الإله / الآلهة
ما تَتَعَلَّقُ به القُلوبُ تَعَلُّقاً يَتَجاوَزُ العاطِفةَ إلى الانبِساطِ الوُجوديِّ، لَيسَ مُجَرَّدَ مَعبودٍ بِالمَعنى الطَّقسيِّ بَل كُلُّ ما أُحكِمَ التَّعَلُّقُ به وانفَتَحَت نَحوَه النَّفس.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
الجَذرُ أ-ل-هـ:
- أ (الهمزة): تَأكيدٌ وقَطع. شِحنَتُه: بِدايةٌ حادَّةٌ تُثَبِّتُ وُجودَ ما بَعدَها.
- ل: تَعَلُّقٌ وامتِداد. شِحنَتُه: جِسرٌ يَتَعَلَّقُ ولا يَنفَصِل.
- هـ: هَمسٌ وتَنَفُّس. شِحنَتُه: انفِتاحٌ على فَضاءٍ لا يُحدَّد.
النَّواةُ أَل (أ + ل) = تَأكيدٌ يَتَعَلَّقُ: وُجودٌ مُؤَكَّدٌ يَجذِبُ التَّعَلُّق. الإغلاقُ بـهـ يَفتَحُ هذا التَّعَلُّقَ على ما لا يُحدَّد: وُجودٌ مُؤَكَّدٌ (أل) يَتَعَلَّقُ به القَلبُ ويَنفَتِحُ نَحوَهُ (هـ)، كُلُّ ما يُضاهي به أَيُّ شَيءٍ الألوهيَّةَ في تَعَلُّقِ القَلب.
ومن هذا الجَذرِ في كَلامِ العَرَب:
- أَلِهَ = تَعَلَّقَ بِه حتّى تَحَيَّرَ وأُولِعَ.
- الإله = كُلُّ ما يُتَعَلَّقُ به بِهذا النَّوعِ من التَّعَلُّق.
الصِّيَغ
- إلهٌ واحِد (نَكِرةٌ + نَعت): الجِنسُ الإلَهيُّ موصوفٌ بِالوَحدانيَّة: لا نَكِرةٌ من جِنسٍ مُتَعَدِّد.
- إلهُكُم (مُضافٌ + ضمير خِطاب): الإلهُ مَنسوبٌ إلى ضَميرِ المُخاطَبين: يَكشِفُ أَنَّ كُلَّ قَلبٍ لا بُدَّ له من مُتَعَلَّق.
- لا إلهَ (نَفيُ الجِنسِ): لا فَردَ من جِنسِ الإلَهِ في الوُجودِ كُلِّه.
- آلهة (جَمع): ما أَقامَهُ المُشرِكونَ في مَرتَبَةِ التَّعَلُّقِ الإلَهيّ: الكَثرةُ دَليلُ البُطلانِ لا دَليلُ الشَّرعيَّة.
الفُروق المَعنويّة
allah(الله): أ-ل-هـ في لَقَبِه الأَعلى: اللهُ عَلَمٌ على الذَّاتِ الإلَهيَّةِ المُعَيَّنَة، أَمَّا «الإله» فوَصفٌ وَظيفيٌّ يَصِفُ أَيَّ ما يَحتَلُّ مَوضِعَ التَّعَلُّقِ الكُلِّيّ. العَلَمُ والوَصفُ يَتَعاضَدانِ: الإلهُ الذي لا شَريكَ له هو الله. انظُرdivine-names/allah.md.
المَواضع: مَواقِعُ الإلَهِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٣٣ ﴿نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا﴾: الإلهُ في مَشهَدِ سِلسِلةِ الآباء. «إلهَكَ وإلهَ آبائِكَ» يَجمَعُ المَعبودَ في خَطٍّ مُتَّصِل: الإلهُ لَم يَتَغَيَّر عَبرَ الأَجيال. «إلهاً واحِداً»، التَّأكيدُ على الوَحدانيَّة في سِياقِ التَّعدُّدِ الزَّمنيِّ للأَنبياء: رَغمَ تَعَدُّدِ الأَبناءِ والأَجيالِ المُتَعَلَّقُ به واحِد.
- ٢:١٦٣ ﴿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. هذه الآيةُ هي التَّأسيسُ الهَيكَليُّ لِلتَّوحيدِ في سورةِ البَقَرة:
الطَّبَقةُ الأُولى «وإلهُكُم إلهٌ واحِد»: واوُ الاستِئنافِ + إضافةُ «إلهٌ» إلى ضَمير الخِطابِ الجَمعيّ الشَّامِل (بعدَ الكاتِمين والتَّائِبين والكافِرين الماتِين جميعاً)، كُلُّ مَن سَبَقَ ذِكرُه يَخضَعُ لِحُكمٍ واحِد: مُتَعَلَّقُكُم إلهٌ واحِد.
الطَّبَقةُ الثَّانيَة «لا إلهَ إلَّا هو»: لا النَّافيةُ لِلجِنسِ تَبني اسمَها على الفَتح، لا فَردَ من جِنسِ الإلَهِ في الوُجودِ. ثُمَّ الاستِثناءُ بِضَميرِ الغَيبَةِ «هو» لا بِاسمِ «الله»، الذَّاتُ التي تُشيرُ إليها الأَسماءُ لا تُحاطُ بِاسمٍ فضلاً عَن صورة.
الطَّبَقةُ الثَّالِثَة «الرَّحمنُ الرَّحيم»: الإلهُ الواحِدُ يَتَجَلَّى رَحمةً تَسَعُ الكُلَّ (رَحمن) وتَنفُذُ في الخاصَّةِ (رَحيم)، الوَحدانيَّةُ وَصفٌ لِعَلاقَةِ الذَّاتِ بِالعالَم لا عُزلةٌ عنه.
- ٣:٢ ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: الجَديدُ: الجُملةُ التي أُسِّسَت في ٢:١٦٣ تَعودُ هُنا مَسبوقةً بِالاسمِ الجامِعِ وَحدَه بِلا إضافةٍ إلى المُخاطَبين: لا «إلهُكُم» بَل «الله». فيَنتَقِلُ الخِطابُ من نِسبةِ المَعبودِ إلى عابِديه إلى تَقريرِه في نَفسِه. والوَصفانِ بَعدَه «الحَيُّ القَيّوم» يَصِلانِ النَّفيَ بِالقِيام: لا يُنفى إلهٌ سِواه ثُمَّ يُترَكُ الحَيِّزُ خالِياً، بَل يُملأُ بِمَن بِه قِيامُ غَيرِه.
- ٣:٦ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: الجَديدُ: النَّفيُ يَجيءُ هُنا لاحِقاً بِفِعلٍ يَقَعُ في أخفى مَوضِعٍ يُدرِكُه الإنسانُ من نَفسِه: التَّصويرُ في الأرحام. فالمَعبودُ يُعَيَّنُ بِما لا يُشارِكُه فيه أحَدٌ ولا يُرى وُقوعُه، لا بِما يُستَدَلُّ عَلَيه من بَعيد. وهذا يَزيدُ على ٣:٢: هُناكَ قِيامُ الوُجودِ عامّاً، وهُنا تَشكيلُ المُخاطَبِ نَفسِه.
- ٣:١٨ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾: الجَديدُ: الجُملةُ نَفسُها تَصيرُ هُنا مَشهوداً بِه لا مُخبَراً بِه: يُدخَلُ عَلَيها فِعلُ الشَّهادة، فيَنتَقِلُ النَّفيُ من مَقامِ الخَبَرِ إلى مَقامِ الإقرارِ المُوَثَّق. وتُعادُ في الآيةِ مَرَّةً ثانيةً بِلا فِعلٍ يَحكُمُها، فتُقالُ مَشهوداً بِها ثُمَّ تُقالُ قائمةً بِنَفسِها. انظُر الشَّهيد / الشُّهَداء.
- ٣:٦٢ ﴿وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾: الجَديدُ: صيغةُ النَّفيِ تَتَغَيَّر: لا «لا إلهَ إلّا هو» بَل «ما من إلهٍ إلّا الله»، فتَدخُلُ «مِن» الزّائدةُ لِتَستَغرِقَ الجِنسَ ويَحُلُّ الاسمُ الظّاهِرُ مَحَلَّ الضَّمير. والفَرقُ في المَقام: الآيةُ خِتامُ قَصَصٍ وُصِفَ بِأنَّه «الحَقّ»، فيُقالُ الاسمُ صَريحاً حَيثُ يُفصَلُ في خَبَرٍ اختُلِفَ فيه. انظُر الحَقّ.
- ١٧:٢٢ ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾: الجَديدُ: يَرِدُ «إلهاً آخَر» نَكِرةً مَوصوفةً بِالآخَرِيَّة، ويَدخُلُ عَلَيه فِعلُ الجَعل: الإلهُ هُنا شَيءٌ يُجعَلُ جَعلاً لا شَيءٌ يوجَدُ فيُنفى. وكانَ البابُ في المُسَجَّلِ نَفياً لِلجِنسِ (٢:١٦٣، ٣:٢، ٣:١٨) أو إثباتاً لِلواحِد، وهو هُنا نَهيٌ عن فِعلٍ في وُسعِ المُخاطَب. والعاقِبةُ وَصفانِ في النَّفس: «مَذموماً مَخذولاً»، فمَن عَلَّقَ قَلبَه بِمَجعولٍ قَعَدَ بِلا حامِدٍ ولا ناصِر. ويُعادُ النَّهيُ بِعَينِه في ١٧:٣٩ خِتاماً لِلوَصايا بَعدَ أن افتُتِحَت بِه.
- ١٧:٤٢ ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾: الجَديدُ: يُبطَلُ التَّعَدُّدُ من داخِلِه: لَو كانَت آلِهةٌ لَابتَغَت هي نَفسُها سَبيلاً إلى ذي العَرش. فالجَمعُ الذي يُقالُ دَليلَ قُوَّةٍ يَنقَلِبُ دَليلَ حاجة، وما يَطلُبُ سَبيلاً إلى غَيرِه لا يَكونُ مُنتَهى تَعَلُّق. وفي §٢ أنَّ الكَثرةَ دَليلُ البُطلانِ لا دَليلُ الشَّرعِيَّة، وهذه الآيةُ تُقيمُ الدَّليلَ بِلَفظِها لا بِدَعوى.
- ٢٠:١٤ ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾: الجَديدُ: يَقَعُ نَفيُ الجِنسِ في ضَميرِ المُتَكَلِّم: «لا إلهَ إلّا أنا»، وسائِرُ ما في المُسَجَّلِ بِضَميرِ الغائِبِ («إلّا هو») أو بِالاسمِ الظّاهِرِ («إلّا الله»، ٣:٦٢). فيَنتَقِلُ النَّفيُ من الخَبَرِ عَنه إلى الخِطابِ مِنه، ويُقالُ لِواحِدٍ بِعَينِه في مَقامِ النِّداء. ويَتلوه أمرٌ مُتَّصِلٌ بِه: «فاعبُدني»، فالتَّعَلُّقُ يُطلَبُ في الحالِ لا يُقَرَّرُ خَبَراً. انظُر العِبادة.
- ٢٠:٨٨ ﴿فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ﴾: الجَديدُ: يوضَعُ اللَّفظُ على عَينٍ مَصنوعةٍ بِالإشارةِ إلَيها: «هذا إلهُكُم»، فيَصيرُ الإلهُ مُشاراً إليه بَعدَ أن كانَ في المُسَجَّلِ مَنفِيَّ الجِنسِ أو مُضافاً إلى قَلبٍ يَتَعَلَّق. ويُضافُ ثانِياً إلى شَخص: «وإلهُ موسى»، فيُدَّعى أنَّ المَصنوعَ مُتَعَلَّقُ الرَّسولِ نَفسِه وهو غائِب. والدَّعوى تُعَلَّلُ بِسَهو: «فَنَسِيَ»، فمَبنى التَّعَلُّقِ بِالمَصنوعِ نِسيانُ غَيرِه.
- ٢٠:٩٧ ﴿وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾: الجَديدُ: يُضافُ الإلهُ إلى صانِعِه في مَقامِ التَّوبيخ: «إلهِكَ الذي ظَلتَ عَلَيه عاكِفاً»، ثُمَّ يُحكَمُ عَلَيه بِالتَّحريقِ والنَّسفِ في اليَمّ. فأوَّلُ مَرّةٍ يَقَعُ اللَّفظُ على شَيءٍ يُتلَفُ أمامَ مُتَعَلِّقِه، ويَكفي في إبطالِه أن يُرى مَصيرُه لا أن تُقامَ عَلَيه حُجَّة. والعُكوفُ قَيدٌ مَذكور: التَّعَلُّقُ إقامةٌ على الشَّيءِ لا نَظَرٌ إليه.
- ٢٠:٩٨ ﴿إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾: الجَديدُ: يُرَدُّ على «هذا إلهُكُم» (٢٠:٨٨) بِنَفسِ المُضافِ وضَميرِه: «إنَّما إلهُكُمُ الله»، فيُصَحَّحُ التَّعَلُّقُ ولا يُنفى وُقوعُه. ويَجتَمِعُ في الآيةِ حَصرٌ بِـ«إنَّما» ثُمَّ نَفيٌ لِلجِنسِ بِـ«لا... إلّا»، وهو أوَّلُ اجتِماعٍ لِلأداتَينِ في المُسَجَّل. ويُختَمُ بِسَعةِ العِلم، وقَد قيلَ في المَصنوعِ قَبلَ آياتٍ إنَّه «لا يَرجِعُ إلَيهِم قَولاً»: مَن لا يُجيبُ لا يوصَفُ بِأنَّه وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ عِلماً.
- ١١٤:٣ ﴿إِلَٰهِ النَّاسِ﴾: «إلَه» في إضافَتِه إلى النَّاس. الثَّالِثُ والخاتِمُ من الثُّلاثيَّةِ (رَبّ / مَلِك / إلَه). الجَديدُ: «إلَه» هُنا مُضافٌ مَخصوصٌ بِالنَّاس، لا «الإلَه» بِالتَّعريفِ المُطلَق. التَّسَلسُلُ يَكتَمِلُ: التَّربيَة + السُّلطان + المَعبود. كُلٌّ نِسبَةٌ مَخصوصَةٌ تَتَجاوَزُ سابِقَتَها. انظُر النّاس والرَّبّ.
التَّقاطُعات
wahid: «واحِد» صِفةُ الإلَه الجامِعة، لا يَنفَصِلانِ في هذه الآيَة.allah(فيdivine-names/): «الله» العَلَمُ الأَعلى، والإلهُ وَصفُه الوَظيفيّ، شَقيقانِ من نَفسِ الجَذر.nidd: الأَنداد ما يُجعَلُ في مَرتَبةِ الإلهيَّةِ مِن دونِ الله، نَقيضُ «لا إلهَ إلَّا هو».ibada: العِبادةُ الاستِجابةُ العَمَليَّةُ لِلإقرارِ بِالإلَهيَّة.
الإشكالات المَفتوحة
- هل مَفهومُ الإلَهِ في القُرآنِ يَشمَلُ الأَهواءَ والأَموالَ والشَّهوات؟ مَوقِفُنا: الجَذرُ (أَلِهَ = تَعَلَّقَ وأُولِعَ) يَشمَلُها لُغَويّاً: ولذلكَ جاءَت آياتٌ تَصِفُ اتِّخاذَ الهَوى إلهاً. القُرآنُ يُقَرِّرُ ذلكَ في آياتٍ أُخرى.