البلد · الآية 1

﴿لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ

«لَا أُقْسِمُ»: قَسَمٌ تَفتَتِحُه أداةُ نَفي

تَبدَأُ السورةُ بِصيغةٍ تَجمَعُ النَّفيَ والقَسَمَ في نَفَسٍ واحِد: «لا» ثُمَّ «أُقسِمُ». وهذا مَجرىً في الكلامِ العَربيّ يَشتَدُّ به التَّوكيدُ لا يَضعُف، فما بَعدَ «لا أُقسِمُ» أَوكَدُ مِمّا بَعدَ «أُقسِمُ» وَحدَها. النَّفيُ في صَدرِ العِبارةِ لا يَرفَعُ اليَمين، بل يَرفَعُ الحاجةَ إليها: الأمرُ أَبيَنُ مِن أن يُحلَفَ عليه، ومَعَ ذلك يَنزِلُ القَسَمُ ليَشهَدَ.

فالعِبارةُ تُوقِفُ السامِعَ مَوقِفَين في وَقتٍ واحِد: تَقولُ له إنَّ ما سَيَأتي ظاهِرٌ لا يَحتاجُ بُرهاناً، وتُقسِمُ عليه مَع ذلك لِتُثَبِّتَه في القَلب. ومَن تَأمَّلَ مَطلَعَ السورةِ عَرَفَ أنَّ هذا التَّوكيدَ المُضاعَفَ مَهَّدَ لِما هو آتٍ: إنسانٌ في كَبَدٍ، وطَريقٌ لم يُقتَحَم. القَسَمُ يُهَيِّئُ الأُذُنَ لِثِقَلِ ما سَيُقال.

«أُقسِمُ»: القَسَمُ قَطعٌ يَربِط

الجِذرُ ق-س-م يَدورُ على القَطعِ الذي يُوَزِّع. القِسمةُ تَفريقُ الشَّيءِ إلى أنصِبةٍ بِحَدٍّ فاصِل، والقَسيمُ مَن يُقاسِمُك فيَأخُذُ شَطراً مَحدوداً، والمِقسَمُ مَوضِعُ الفَصلِ بَين القِسمَين. والقَسَمُ من هذا الأصلِ نَفسِه: يَمينٌ تَقطَعُ بَين الصِّدقِ والرَّيبِ قَطعاً، وتَربِطُ الحالِفَ بِما حَلَفَ عليه رِباطاً لا يَنفَكّ.

فمَن أَقسَمَ فقد وَضَعَ حَدّاً وجَعَلَ نَفسَه في جانِبٍ مِنه مَعلوم. ولذلك كانَ القَسَمُ في الكِتابِ افتِتاحاً لِما يُرادُ تَثبيتُه: يُقطَعُ التَّرَدُّدُ أوّلاً، ثُمَّ يُبنى على الأرضِ المَقطوعةِ ما بَعدَها. وهنا يَقَعُ القَطعُ على شَهادَةِ مَوضِعٍ حاضِر: «هذا البَلَد».

«هَٰذا البَلَد»: أرضٌ تُشارُ بِاليَدِ لا بِالاسم

«هذا» إشارةٌ إلى حاضِرٍ مَشهود. لم يُسَمَّ المَوضِعُ بِاسمِه بل أُشيرَ إليه كأنَّه بَينَ يَدَي السامِع: الأرضُ التي يَقِفُ عليها المُخاطَبُ الآن. والبَلَدُ من ب-ل-د: المَوضِعُ المَحدودُ الذي يَستَقِرُّ فيه السائِرُ فلا يَبرَح، يَألَفُه أهلُه ويَلزَمونَه. يُقالُ «بَلَدَ بالمكان» إذا لَزِمَه فلم يَرِم، و«البَليدُ» مَن ثَقُلَ فلم يَتَحَرَّك. فالبَلَدُ في أصلِه أرضٌ مُمسِكَةٌ ثابِتَةٌ يَنتَهي إليها المَسير.

والقَسَمُ بِمَوضِعٍ يُشارُ إليه «هذا» يَجعَلُ الأرضَ نَفسَها شاهِداً: ثابِتَةٌ تَحتَ القَدَمِ، لا تَزولُ ولا تُكابَر. والذي يُصغي إلى ما يَلي يَجِدُ القَسَمَ مَوصولاً بِالمُخاطَبِ نَفسِه، إذ تَقولُ الآيةُ بَعدَها إنَّه «حِلٌّ بهذا البَلَد». فالمَوضِعُ الذي أُقسِمَ بِه هو المَوضِعُ الذي يَحمِلُ القِصّةَ كلَّها: أرضٌ ثابِتَةٌ يَجري عليها ما لا يَثبُت.


حَصيلة

تَفتَتِحُ السورةُ بِقَسَمٍ مَسبوقٍ بِنَفي: «لا أُقسِمُ»، صيغةٌ تُضاعِفُ التَّوكيدَ فتَقولُ إنَّ الأمرَ أبيَنُ من أن يُحلَفَ عليه، ثُمَّ تُقسِمُ عليه إثباتاً. الجِذرُ ق-س-م: قَطعٌ يُوَزِّعُ ويَربِط، فالقَسَمُ يَقطَعُ الرَّيبَ ويَربِطُ الحالِفَ بِما قال. والمُقسَمُ بِه «هذا البَلَد»: أرضٌ يُشارُ إليها حاضِرَةً، والبَلَدُ من ب-ل-د مَوضِعٌ مُمسِكٌ ثابِتٌ يَستَقِرُّ فيه المَسير. فالآيةُ تُقيمُ على أرضٍ ثابِتَةٍ مَشهودَةٍ قَسَماً يُمَهِّدُ لِثِقَلِ ما بَعدَه، وتَصِلُه بِالمُخاطَبِ الحالِّ في هذا المَوضِعِ نَفسِه.