الرَّحمن

rahman جذر · ر-ح-م 8 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
اسمٌ على وَزنِ فَعْلانَ من جَذرِ الرَّحِم: فَيضٌ واحِدٌ من الاحتِواءِ المُمِدِّ يَشمَلُ كلَّ كائنٍ بمُجَرَّدِ كَونِه.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثلاثةُ حُروف:

  • ر: خَفَقاتٌ خَفيفاتٌ لِطَرَفِ اللِّسانِ على اللِّثة، والنَّفَسُ

يَجري من تَحتِها. شِحنَتُه: جَرَيانٌ مُستَرسِلٌ يَنفُذُ ويَمتَدّ، تَحتَه لَمسةٌ ماسِكةٌ خَفيفة.

  • ح: حرفٌ حَلقيٌّ يَنشَأُ من احتِكاكِ الهَواءِ في مَضيقِ الحَلق.

شِحنَتُه: التَّضييقُ والاحتِواءُ في الباطِن، يَجري فيه الجاري مُحتَكّاً حتّى يَخلُصَ خارِجاً.

  • م: انطِباقُ الشَّفَتَين فيُختَمُ به النَّفَس. شِحنَتُه: تَجَمُّعٌ،

تَلاصُق، إغلاقٌ يَحفَظُ ما في الدَّاخِل.

النَّواةُ رح (ر + ح) = جَرَيانٌ مُستَرسِلٌ يَنتَهي إلى احتِواءٍ في مَضيقٍ باطِن. الإغلاقُ بـم يَجمَعُ هذا الجاريَ ويَحبِسُه في حَيِّزٍ مَلموس، فيَصيرُ الجَذرُ كلُّه: احتِواءٌ في مَضيقٍ يَجري فيه ما يُمِدُّه، تَتَجَمَّعُ فيه ولا يُفلِتُ ما في داخِله حتّى يَخلُصَ.

أوّلُ ما يَدُلُّ عليه الجَذرُ في حِسِّ العَرَب: الرَّحِم، العُضوُ الذي يَحوي الحَملَ ويُغَذّيه، يَجري فيه الدَّمُ مُستَرسِلاً، ويَحفَظُه حتّى يَكتَمِل. كلُّ شِحنةٍ من شِحَناتِ الجَذرِ مُجَسَّدةٌ في الرَّحِم: الجَرَيانُ المُستَرسِلُ في الدَّم، والتَّضييقُ والاحتِواءُ في الجِدار، والخُلوصُ خارِجاً في الوِلادة.

الشِّحنةُ الجامعةُ للجَذرِ ر-ح-م: احتِواءٌ في مَضيقٍ يَجري فيه ما يُمِدُّه، ويَحفَظُه حتّى يَخلُصَ مُستَقِلّاً بنَفسِه. الرَّحمةُ في القرآنِ ليست إشفاقاً يَنزِلُ من عُلُوّ، هي هذه: حَوضٌ يَجمَعُ ويُمِدُّ حتّى يَخلُصَ ما فيه.

المِفتاحُ البِنيَويُّ، الرَّحمنُ كَالحَوضِ الكُلِّيِّ الذي تَجري فيه كُلُّ القَوانين: الرَّحمنُ لَيسَ صورةً قانونيَّةً بِنَفسِه، بَل الحَيِّزُ الواسِعُ الذي تَجري فيه كُلُّ القَوانين. لِذلكَ يَتَقَدَّمُ في الفاتِحةِ (١:١، ١:٣) قَبلَ ذِكرِ المَلِكِيَّةِ والدِّينِ والصِّراط: حَوضُ الرَّحمةِ الواسِعُ مَفروشٌ تَحتَ كُلِّ ما سَيُذكَر. لا تُؤخَذُ السُّلطةُ، ولا الحُكمُ، ولا الجَزاءُ مُجَرَّدَةً عَن هذا الحَوض.

التَّوازي مَع rahim (انظُر الرَّحيم):

  • رَحمن: وَزنُ فَعْلان: فَيضٌ واحِدٌ شامِلٌ يَنزِلُ مَرَّةً عَلى

كُلِّ كائنٍ بِمُجَرَّدِ كَونِه. لا تَدَرُّجَ، لا اختِيار، لا تَفاوُت.

  • رَحيم: وَزنُ فَعيل: حالٌ راسِخةٌ تَتَجَدَّدُ دَواماً عَلى مَن

أَصغى. التَّجَدُّدُ في الزَّمَن.

الزَّوجُ يَكشِفُ بِنيَةَ الرَّحمَةِ الكامِلة: سَعةٌ كُلِّيَّةٌ (رَحمن) يَتَجَدَّدُ فيها قُربٌ مَخصوصٌ (رَحيم). الأَوَّلُ شَرطُ الإمكان، الثَّاني تَجَلِّيه في عَلاقة. ولِذلكَ لا تَكتَمِلُ صورةُ اللهِ في الفاتِحةِ إلّا بِالاثنَين مَعاً (١:١ ثُمَّ ١:٣ بِالتَّكرار).

الصِّيَغ: وَزنُ «الرَّحمن»

«الرَّحمن» على وَزنِ فَعْلان. هذا الوَزنُ في العَربيّةِ (كَغَضْبان، شَبعان، عَطشان، نَدمان، يَقظان) يَدُلُّ على الامتِلاءِ بحالٍ في فَيضٍ واحدٍ جامِع. الموصوفُ بفَعْلان مَملوءٌ بالحال إلى حَدِّ الفَيض، لا تَدريجَ فيه ولا انتِقاءَ بين أفرادٍ يَتلقَّونه. مَن وَصَفَ بـ«غَضبان» لا يُقَسِّمُ غَضَبَه على المَغضوبِ علَيهم؛ هو مَملوءٌ به فَيَصِلُ إلى مَن أمامَه.

فالرَّحمنُ هو المَملوءُ بالرَّحمةِ مَلْءَ فَيض، تَخرُجُ منه الرَّحمةُ في دَفقةٍ واحدةٍ تَشمَلُ كلَّ كائنٍ في مَدى وُجودِه: مُؤمِناً وغَيرَه، حَيًّا وجَماداً، عاقِلاً وغَيرَ عاقِل. الكُلُّ في حِضنِ هذه الرَّحمةِ الواسِعة، لمُجَرَّدِ أنّه مَوجود.

الوَزنُ هو الذي يُعطي «شُمولَ كلِّ كائن»؛ الجَذرُ هو الذي يُعطي «احتِواءً يُمِدُّ ما فيه». الاسمُ يَجمَعُ الاثنَين: حِضنٌ واسِعٌ لكلِّ شيء.

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: لو حُذِفَ ذِكرُ «فَعْلان» من هذه الفِقرة، يَبقى

الاسمُ مَعنىً قائماً بنَفسِه (احتِواءٌ يُمِدُّ ما فيه ويَشمَلُ كُلَّ

كائن، إذ هي طبيعةُ الجَذر). الوَزنُ هنا يُضيفُ شُمولَ الفَيض، لا

يُعطي المَعنى من الصِّفر.

الفُروق المَعنويّة: الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى

  • الرَّحيم (الرَّحيم): الجِذرُ ذاتُه ر-ح-م على وَزنِ فَعيل (لا

فَعْلان). فَعيلٌ صِفةٌ مُشَبَّهةٌ راسِخةٌ، تَجَدُّدٌ مُستَمِرٌّ على مَن أصغى. الاثنانِ يَلتَقيانِ في ١:١ وَيُقرَآنِ مَعاً. السَّعةُ ثمّ القُرب.

  • rahma (الرَّحمة، الرَّحَمات): الجِذرُ ذاتُه ر-ح-م في صيغةِ

المصدَر / الاسمِ المُؤَنَّث. هي الأثَرُ المُتَلَقَّى من الاسمَين: الفِعلُ الذي يَخرُجُ من الرَّحمنِ ويَستَقِرُّ على الرَّحيم. (سيُنشأُ rahma حين تَلتَقي «رَحمة» في آيةٍ مَكتوبة.)

المَواضع: مَواقعُ الرَّحمنِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ١:١ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾: مَوضعُ الافتِتاح للدَّوسيَّ. الرَّحمنُ يَأتي صِفةً للاسمِ الجامِعِ في

الفاتحةِ، ثمّ يَتلوه الرَّحيمُ مُباشَرةً. القارئُ يَلتَقي الاسمَين مُتَلازِمَين في أوّلِ ما يَقرَأ، فلا يَدخُلُ الكتابَ إلّا تَحتَ ظَلِّ هذه السَّعةِ الواسِعة. السَّعةُ مَفروضةٌ على الكتابِ كلِّه مُذ كلمَتِه الأُولى.

  • ١:٣ ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾: تُكَرَّرُ الزَّوجُ في الفاتحةِ

وَحدَه، بِلا اسمٍ جامِعٍ يَسبِقُهما. التَّكرارُ في ثلاثِ آياتٍ مُتَتابِعةٍ (١:١ ثمّ ١:٣) ليس صَدفة. الفاتحةُ تَفصِلُ بَين الزَّوج وَتَجمَعُه ثانيةً في نَفسِ السُّورة، فيَستَقِرُّ في النَّفس قَبلَ أن تَنفَرِجَ السُّورةُ على ١:٤ «مالِكِ يَومِ الدِّين». السَّعةُ المَطروحةُ في ١:١ تَستَقِرّ في ١:٣ كأَنَّها تُؤَكَّد، حتّى تَأتي السُّلطةُ بَعدَها مُحاطةً بالرَّحمة، لا مُجَرَّدةً عَنها.

  • ٢:١٦٣ ﴿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾: مَوضِعٌ مُفصَليٌّ: الرَّحمنُ والرَّحيمُ يَردانِ لَقَبَين لِلإلهِ الواحِد في أَكثَفِ آيةٍ تَوحيديَّةٍ في السُّورة. هذا المَوضِعُ سَبَقَ التَّنبيهُ إليه في القِسم ٦ عِندَ الإنشاءِ. الرَّحمنُ هنا يَأتي بَعدَ نَفيِ جِنسِ الإلهِ «لا إلهَ إلَّا هو»، أَي أَنَّ الذَّاتَ التي لا تُحاطُ بِاسمٍ («هو») تَتَجَلَّى في العالَمِ رَحمةً شامِلةً (رَحمن) ونافِذةً (رَحيم). الوَحدانيَّةُ وَصفٌ لِعَلاقةِ الذَّاتِ بِالعالَمِ لا عُزلةٌ عنه.
  • ١٧:١١٠ ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ﴾: الجَديدُ: يَقَعُ «الرَّحمن» أوَّلَ مَرّةٍ في المُسَجَّلِ مَعطوفاً على الاسمِ الجامِعِ بِـ«أو» لا تابِعاً لَه بِالوَصف، فيَخرُجُ من رُتبةِ النَّعتِ إلى رُتبةِ المُنادى المَدعُوّ. وفِعلُ الدُّعاءِ مُكَرَّرٌ مَعَ كُلٍّ مِنهُما («ادعُوا... أوِ ادعُوا») فلا يُقرَأُ الثّاني بَدَلاً عن الأوَّلِ بَل مَدخَلاً ثانِياً إلى المَدعُوِّ نَفسِه. ثُمَّ يَرفَعُ الذَّيلُ الخِلافَ من أصلِه ﴿أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾: المَسأَلةُ لَيسَت أيُّ الاسمَينِ أحَقّ، بَل أنَّ الأسماءَ كُلَّها راجِعةٌ إلى مُسَمّىً واحِد. وهذا يُتِمُّ ما في ١:١: هُناكَ الرَّحمنُ صِفةٌ تَلي الاسمَ الجامِع، وهُنا يَقومُ مَقامَه في النِّداءِ بِلا نُقصان. انظُر الله.
  • ٢٠:٥ ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾: الجَديدُ: يَقَعُ الاسمُ مُبتَدَأً مُفرَداً يُخبَرُ عنه، لا نَعتاً كَما في ١:١ ولا مَدعُوّاً كَما في ١٧:١١٠. والخَبَرُ استِواءٌ على العَرش، وهو أوسَعُ مَوضِعٍ تَذكُرُه الآية. فيَتَجاوَبُ وَجهانِ لِلاسم: وَزنٌ يُفيدُ مَلءَ الفَيضِ بِلا تَفاوُت، ومَوضِعٌ يَسَعُ ما تَحتَه كُلَّه.
  • ٢٠:٩٠ ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ﴾: الجَديدُ: يَقَعُ الاسمُ خَبَراً لِـ«رَبَّكُم» في مَقامِ نِزاع، ويُبنى عليه أمرٌ بِالاتِّباعِ بِالفاء. فيُحتَجُّ بِالسَّعةِ نَفسِها على مَن انصَرَفَ إلى غَيرِها: المَعبودُ المُقتَرَحُ جَسَدٌ لَه خُوار، والرَّبُّ المَذكورُ اسمُه سَعة.
  • ٢٠:١٠٨ ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ﴾: الجَديدُ: يَرِدُ الاسمُ في مَوقِفِ الجَمعِ مُعَدّىً بِاللّام، فيُقرَأُ الاسمُ الأوسَعُ في أضيَقِ ساعةٍ ولا يُبدَلُ بِاسمِ قَهر. والخُشوعُ واقِعٌ على الأصواتِ لا على الأبدان، فما بَقِيَ مَسموعاً «هَمْسًا». انظُر الخُشوع.
  • ٢٠:١٠٩ ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾: الجَديدُ: يُسنَدُ إلى الاسمِ إذنٌ ورِضاً بِقَول، فيَكونُ الحَوضُ الواسِعُ هو الذي يُعَيِّنُ مَن يَنفُذُ فيه قَولُه. فالسَّعةُ لا تَعني رَفعَ الشَّرط، والاستِثناءُ مَعقودٌ بِهذا الاسمِ لا بِسِواه.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • rahim: التَّجاوُرُ المُلازِمُ في ١:١، وَيَتَكرَّرُ بَعدُ في

مَواضعَ مُختارةٍ من البَقَرة (يُسَجَّلُ هنا حين نَصِلُ إليه). الزَّوجُ يَعمَلُ كَسَعةٍ + قُربٍ معاً.

  • allah: الرَّحمنُ في ١:١ صِفةٌ للاسمِ الجامِعِ مُباشَرةً، لا

حاجِزَ بَينَهما. الاسمُ الجامعُ لا يُذكَرُ في الافتِتاحِ إلّا مَوصوفاً برَحمةٍ. هذا تَوجيهٌ بِنيَويٌّ للكتاب.

الإشكالات المَفتوحة

  • هل وَزنُ فَعْلان حَصرًا للحال الطّارئة؟ بَعضُ الاستِعمالاتِ (غَضبان،

شَبعان) يَدُلُّ على حالٍ طارِئةٍ يَملَؤها صاحِبَها مُؤَقَّتاً. لكنَّ وَزنَ فَعْلان حين يُوصَفُ به اللهُ يَنفي عنه الطُّروء. مَوقِفُنا: يُؤخَذُ من الوَزنِ شُمولُ الفَيضِ والمَلْءِ، ولا يُؤخَذُ منه التَّوقيت. هذا مَنفيٌّ بطَبيعةِ المَوصوف.

  • هل الرَّحمن وَصفٌ مَخصوصٌ بالله؟ سُئِلَ فأُجيب. مُغلَق. كانَ

المَوقِفُ مُعَلَّقاً على مَوضِعَينِ يُنتَظَران، وقد وَرَدا مَعاً وسُجِّلا في القِسمِ الرّابِع. في ٢:١٦٣ يَقَعُ «الرَّحمن» لَقَباً لِلإلهِ الواحِدِ بَعدَ نَفيِ الجِنس. وفي ١٧:١١٠ يُعطَفُ على الاسمِ الجامِعِ في مَقامِ الدُّعاءِ ويُسَوّى بِه، ثُمَّ يُقالُ ﴿أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾، فيَجري مَجرى العَلَمِ نَصّاً لا استِنباطاً. فمَكانُه في divine-names/ ثابِتٌ بِشاهِدٍ مَنشورٍ لا بِوَعد.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن