِعَ سُؤالٍ لا مَوضِعَ حُكم.