الشَّفاعة
جَعلُ الواحِدِ زَوجاً بِحُضورِ آخَرَ مَعَه. الشَّفيعُ يَصُفُّ نَفسَه إلى المَشفوعِ له فيَصيرانِ اثنَين لا واحِداً. في ٢:٤٨ هذا التَّضعيفُ مَنفيٌّ على ذلك اليَوم.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثَلاثةُ حُروف:
- ش: انتِشارٌ وتَفَرُّق، كَشفٌ دَقيق.
- ف: تَفريقٌ في مَضيق، انفِتاحٌ وكَشف.
- ع: قَبضٌ حَلقيٌّ من العُمق.
النَّواةُ شف = انتِشارٌ دَقيقٌ يَكشُف: ما يَنبَثِقُ رَقيقاً ليَجعَلَ شَيئاً ظاهِراً. الإغلاقُ بـع يَضُمُّ هذا الانتِشارَ إلى عُمقِ المَوقِف ويُضيفُه إليه، فيَصيرُ الجَذرُ: انبِثاقٌ دَقيقٌ يَنضَمُّ إلى ما كانَ فيَصيرانِ مَعاً (الشَّفعُ ضِدُّ الوَتر).
ومنه في كَلامِ العَرَب:
- الشَّفعُ: الزَّوجُ (العَدَدُ المُتَزَوِّج)، والمُصحَفُ نَفسُه
يُقابِلُه بِنَقيضِه في قَسَمٍ واحِد ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ (٨٩:٣)، فالمُقابَلةُ مَنصوصةٌ لا مُستَنبَطة.
- شَفَعَ: جَعَلَ الواحِدَ زَوجاً بِانضِمامِه إلَيه.
- الشَّفيعُ: مَن يَنضَمُّ إلى آخَرَ فيَجعَلُه اثنَين في مَعرِضِ الحُكم.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- لا يُقبَلُ مِنها شَفاعة (نَفيٌ بِالمَجهول): في ٢:٤٨. «مِنها» أي من النَّفسِ المُحاسَبة. الشَّفاعةُ مَنفيَّةٌ بِصيغةِ عَدَمِ القَبول: ليسَت مُستَحيلةَ الوُجودِ بَل غَيرَ مَقبولة.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: جَعلُ الواحِدِ زَوجاً بِالانضِمامِ من الجَذر. «شَفاعة» مَصدَرٌ يَجمَعُ هذا الفِعل.
المِفتاحُ البِنيَويُّ، الشَّفاعةُ كَالقَناةِ التي تَنقُلُ تَأثيراً مِن طَرَفٍ ثالِثٍ إلى حِسابِ النَّفس: الشَّفاعةُ في المُسَجَّلِ على ثَلاثِ حالاتٍ لا رابِعَ لَها:
- مَنفِيَّةً يَومَ الحِساب: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾
(٢:٤٨)، ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ (٢:١٢٣)، ﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ (٢:٢٥٤). وهي في ٢:٤٨ البابُ الثَّاني المَنفيُّ من أَبوابِ ذلك اليَومِ الأَربَعَة.
- مَنفِيَّةً عَمَّن يُتَّخَذُ من دونِ الله: ﴿لَّا تُغْنِ عَنِّي
شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ (٣٦:٢٣).
- مَوقوفةً على الإذن: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا
بِإِذْنِهِ﴾ (٢:٢٥٥)، ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ (٢٠:١٠٩). فالشَّفاعةُ لَيسَت حَقّاً لِلشَّافِعِ بَل تَفويضاً.
ولَيسَ في المُسَجَّلِ مَوضِعٌ واحِدٌ تُثبَتُ فيه الشَّفاعةُ بِلا إذن، ولا مَوضِعٌ يَصِفُ عَمَلَها بَينَ النّاسِ في الدُّنيا. فما يُقالُ عن مَيلِ الحاكِمِ مَعَ الشَّافِعِ تَسمِيةٌ من خارِجِ المُدَوَّنةِ لا يَحمِلُها نَصٌّ مَنشور، ولِذلك لا يُبنى عَلَيه هُنا.
الشَّفاعةُ إذَن القانونُ الذي يَكسِرُ فَردانِيَّةَ النَّفس: تَجعَلُها زَوجاً بَعدَ أَن كانَت وَترا (شَفعٌ مِن وَتر). وَلِأَنَّ يَومَ الجَزاء ساحَةُ تَفَرُّدِ كُلِّ نَفسٍ بِحِسابِها، يُغلَقُ هذا البابُ تَلقائيّاً: الشَّفاعةُ بِنيَويّاً تُناقِضُ بِنيَةَ الجَزاء.
الجَذرُ يَكشِفُ هذا: انتِشارٌ دَقيق (ش)، شَقٌّ ضَيِّقٌ يُفَرِّق (ف)، قَبضٌ من العُمق (ع). الشَّفاعةُ هي الانضِمامُ الدَّقيقُ مِن العُمق: ما يَنبَثِقُ رَقيقاً لِيَزيدَ عَلى المَشفوعِ لَه ثُمَّ يَنضَمَّ إلى مَوقِفِه. وهذا الانضِمامُ في المُسَجَّلِ لا يَنعَقِدُ إلّا بِإذنِ مَن بِيَدِه الحُكم.
ولِذلكَ تَأتي الشَّفاعةُ ثاني الأَبوابِ المَنفيَّة في ٢:٤٨ (بَعدَ الجَزاء): كِلاهُما يَنفيانِ نَقلَ التَّأثيرِ بَين الحِسابات. الجَزاءُ يَنفي نَقلَ الحِسابِ ذاتِه؛ والشَّفاعةُ تَنفي تَأثيرَ طَرَفٍ ثالِثٍ على الحِساب.
الفُروق المَعنويّة
لا فُروعَ مُتَمَيِّزةٌ بِجَذرٍ مُنفَصِل.
المَواضع: مَواقعُ الشَّفاعةِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٤٨ ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الشَّفاعةُ تَدخُلُ القُرآنَ هُنا مَنفِيَّةَ القَبول. بَعدَ نَفيِ الجَزاءِ (لا مُقاصَّةَ بَينَ حِسابَين) جاءَ نَفيُ الشَّفاعة: لا ثانيَ يَنضَمُّ إلى الأَوَّلِ فيُخَفِّفُ عَنه. وصيغةُ النَّفيِ «لا يُقبَلُ» لا «لا تَكونُ»: المَنفيُّ القَبولُ لا الوُقوع، فيَبقى البابُ مُعَلَّقاً على مَن بِيَدِه القَبول.
- ٢:١٢٣ ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾: تَكرارُ النَّفيِ. «لا تَنفَعُها» لا «لا يُقبَلُ مِنها»، وَجهٌ مُختَلِف: الشَّفاعةُ لَو جاءَت لَم تَنفَع. الصِّيغةُ تُقَرِّرُ عَدَمَ الجَدوى لا مُجَرَّدَ الرَّفض: حتّى مَن انضَمَّ لا يَستَطيعُ الإِفادة.
- ٢:٢٥٤ ﴿لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾: الجَديدُ: تُنفى الشَّفاعةُ ثالِثةَ ثَلاثةٍ لا رابِعَ لَها، وقَرينُها هُنا البَيعُ والخُلَّة: مُعاوَضةٌ ومَوَدَّة. فيُقرَأُ البابُ المَسدودُ من جِهةِ الوَسائِطِ الثَّلاثِ التي يَتَّكِئُ عَلَيها النّاسُ بَينَهُم: ثَمَنٌ يُدفَع، وصُحبةٌ تَشفَع، وضَميمةٌ تُقَوّي. والنَّفيُ هُنا مُطلَقٌ بِلا فِعلٍ يُقَيِّدُه، لا «يُقبَلُ» ولا «تَنفَعُ».
- ٢:٢٥٥ ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾: الجَديدُ: يَرِدُ الجَذرُ فِعلاً مُضارِعاً لِأوَّلِ مَرّة، وفي استِفهامٍ إنكاريٍّ يَستَثني: فلا يُنفى البابُ بَل يُعَلَّقُ. وهذا المَوضِعُ هو الذي يَمنَعُ أن تُقرَأَ نُفوياتُ ٢:٤٨ و٢:١٢٣ و٢:٢٥٤ إبطالاً لِلجِنس: المَنفيُّ شَفاعةٌ بِلا إذن. وظَرفُ «عِندَه» يُعَيِّنُ المَوقِفَ الذي تُطلَبُ فيه، وضَميرُ «بِإذنِه» يُعَيِّنُ مَن يَملِكُها. انظُر الكُرسيّ.
- ٢٠:١٠٩ ﴿يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾: الجَديدُ: يَجتَمِعُ في آيةٍ واحِدةٍ لَفظُ ٢:١٢٣ («لا تَنفَعُ») واستِثناءُ ٢:٢٥٥ («إلّا … أذِنَ»)، فيُقطَعُ التَّرَدُّدُ بَينَهُما: النَّفيُ والإذنُ حُكمانِ في مَوضِعٍ واحِدٍ لا حُكمانِ مُتَعارِضان. ويُزادُ شَرطٌ ثانٍ لم يَسبِقْ: «ورَضِيَ لَهُ قَولاً»، فلا يَكفي الإذنُ لِلشَّخصِ حتّى يُرضى القَولُ نَفسُه. فتَنتَقِلُ الشَّفاعةُ من بابِ الجاهِ إلى بابِ المَقالِ المَرضِيّ.
- ٣٦:٢٣ ﴿إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ﴾: الجَديدُ: تُنفى الشَّفاعةُ عن آلِهةٍ مُتَّخَذةٍ في حالِ ضُرٍّ مُرادٍ من الرَّحمن، فيُقرَأُ المَفهومُ من جِهةِ عَجزِ الوَسيطِ عندَ نُفوذِ الإرادة.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
nafs: الشَّفاعةُ مَنفيَّةٌ عَن النَّفسِ في ٢:٤٨.jaza: الجَزاءُ والشَّفاعةُ أَوَّلُ بَابَين مُغلَقَين.qabul: القَبولُ مَنفيٌّ عَن الشَّفاعةِ هُنا.
الإشكالات المَفتوحة
- هَل الشَّفاعةُ مَنفيَّةٌ في المُسَجَّلِ نَفياً مُطلَقاً؟ لا.
أربَعةُ مَواضِعَ تَنفي (٢:٤٨ و٢:١٢٣ و٢:٢٥٤ و٣٦:٢٣) ومَوضِعانِ يَستَثنِيانِ بِالإذن (٢:٢٥٥ و٢٠:١٠٩)، والنَّفيُ والاستِثناءُ يَجتَمِعانِ في آيةٍ واحِدةٍ في ٢٠:١٠٩. فالمَنفيُّ شَفاعةٌ بِلا إذنٍ لا الجِنسُ كُلُّه. أُغلِقَ.
- مَنِ المُستَثنى في ٢٠:١٠٩، الشّافِعُ أم المَشفوعُ لَه؟ «إلّا
مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحمنُ ورَضِيَ لَهُ قَولاً» تَحتَمِلُ الوَجهَين: أن يَكونَ المُستَثنى مَوقِعَ النَّفعِ فيَكونَ المَشفوعَ لَه، وأن يَكونَ صاحِبَ الفِعلِ فيَكونَ الشّافِع. و«رَضِيَ لَهُ قَولاً» أقرَبُ إلى مَن يَقول، لكِنَّ النَّفعَ في صَدرِ الآيةِ أقرَبُ إلى مَن يُنتَفَع. ولا يَقطَعُ المَفهومُ بِأحَدِهِما. مَفتوح.
- **لِمَ لم يَرِدْ في المُسَجَّلِ وَصفٌ لِعَمَلِ الشَّفاعةِ بَينَ
النّاسِ؟** المَواضِعُ السِّتَّةُ كُلُّها في مَقامِ الحُكمِ الإلهيّ: يَومٌ يُحاسَبُ فيه، أو آلِهةٌ تُتَّخَذُ من دونِه، أو إذنٌ يُملَك. وسِتَّةُ مَواضِعَ أقَلُّ من أن يُبنى عَلَيها حُكمُ غِياب، ويُنتَظَرُ تَسجيلُ سُوَرٍ أُخرى.