الرَّحمن

rahman جذر · ر-ح-م 3 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
اسمٌ على وَزنِ فَعْلانَ من جَذرِ الرَّحِم: فَيضٌ واحِدٌ من الاحتِواءِ الحَيِّ يَشمَلُ كلَّ كائنٍ بمُجَرَّدِ كَونِه.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثلاثةُ حُروف:

  • ر — حركةُ التَّكرارِ والجَريان. اللِّسانُ يَهتَزُّ على غارِ الحَنَك مَرَّتَين أو ثَلاثاً. شِحنَتُه: تَدَفُّقٌ مُتَكرِّر، حركةٌ لا تَستَقِرُّ في نُقطة، تَجري وتَعود.
  • ح — حرفٌ حَلقيٌّ يَنشَأُ من احتِكاكِ الهَواءِ في الحَلق، وفيه حَرارةٌ مَلموسة. شِحنَتُه: حَياةٌ حارّة، احتِواءٌ يَنبُضُ بحَرارة. هو حرفُ الحَيِّ والمُحيط.
  • م — انطِباقُ الشَّفَتَين فيُختَمُ به النَّفَس. شِحنَتُه: تَجَمُّعٌ، تَلاصُق، إغلاقٌ يَحفَظُ ما في الدَّاخِل.

النَّواةُ رح (ر + ح) = تَدَفُّقٌ حارٌّ يَحوي، جَريانُ حَياةٍ نَبَضيّةٍ في حَيِّزٍ يَحتَوي. الإغلاقُ بـم يَجمَعُ هذا التَّدَفُّقَ ويَحبِسُه في حَيِّزٍ مَلموس، فيَصيرُ الجَذرُ كلُّه: احتِواءٌ حارٌّ يَجري فيه دَمُ الحَياة، تَتَجَمَّعُ فيه ولا يُفلِتُ ما في داخِله.

أوّلُ ما يَدُلُّ عليه الجَذرُ في حِسِّ العَرَب: الرَّحِم، العُضوُ الذي يَحوي الحَملَ ويُغَذّيه، يَجري فيه الدَّمُ حارّاً، ويَحفَظُه حتّى يَكتَمِل. كلُّ شِحنةٍ من شِحَناتِ الجَذرِ مُجَسَّدةٌ في الرَّحِم: التَّكرارُ في النَّبضِ والدَّورة، الحَرارةُ في الدَّم، الاحتِواءُ في الجِدار.

الشِّحنةُ الجامعةُ للجَذرِ ر-ح-م: احتِواءٌ حَيٌّ يَجري فيه ما يُحييه، ويَحفَظُه حتّى يَستَقِلَّ بنَفسِه. الرَّحمةُ في القرآنِ ليست إشفاقاً يَنزِلُ من عُلُوّ، هي هذه: حَوضُ حَياةٍ يَجمَعُ ويُغَذّي.

المِفتاحُ البِنيَويُّ — الرَّحمنُ كَالحَوضِ الكُلِّيِّ الذي تَجري فيه كُلُّ القَوانين: في تَيبولوجيا §IX (انظُر [مَنهَجَ المَلَفّات](../../../../methodology/13-dossier-method.md)) الرَّحمنُ لَيسَ صورةً قانونيَّةً بِنَفسِه، بَل الحَيِّزُ الواسِعُ الذي تَجري فيه كُلُّ القَوانين. لِذلكَ يَتَقَدَّمُ في الفاتِحةِ (١:١، ١:٣) قَبلَ ذِكرِ المَلِكِيَّةِ والدِّينِ والصِّراط: حَوضُ الرَّحمةِ الواسِعُ مَفروشٌ تَحتَ كُلِّ ما سَيُذكَر. لا تُؤخَذُ السُّلطةُ، ولا الحُكمُ، ولا الجَزاءُ مُجَرَّدَةً عَن هذا الحَوض.

التَّوازي مَع rahim (انظُر الرَّحيم):

  • رَحمن: وَزنُ فَعْلان — فَيضٌ واحِدٌ شامِلٌ يَنزِلُ مَرَّةً عَلى كُلِّ كائنٍ بِمُجَرَّدِ كَونِه. لا تَدَرُّجَ، لا اختِيار، لا تَفاوُت.
  • رَحيم: وَزنُ فَعيل — حالٌ راسِخةٌ تَتَجَدَّدُ دَواماً عَلى مَن أَصغى. التَّجَدُّدُ في الزَّمَن.

الزَّوجُ يَكشِفُ بِنيَةَ الرَّحمَةِ الكامِلة: سَعةٌ كُلِّيَّةٌ (رَحمن) يَتَجَدَّدُ فيها قُربٌ مَخصوصٌ (رَحيم). الأَوَّلُ شَرطُ الإمكان، الثَّاني تَجَلِّيه في عَلاقة. ولِذلكَ لا تَكتَمِلُ صورةُ اللهِ في الفاتِحةِ إلّا بِالاثنَين مَعاً (١:١ ثُمَّ ١:٣ بِالتَّكرار).

الصِّيَغ — وَزنُ «الرَّحمن»

«الرَّحمن» على وَزنِ فَعْلان. هذا الوَزنُ في العَربيّةِ (كَغَضْبان، شَبعان، عَطشان، نَدمان، يَقظان) يَدُلُّ على الامتِلاءِ بحالٍ في فَيضٍ واحدٍ جامِع. الموصوفُ بفَعْلان مَملوءٌ بالحال إلى حَدِّ الفَيض، لا تَدريجَ فيه ولا انتِقاءَ بين أفرادٍ يَتلقَّونه. مَن وَصَفَ بـ«غَضبان» لا يُقَسِّمُ غَضَبَه على المَغضوبِ علَيهم؛ هو مَملوءٌ به فَيَصِلُ إلى مَن أمامَه.

فالرَّحمنُ هو المَملوءُ بالرَّحمةِ مَلْءَ فَيض، تَخرُجُ منه الرَّحمةُ في دَفقةٍ واحدةٍ تَشمَلُ كلَّ كائنٍ في مَدى وُجودِه: مُؤمِناً وغَيرَه، حَيًّا وجَماداً، عاقِلاً وغَيرَ عاقِل. الكُلُّ في حِضنِ هذه الرَّحمةِ الواسِعة، لمُجَرَّدِ أنّه مَوجود.

الوَزنُ هو الذي يُعطي «شُمولَ كلِّ كائن»؛ الجَذرُ هو الذي يُعطي «احتِواءً حَيًّا حارًّا». الاسمُ يَجمَعُ الاثنَين: حِضنٌ واسِعٌ لكلِّ شيء.

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: لو حُذِفَ ذِكرُ «فَعْلان» من هذه الفِقرة، يَبقى

الاسمُ مَعنىً قائماً بنَفسِه (احتِواءٌ حَيٌّ يَشمَلُ كُلَّ كائن، إذ هي

طبيعةُ الجَذر). الوَزنُ هنا يُضيفُ شُمولَ الفَيض، لا يُعطي المَعنى من

الصِّفر.

الفُروق المَعنويّة — الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى

  • الرَّحيم (الرَّحيم) — الجِذرُ ذاتُه ر-ح-م على وَزنِ فَعيل (لا فَعْلان). فَعيلٌ صِفةٌ مُشَبَّهةٌ راسِخةٌ، تَجَدُّدٌ مُستَمِرٌّ على مَن أصغى. الاثنانِ يَلتَقيانِ في ١:١ وَيُقرَآنِ مَعاً. السَّعةُ ثمّ القُرب.
  • rahma (الرَّحمة، الرَّحَمات) — الجِذرُ ذاتُه ر-ح-م في صيغةِ المصدَر / الاسمِ المُؤَنَّث. هي الأثَرُ المُتَلَقَّى من الاسمَين: الفِعلُ الذي يَخرُجُ من الرَّحمنِ ويَستَقِرُّ على الرَّحيم. (سيُنشأُ rahma حين تَلتَقي «رَحمة» في آيةٍ مَكتوبة.)

المَواضع — مَواقعُ الرَّحمنِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ١:١ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ — مَوضعُ الافتِتاحللدَّوسيَّ. الرَّحمنُ يَأتي صِفةً للاسمِ الجامِعِ في الفاتحةِ، ثمّ يَتلوه الرَّحيمُ مُباشَرةً. القارئُ يَلتَقي الاسمَين مُتَلازِمَين في أوّلِ ما يَقرَأ، فلا يَدخُلُ الكتابَ إلّا تَحتَ ظَلِّ هذه السَّعةِ الواسِعة. السَّعةُ مَفروضةٌ على الكتابِ كلِّه مُذ كلمَتِه الأُولى.
  • ١:٣ ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ — تُكَرَّرُ الزَّوجُ في الفاتحةِ وَحدَه، بِلا اسمٍ جامِعٍ يَسبِقُهما. التَّكرارُ في ثلاثِ آياتٍ مُتَتابِعةٍ (١:١ ثمّ ١:٣) ليس صَدفة. الفاتحةُ تَفصِلُ بَين الزَّوج وَتَجمَعُه ثانيةً في نَفسِ السُّورة، فيَستَقِرُّ في النَّفس قَبلَ أن تَنفَرِجَ السُّورةُ على ١:٤ «مالِكِ يَومِ الدِّين». السَّعةُ المَطروحةُ في ١:١ تَستَقِرّ في ١:٣ كأَنَّها تُؤَكَّد، حتّى تَأتي السُّلطةُ بَعدَها مُحاطةً بالرَّحمة، لا مُجَرَّدةً عَنها.
  • ٢:١٦٣ ﴿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾ — مَوضِعٌ مُفصَليٌّ: الرَّحمنُ والرَّحيمُ يَردانِ لَقَبَين لِلإلهِ الواحِد في أَكثَفِ آيةٍ تَوحيديَّةٍ في السُّورة. هذا المَوضِعُ سَبَقَ التَّنبيهُ إليه في §٦ عِندَ الإنشاءِ. الرَّحمنُ هنا يَأتي بَعدَ نَفيِ جِنسِ الإلهِ «لا إلهَ إلَّا هو» — أَي أَنَّ الذَّاتَ التي لا تُحاطُ بِاسمٍ («هو») تَتَجَلَّى في العالَمِ رَحمةً شامِلةً (رَحمن) ونافِذةً (رَحيم). الوَحدانيَّةُ وَصفٌ لِعَلاقةِ الذَّاتِ بِالعالَمِ لا عُزلةٌ عنه.

التَّقاطُعات — مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • rahim — التَّجاوُرُ المُلازِمُ في ١:١، وَيَتَكرَّرُ بَعدُ في مَواضعَ مُختارةٍ من البَقَرة (يُسَجَّلُ هنا حين نَصِلُ إليه). الزَّوجُ يَعمَلُ كَسَعةٍ + قُربٍ معاً.
  • allah — الرَّحمنُ في ١:١ صِفةٌ للاسمِ الجامِعِ مُباشَرةً، لا حاجِزَ بَينَهما. الاسمُ الجامعُ لا يُذكَرُ في الافتِتاحِ إلّا مَوصوفاً برَحمةٍ. هذا تَوجيهٌ بِنيَويٌّ للكتاب.

الإشكالات المَفتوحة

  • هل وَزنُ فَعْلان حَصرًا للحال الطّارئة؟ بَعضُ الاستِعمالاتِ (غَضبان، شَبعان) يَدُلُّ على حالٍ طارِئةٍ يَملَؤها صاحِبَها مُؤَقَّتاً. لكنَّ وَزنَ فَعْلان حين يُوصَفُ به اللهُ يَنفي عنه الطُّروء. مَوقِفُنا: يُؤخَذُ من الوَزنِ شُمولُ الفَيضِ والمَلْءِ، ولا يُؤخَذُ منه التَّوقيت. هذا مَنفيٌّ بطَبيعةِ المَوصوف.
  • هل الرَّحمن وَصفٌ مَخصوصٌ بالله؟ الاسمُ في القرآنِ كذلك يَجري مَجرى العَلَم: «قُل ادعُوا اللَّه أوِ ادعُوا الرَّحمن» — يُنادى به مُجَرَّداً عن أيِّ مُضاف. هذا يُعَزِّزُ مَكانَتَه في divine-names/ لا في عُمومِ الصِّفات. سَنَرى هذا حين نَصِلُ إلى مَوضِعِه في البَقَرة (٢:١٦٣ ﴿إِلَٰهُكُم إِلَهٌ واحِدٌ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحمَنُ الرَّحيمُ﴾).

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن