الفجر · الآية 5

﴿هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ

«هَلْ فِي ذَٰلِكَ»: سؤالٌ يُقَرِّرُ لا يَستَفهِم

«هل» أداةُ سؤال، لكنَّها هنا لا تَطلُبُ خَبَراً مَجهولاً، بل تَعرِضُ المَعلومَ على السامِعِ ليُقِرَّ به من نَفسِه. وهذا مَجرىً في الكلامِ العَربيّ يَجعَلُ السؤالَ أبلَغَ من التَّقريرِ المُجَرَّد: يُقالُ له «هل في ذلك قَسَمٌ؟» فلا يَجِدُ جَواباً إلّا أن يَقول: نَعَم، فيه قَسَمٌ كافٍ. فالصيغةُ تَستَدرِجُ الإقرارَ بَدَلَ أن تَفرِضَه.

و«ذلك» إشارةٌ إلى ما سَبَقَ من أيمانٍ نَزَلَت قَبلَه: ما أُقسِمَ به في صَدرِ السورة. فالآيةُ تَقِفُ بَعدَ سِلسِلةِ القَسَم، تَلتَفِتُ إلى ما مَضى وتَسأَلُ: أفي هذا المَجموعِ المُقسَمِ به ما يَكفي مَن يَعقِل؟ السؤالُ يَجمَعُ المُتَقَدِّمَ كلَّه في إشارةٍ واحِدة، ويَزِنُه بِميزانِ مَن يُحسِنُ الوَزن.

«قَسَمٌ»: يَمينٌ تَقطَعُ وتَربِط

الجِذرُ ق-س-م يَدورُ على القَطعِ الذي يُوَزِّع: حَدٌّ فاصِلٌ يَفصِلُ ويَقسِمُ بِحُكم. والقَسَمُ من هذا الأصل: يَمينٌ تَقطَعُ بَين الصِّدقِ والرَّيبِ قَطعاً، وتَربِطُ السامِعَ بِما أُقسِمَ عليه رِباطاً. والتَّنكيرُ في «قَسَمٌ» يُفيدُ الكِفايَة: قَسَمٌ مّا، يَكفي ويَزيد، لا حاجةَ به إلى مَزيد.

فالآيةُ لا تَسأَلُ هل وَقَعَ قَسَمٌ، فقد وَقَعَ ظاهِراً فيما سَبَق، بل تَسأَلُ هل في هذا القَسَمِ ما يُلزِمُ ويُقنِع. ومَوضِعُ الجَوابِ هو العَقلُ الذي يَزِنُ الحُجَّةَ: القَسَمُ قائِمٌ، فهل من ذي حِجرٍ يَسمَعُه فيَقطَعُ كما قَطَعَ القَسَم؟

«لِّذِي حِجْرٍ»: عَقلٌ مَحجوزٌ عن الطَّيش

الجِذرُ ح-ج-ر يَدورُ على المَنعِ والحَجز: الحَجَرُ صُلبٌ يَمنَع، والحُجرَةُ مَوضِعٌ مَحجوزٌ بِحائِط، والحِجرُ ما حُرِّمَ فمُنِعَ، و«حَجَرَ على فُلانٍ» مَنَعَه من التَّصَرُّف. فالحِجرُ بِهذا المَعنى عَقلٌ، لكنّه عَقلٌ مَوصوفٌ بِالحَجز: قُوّةٌ تَحجِزُ صاحِبَها عن الهَوى وتَمنَعُه عن الطَّيش، فلا يَندَفِعُ مَعَ كلِّ داعٍ.

فلم يُقَل «لِذي عَقلٍ» مُطلَقاً، بل «لِذي حِجرٍ»: لِمَن يَملِكُ في نَفسِه حاجِزاً يَكُفُّه ويَضبِطُه. وهذا هو الذي يَنتَفِعُ بِالقَسَمِ السابِق، إذ القَسَمُ حُجَّةٌ تَقطَع، والذي يَقبَلُ القَطعَ مَن في نَفسِه قُوّةُ حَجزٍ تُمسِكُه على المَقطوع. فالآيةُ تَصِلُ بَين قَطعِ اليَمينِ وحَجزِ العَقل: كِلاهُما حَدٌّ يَمنَعُ التَّفَلُّت.


حَصيلة

تَأتي الآيةُ بَعدَ أيمانِ السورةِ فتَلتَفِتُ إليها بِسؤالٍ يُقَرِّرُ ولا يَستَفهِم: «هل في ذلك» يَعرِضُ ما سَبَقَ ليُقِرَّ به السامِعُ من نَفسِه. والجِذرُ ق-س-م: قَطعٌ يُوَزِّعُ ويَربِط، فالقَسَمُ يَقطَعُ الرَّيبَ ويَربِطُ السامِعَ، والتَّنكيرُ في «قَسَمٌ» يُفيدُ الكِفايَة. والجِذرُ ح-ج-ر: مَنعٌ وحَجز، فـ«ذو حِجرٍ» مَن يَملِكُ في نَفسِه قُوّةً تَحجِزُه عن الطَّيش. فالآيةُ تَصِلُ بَين قَطعِ اليَمينِ وحَجزِ العَقل: قَسَمٌ كافٍ قد وَقَع، فهل من ذي حاجِزٍ يَسمَعُه فيَقطَعُ به كما قَطَع؟ الحُجَّةُ قائِمةٌ، والجَوابُ مَوكولٌ إلى مَن يَزِن.