الرَّحيم

rahim جذر · ر-ح-م 8 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
صِفةٌ على وَزنِ فَعيل من جَذرِ الرَّحِم: قُربٌ راسِخٌ يَتَجَدَّدُ دَواماً على من أَصغى.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

  • ر :: خَفَقاتٌ مُتَوالِياتٌ خَفيفاتٌ لِطَرَفِ اللِّسانِ على

اللِّثة، والنَّفَسُ يَجري من تَحتِها مُستَرسِلاً. فالمَبدَأُ تَوالٍ لا يَنقَطِع.

  • ح :: تَضَيُّقٌ عَميقٌ في أقصى الحَلقِ **يَحتَوي النَّفَسَ

الحارَّ، ووَجهُه الأوَّلُ التَّضييقُ والاحتِواءُ في الباطِن. فالوَسَطُ احتِواءٌ حارٌّ في مَوضِعٍ عَميق**.

  • م :: انطِباقٌ ضامٌّ لِلشَّفَتَينِ يُمسِكُ النَّفَسَ في جَوفٍ

مُغلَق. فالمُنتَهى إمساكُ ما احتُوِيَ.

فالتَّركيبُ: تَوالٍ، فاحتِواءٌ حارّ، فإمساك. والذي يَعني هذا المَفهومَ من الثَّلاثةِ هو الأوَّل: الرّاءُ في هذا الجَذرِ لَيسَت جَرَياناً واحِداً، هي خَفَقاتٌ، أي مَوجاتٌ تَتَكَرَّر. فالجَذرُ يَحمِلُ في أوَّلِه ما يَتَجَدَّد، وفي آخِرِه ما يَثبُت، والأوزانُ تَقتَسِمُ هذَينِ الطَّرَفَين.

وما تَدفَعُه هذه القِراءة: أنَّ المُصحَفَ يَقرِنُ في ٢:٣٧ و٢:٥٤ «التَّوَّابُ الرَّحِيمُ»، ولا يَقرِنُ بِالتَّوّابِ الاسمَ الآخَرَ من الجَذرِ نَفسِه. والتَّوبةُ رُجوعٌ يَقَعُ ثُمَّ يُعاد، مَرّةً على فَردٍ في ٢:٣٧ ومَرّةً على جَماعةٍ في ٢:٥٤. فالمَطلوبُ في مُقابَلَتِها اسمٌ يُفيدُ التَّكرارَ لا اسمٌ يُفيدُ السَّعة، وهذا هو ما يُعطيه تَوالي الرّاءِ مَحمولاً على وَزنِ فَعيلٍ الذي يُثبِتُ الصِّفةَ في مَوصوفِها. فالاقتِرانُ لَيسَ زينةَ فاصِلة: لا يُقابِلُ رُجوعاً مُتَكَرِّراً إلّا ما يَتَجَدَّدُ مِثلَه. وعلى هذا يُفهَمُ تَقَدُّمُ rahman عَلَيه في ١:١ و١:٣ و٢:١٦٣: الحَوضُ يَسبِق، وما يَتَجَدَّدُ فيه يَتلوه.

الصِّيَغ: وَزنُ «الرَّحيم»

«الرَّحيم» على وَزنِ فَعيل. هذا الوَزنُ في العَربيّة (كَكَريم، عَليم، حَكيم، قَدير، سَميع، بَصير) صِفةٌ مُشَبَّهةٌ تَدُلُّ على وُجودِ المعنى راسِخاً في المَوصوف، مُتَجَدِّداً علَيه دَواماً. الموصوفُ بفَعيل لا يَفقِدُ الصِّفةَ ولا تَفقِدُه؛ الصِّفةُ ثَبَتَت فيه ثَباتاً يَتَجَدَّدُ بنَبضِ الزَّمَن.

الفَرقُ بَين فَعْلان وفَعيل (في الجَذرِ ذاتِه ر-ح-م):

| الوَزن | ما يُضيفُه | |---|---| | فَعْلان (الرَّحمن) | المَلْءُ في فَيضٍ واحدٍ يَشمَلُ كُلَّ شيءٍ مَرّةً | | فَعيل (الرَّحيم) | الثَّباتُ المُتَجَدِّد، التَّكرارُ الذي لا يَنقَطِع |

فالرَّحيمُ هو الذي تَدومُ رَحمَتُه دَواماً مُتَجَدِّداً: تَأتي وتَأتي، لا تَنفَدُ ولا تَنقَطِع. الرَّحمنُ يَفيضُ على الكلِّ مَرّةً بسَعةِ الفَيض؛ الرَّحيمُ يَتَنَزَّلُ مَرّةً بَعدَ مَرّةٍ على من فَتَحَ نَفسَه للإصغاء.

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: لو حُذِفَ ذِكرُ «فَعيل» من هذه الفِقرة، يَبقى

المَعنى قائماً (احتِواءٌ حَيٌّ ثابِتٌ مُتَجَدِّد، إذ هي طَبيعةُ

الجَذرِ على الموصوفِ الذي يَلتَفِتُ إليه). الوَزنُ يُضيفُ التَّجَدُّدَ

والثَّبات؛ لا يُعطي الرَّحمةَ من الصِّفر.

المِفتاحُ البِنيَويُّ، الرَّحيمُ كَالقُربِ المُتَجَدِّدِ الذي يُكَمِّلُ سَعَةَ الرَّحمنِ في كُلِّ قانونٍ تَبادُليّ: الرَّحيمُ لَيسَ قانوناً بَل الصِّفَةُ الإلَهيَّةُ التي تَضمَنُ تَجَدُّدَ القَوانينِ على المُلتَفِت. الرَّحمنُ يَفيضُ سَعَةً، والرَّحيمُ يَتَنَزَّلُ تَجَدُّداً. الاثنانِ مَعاً يَفتَحانِ بُنيَةَ التَّبادُل:

  • في التَّوبَة (٢:٣٧، ٢:٥٤): «التَّوَّابُ الرَّحيم»: كُلَّما تابَ

العَبدُ تَجَدَّدَت رَحمَتُه. الاقتِرانُ الثَّابِت: لا تَوبَةٌ بِلا رَحيم.

  • في الدُّعاء (٢:٢٨٦): «وَارحَمنا»: الفِعلُ المَطلوبُ من اسمِه

الرَّحيم. العَبدُ يَطلُبُ تَجَدُّدَ القُرب.

  • في الإحسان: الرَّحيمُ صِفَةٌ تَتلو الإحسانَ من العَبدِ: الإِحسانُ

يَفتَحُ قَناةَ القُربِ المُتَجَدِّد.

  • في اللُّطفِ والرَّأفَة (٢:١٤٣): «لَرَؤوفٌ رَحيم»: الرَّأفَةُ

تَسبِقُ الرَّحيمَ (لُطفٌ قَبلَ الحاجَة)، والرَّحيمُ يَختِمُها (قُربٌ يَطمَئِنُّ بِه القَلب).

الرَّحيمُ إذَن شَرطُ تَجَدُّدِ كُلِّ قانونٍ تَبادُليٍّ على العَبد: السَّعَةُ الرَّحمنيَّةُ تُوجَدُ مَرَّةً واحِدَةً بِكَونِ المَخلوقِ مَخلوقاً؛ لَكِنَّ القانونَ التَّبادُليَّ يَنزِلُ كُلَّ يَومٍ جَديد، وَهذا التَّنَزُّلُ يَجري بِالرَّحيم. لِذلكَ يَأتي الرَّحيمُ تالِياً لِلرَّحمنِ في كُلِّ بَسمَلَةٍ افتِتاحاً: السَّعَةُ أَوَّلاً (ضَمانُ الإمكان)، ثُمَّ القُربُ المُتَجَدِّدُ (ضَمانُ الجَريان).

والجَذرُ يَكشِفُ هذا: استِرسالٌ يَجري (ر)، احتِواءٌ في الباطِن (ح)، تَجَمُّعٌ في وِعاء (م)، مَع وَزنِ فَعيل الذي يُثَبِّتُ الصِّفَةَ مُتَجَدِّدَةً. الرَّحيمُ هو الاحتِواءُ الحَيُّ الثَّابِتُ المُتَجَدِّد: يَنزِلُ على كُلِّ مَنِ التَفَتَ، مَرَّةً بَعدَ مَرَّة، بِلا انقِطاع.

ولِذلكَ كانَ الرَّحيمُ مَخصوصاً بِالمُلتَفِتِ (المُؤمِن) خِلافاً لِلرَّحمنِ العامّ: التَّجَدُّدُ يَحتاجُ مَحَلّاً يَستَقبِل، والسَّعَةُ لا تَحتاج. هذا التَّقسيمُ بِنيَويٌّ، يَكشِفُه الوَزنُ عَلى الجَذرِ الواحِد.

الفُروق المَعنويّة: الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى

  • الرَّحمن (الرَّحمن): الجِذرُ ذاتُه ر-ح-م على وَزنِ فَعْلان.

السَّعةُ مَقابِلَ القُرب. يَلتَقيانِ في ١:١ في تَتابُعٍ مَقصود.

  • rahma (الرَّحمة): الجِذرُ ذاتُه في صيغةِ المصدَر / الاسم.

المَواضع: مَواقعُ الرَّحيمِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ١:١ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾: مَوضعُ الافتِتاح. الرَّحيمُ يَأتي تالِياً للرَّحمنِ مُباشَرةً، فيَختِمُ

مَدخَلَ الكتاب: السَّعةُ أوّلاً، ثُمّ القُرب. القارئُ الذي اتَّصَلَ بـ«ب»، ورَفَعَ بـ«اسم»، ودَخَلَ في «اللَّه»، ثُمّ اتَّسَعَ في «الرَّحمن»، يَستَقِرُّ هنا في حالٍ تَدومُ علَيه: قُربٌ يَتَجَدَّدُ ما دامَ مُصغياً.

  • ١:٣ ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾: التَّكرارُ مَع الرَّحمن. يَرى

بَعضُ المُصاحِفِ أنّ هذه الآيةَ مُستَقِلّة، وَيَرى بَعضُهم أنّها جُزءٌ من ١:٢. أيّاً كانَ التَّقسيم، التَّكرارُ بِنيَويّ. الرَّحيمُ يَستَقِرُّ في النَّفسِ مَرّتَين قَبلَ أن تَأتي ١:٤ «مالِكِ يَومِ الدِّين»: القُربُ المُتَجَدِّدُ مَفروشٌ تَحتَ السُّلطةِ التي سَتُذكَر، فلا تُؤخَذُ السُّلطةُ مُجَرَّدةً.

  • ٢:٣٧ ﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ

إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، المَوضِعُ الذي كانَ القِسم ٥ يَتَوَقَّعُه. «التَّوّابُ الرَّحيم»: أَوَّلُ مَرَّةٍ يَجتَمِعُ التَّوّابُ مع الرَّحيم. الرَّحيمُ هنا يَأتي بَعدَ التَّوبة: الاسمُ يُثَبِّتُ أنَّ قَبولَ التَّوبةِ لَيسَ استِثناءً بَل طَبيعةٌ مُتَجَدِّدةٌ في الرَّبّ. «التَّوّاب» الكَثيرُ قَبولِ التَّوبة + «الرَّحيم» القُربُ المُتَجَدِّد: مَعادِلةُ العَودةِ الكامِلة. انظُر التَّوبة والتَّلَقِّي.

  • ٢:١٤٣ ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾: وفي ذَيلِ الآيةِ «إنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءوفٌ رَحيمٌ»، اقتِرانٌ جَديد: «رَؤوفٌ رَحيم». الرَّأفةُ (ر-أ-ف) تَسبِقُ الرَّحيمَ لِأَنَّها دِفاعٌ يَسبِقُ الحاجةَ، والرَّحيمُ يَعقُبُها اطمِئناناً. جاءَ في سِياقِ تَحويلِ القِبلةِ وثِقلِه على النُّفوس: الرَّأفةُ أَي «اللُّطفُ قَبلَ الشَّكوى» سَبَقَت ثِقلَ التَّحويل.
  • ٢:٥٤ ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: الاقتِرانُ ذاتُه يَعودُ لِلمَرَّةِ الثّانية بَعدَ ٢:٣٧. الفَرقُ في السِّياق: في ٢:٣٧ كانَت التَّوبةُ على آدَمَ الفَرد، وفي ٢:٥٤ كانَت التَّوبةُ على القَومِ الجَماعَة. الرَّحيمُ مُقتَرِنٌ بالتَّوّابِ في الحالَتَين: التَّوبةُ جَماعيَّةً كانَت أم فَرديَّةً تَجِدُ أَمامَها رَحمةً مُتَجَدِّدة.
  • ٢:١٦٣ ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾: الاجتِماعُ الكاملُ مع الرَّحمن في آيةِ التَّوحيدِ. كما سَبَقَ في القِسم ٥ من مَفهوم الإنشاء: الزَّوجانِ لا يَعودانِ معاً في سُورةِ البَقَرةِ بَعدَ الفاتِحةِ إلَّا هنا. الآيةُ تُعلِنُ أَنَّ الإلهَ الواحِدَ يَتَجَلَّى في العالَمِ رَحمةً واسِعةً (رَحمن) ونافِذةً (رَحيم). وَحدانيَّةٌ بِرَحمَةٍ مُزدَوِجَة.
  • ٢:٢٨٦ ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا﴾: الرَّحيمُ يَعودُ في خاتِمةِ البَقَرةِ في صورةِ الفِعلِ المَطلوب: «وَارحَمنا». الجَديدُ: لَيسَ الاسمَ مَوصوفاً بَل الفِعلَ مَطلوباً، العَبدُ في خاتِمةِ السُّورةِ يَطلُبُ من الرَّحيمِ أن يُمارِسَ شِحنَةَ اسمِه. الطَّلَبُ يَأتي بَعدَ العَفوِ والمَغفِرة: العَفوُ يَمحو، والمَغفِرةُ تَستُر، والرَّحمةُ تُكَمِّلُ بِالقُربِ المُتَجَدِّد. التَّرتيبُ كاشِف: الرَّحمةُ نِهايةُ مَسارِ التَّربيةِ الإلهيَّة لا بِدايَتُها. والرَّحيمُ الذي تَدومُ رَحمَتُه دَواماً مُتَجَدِّداً هو الذي يُرجى مَنه «وَارحَمنا» في كُلِّ تَجَدُّدٍ من حالِ العَبد.
  • ٣:١٣٢ ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: الجَديدُ: تُجعَلُ الرَّحمةُ غايةً مَرجُوّةً لِفِعلِ طاعةٍ لا عَطاءً ابتِدائيّاً، وتُبنى لِلمَجهول: «تُرحَمون». فيُقرَأُ المَفهومُ من جِهةِ ما يُهَيِّئُ لَه العَبدُ نَفسَه. انظُر الرَّسول.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • rahman: الزَّوجُ المُلازِمُ في ١:١ ولا يَعودانِ مَجموعَين في

البَقَرةِ كلِّها إلّا في ٢:١٦٣. حين يَفتَرِقانِ في البَقَرة، يَحضُرُ «الرَّحيم» وَحدَه عند لحظةِ الرُّجوع في ٢:٣٧: القُربُ المُتَجَدِّدُ يَقتَرِنُ بِالتَّوبة. سُجِّلَ في القِسم ٤.

  • tawwab (التَّوّاب): يُلازِمُ الرَّحيمَ في القرآنِ مَوضِعاً بَعدَ

مَوضِع. القُربُ المُتَجَدِّدُ يَستَدعي توبةً مُتَجَدِّدة. يُسَجَّلُ هنا حين نَصِلُ إلى المَواضِع.

الإشكالات المَفتوحة

  • هل «الرَّحيم» مَخصوصٌ بالمؤمنين، خِلافاً للرَّحمنِ الذي يَعُمّ؟

المَوقِفُ السائد: نَعَم. القُربُ المُتَجَدِّدُ بطَبعِه يَختصُّ بمن أصغى، لأنّ التَّجَدُّدَ يَحتاجُ إلى مَحَلٍّ يَستَقبِل. السَّعةُ تَشمَلُ بمُجَرَّدِ الكَون؛ القُربُ يَتَنَزَّلُ على المُلتَفِت. لا نُغلِقُ الإشكالَ هنا بقَطعِيّة، ولكنّه التَّوجيهُ الذي تَدُلُّ علَيه الصِّيغة.

  • **«رَحيم» وَصفاً للنَّبيِّ ﷺ في القرآن (٩:١٢٨، «بِالمُؤمِنينَ رَؤوفٌ

رَحيم»، وسورةُ التَّوبةِ خارِجَ المَنشورِ فلا يُقتَبَسُ لَفظُها بِحَرفِه)**، الجَذرُ ذاتُه يَلِجُ في الإنسان، فلا يَكونُ الاسمُ مَحفوظاً لله وَحدَه بصورَتِه؛ ولكنّه «الرَّحيم» مُعَرَّفاً يَنفَردُ به اللهُ. هذا يُسَجَّلُ في القِسم ٤ حين نَصِلُ إلى المَواضِع، لا قبلَه.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن