اليَوم
حِصّةٌ زَمَنيّةٌ ذاتُ بِدايَةٍ ونِهاية، تَجري فيها الأحداثُ ثُمّ تَلتَئِم. ليس الزَّمَنَ المُطلَق، حِصّةٌ مِنه مَحدودةٌ بطَرَفَين.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ي: حرفُ مَدٍّ مع لِين. الفَمُ يَنبَسِطُ بانسِيابيّة. شِحنَتُه:
امتِدادٌ مَعَ لِين، حركةٌ تَنزَلِقُ بِسُهولة.
- و: حرفُ مَدٍّ ووَصل. شِحنَتُه: وَصلٌ ورَبط، امتِدادٌ مَوصول.
- م: تَجَمُّعٌ وتَلاصُق، إغلاقٌ يَحفَظ.
النَّواةُ يو (ي + و) = امتِدادٌ مُنبَسِطٌ مَوصول، مَدّةٌ تَنزَلِقُ وتَتَّصِل. الإغلاقُ بـم يَجمَعُ هذا الامتِدادَ ويَحبِسُه في حَيِّز، فيَصيرُ الجَذرُ كلُّه: مُدّةٌ مُمتَدّةٌ تَنتَهي إلى تَجَمُّع، حَيِّزٌ زَمَنيٌّ تَجري فيه الأحداثُ ثُمّ تَلتَئِم.
الشِّحنةُ الجامعةُ للجَذرِ ي-و-م: حَيِّزٌ زَمَنيٌّ ذو طَرَفَين، حِصّةٌ مَحدودةٌ من المُدّة. هذه شِحنَةٌ تَنطِقُ بِها حُروفُ الكَلِمَةِ كاملةً في العَرَبيَّة من غَيرِ حاجَةٍ إلى رَدٍّ خارِجَها.
الصِّيَغ: كيف يَردُ «اليَوم» في القرآن
- يَوم (مُفرَد، نَكِرة): حِصّةٌ زَمَنيّةٌ غَيرُ مُعَيَّنة. تَنتَظِرُ
ما يُحَدِّدُها بإضافةٍ أو وَصف.
- اليَوم (مُعَرَّف): حِصّةٌ زَمَنيّةٌ مَعروفة، إمّا اليَومُ
الحاضِر، أو يَومٌ مَوعودٌ تُتَّفَقُ علَيه الإشارة.
- يَومَ... (مُضاف): أكثرُ المَواضِعِ. اليَومُ مُضافاً إلى ما
يُمَيِّزُه: «يَومَ القِيامة»، «يَومَ الدِّين»، «يَومَ يَلقَونَه». الإضافةُ هي التي تَكشِفُ مَدى الحِصّة.
- يَومَئذٍ: اليَومُ الذي وَقَعَ فيه ذلك. يُحَدِّدُ بحَدَثٍ سابِق.
- أيّام (جَمع): حِصَصٌ زَمَنيّةٌ مُتَعَدِّدة.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: «يَوم» اسمٌ مُجَرَّد، لا وَزنَ يَتَدَخَّلُ في
دَلالَتِه. الجَذرُ يُعطي «حِصّةً زَمَنيّةً مَحدودة»، والصِّيَغُ
تَختَلِفُ في تَعريفِها وَتَعَدُّدِها.
المِفتاحُ البِنيَويُّ، اليَومُ كَالحَيِّزِ الزَّمَنيِّ الذي تَتَفَعَّلُ فيه القَوانينُ وتُغلَقُ: اليَومُ لَيسَ قانوناً بَل الحاوي الزَّمَنيُّ الذي تَجري داخِلَه القَوانينُ. كَما أنَّ المُلكَ حاوٍ مَكانيٌّ، اليَومُ حاوٍ زَمَنيّ. كُلُّ يَومٍ في القُرآنِ يُحَدَّدُ بِما يَفعَلُه فيه القانون:
- يَومُ الدِّين (١:٤): اليَومُ الذي تُسَدَّدُ فيه العُقود.
- اليَومُ الآخِر (٢:٨، ٢:٦٢): يَومُ النِّهايَةِ الذي يُعقَدُ
عَلَيه الإيمان.
- يَومُ الجَزاء (٢:٤٨، ٢:١٢٣): يَومُ إغلاقِ الأَبوابِ الأَربَعَة.
- اليَومُ المَوعود (٨٥:٢): يَومُ تَحَقُّقِ الوَعد.
- يَومُ الغاشِيَة (٨٨:١): يَومُ الإِطباقِ الكاشِف.
اليَومُ إذَن الفاصِلُ الزَّمَنيُّ بَين طَرَفَين: ما قَبلَه دُنيا (قَوانينُ مَفتوحَة) وما بَعدَه أَبَدِيَّةٌ (قَوانينُ مُغلَقَة). ولِأَنَّ كُلَّ قانونٍ يَحتاجُ زَمَناً يَفعَلُ فيه، يَأتي اليَومُ مُضافاً غالِباً إلى ما يُمَيِّزُ طَبيعَةَ الفِعلِ فيه: يَومُ الدِّين (سَدادُ الدَّيوُن)، يَومُ الفَصل (الفَصلُ بَينَ المُتَخاصِمين)، يَومُ القِيامَة (انبِعاثُ الأَجسام).
الجَذرُ يَكشِفُ البِنيَة: امتِدادٌ لَيِّن (ي)، استِدارَةٌ (و)، تَجَمُّع (م). اليَومُ هو المُدَّةُ المُمتَدَّةُ المُستَديرَةُ المَجموعَة: لَه بِدايَةٌ ونِهايَة، يَدورُ فيه ما يَدور، ثُمَّ يَلتَئِم. اليَومُ في القُرآنِ لَيسَ زَمَناً مُجَرَّداً بَل حِصَّةً مُقَدَّرَة لِأَجلِ حَدَثٍ مُعَيَّن.
ولِذلكَ يَفتَتِحُ مَفهومُ اليَومِ في الفاتِحَةِ بِأَهَمِّ يَومٍ في المَنظومَة ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١:٤): اليَومُ الأَخيرُ الذي تَلتَقي فيه كُلُّ خُيوطِ الدِّين. مِنه تَتَفَرَّعُ كُلُّ الإحالاتِ الزَّمَنيَّةِ الأُخرى.
الفُروق المَعنويّة: الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى
(لا فُروقَ مَعنويّةً مُستَقِلّةً تَستَحِقُّ مَفهوماً مُنفَصِلاً تَحتَ هذا الجَذر. الجَذرُ ي-و-م قَليلُ الإنتاج، يُعطي «اليَوم» وَ«الأيّام» وَلا يُولِّدُ فُروعاً ذاتَ شِحنةٍ مُختَلِفة.)
المَواضع: مَواقعُ اليَوم في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ١:٤ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: مَوضعُ الافتِتاح.
«يَوم» يَأتي مُضافاً إلى «الدِّين» وَمَجروراً بإضافةِ «مالِك» إلَيه. الكَلِمةُ تَدخُلُ القرآنَ هنا في صورَتِها التي تَتَكَرَّرُ كَثيراً في الكتاب: يَومٌ مُسَمًّى، مَوصوفٌ بما يَكشِفُه. هذا أوّلُ ما يَلتَقي القارئُ بمَفهومِ «يَوم» في القرآن، وَلَيسَ يَوماً عادِيّاً من أيّامِ الدُّنيا، يَومٌ تَنكَشِفُ فيه نُقطةُ النِّهايةِ. الفاتحةُ تَفتَتِحُ بكَلِمةٍ ستَتَكَرَّرُ في البَقَرةِ كَثيراً (٢:٤٨ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾، ٢:١٢٣، ٢:٢٥٤، ٢:٢٨١).
- ٢:٨ ﴿وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: اليَومُ يَرِدُ هنا مُضافاً إلى «الآخِر»
في ادِّعاءِ المُنافِقين. الصِّيغةُ «اليَومُ الآخِر» لا «الآخِرة»: تَحديدٌ زَمَنيٌّ (حِصَّةٌ ذاتُ طَرَفَين) يَجعَلُ الادِّعاءَ مَبنِيّاً على أُطُرٍ زَمَنِيَّةٍ مَعروفة. مَن يَتَشَدَّقُ باليَومِ الآخِرِ ادِّعاءً دُونَ أن يَعمَلَ لَه يُثبِتُ أنَّ اليَقينَ بهذا اليَومِ لم يَستَقِرَّ في قَلبِه كَما في ٢:٤ ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. انظُر الآخِرة والنِّفاق.
- ٢:٤٨ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾: المَوضِعُ المُتَوَقَّعُ يَتَحَقَّق. «يَوماً» بِالتَّنكيرِ: يَومٌ من جِنسٍ لا يَعرِفُه المُخاطَب. أَربَعةُ أَبوابٍ مَنفيَّةٌ في هذا اليَوم: الجَزاءُ والشَّفاعةُ والعَدلُ والنَّصر. الأَمرُ بِالتَّقوى مُتَوَجِّهٌ نَحوَ هذا اليَوم. انظُر التَّقوى والجَزاء والنَّفس.
- ٢:٦٢ ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: اليَومُ الآخِرُ يَرِدُ هُنا شَرطاً فَرديّاً في سِياقِ الأَسماءِ الأَربَعة. الجَديدُ: اليَومُ الآخِرُ مَذكورٌ في ثُنائيَّةٍ مَعَ الإيمانِ بِالله لا بِالآخِرةِ وَحدَها: «آمَنَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِر» مَبدَأٌ ومَصير، بِداءةٌ ونِهاية. مَن جَمَعَ الاثنَين فَقَد جَمَعَ القَوسَين.
- ٢:١٢٣ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾: تَكرارُ صِيغةِ ٢:٤٨ حَرفِيّاً تَقريباً. الجَديدُ: السِّياقُ مُختَلِف، بَعدَ الخِطابِ الإبراهيميِّ. التَّكرارُ يُقَرِّرُ أنَّ قانونَ «لا تَجزي نَفسٌ عَن نَفسٍ» ليسَ مَوقوفاً على خِطابِ بَني إسرائيلَ وَحدَه بَل هو قانونٌ كَونيٌّ يَسري على كُلِّ مَن استَمَعَ.
- ٢:١٢٦ ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: اليَومُ الآخِرُ غَيرُ مُصَرَّحٍ بِه لكنَّ «أَضطَرُّه إلى عَذابِ النّار» يَدُلُّ على مَصيرٍ زَمَنيٍّ مُقبِل. السِّياقُ دُعاءُ إبراهيم: اليَومُ حاضِرٌ ضِمنَ أُفُقِ الدُّعاء.
- ٣:٩ ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾: الجَديدُ: يَرِدُ اليَومُ نَكِرةً مَجروراً بِلامِ الغاية، فيَصيرُ الجَمعُ مَوجَّهاً إليه لا واقِعاً فيه: النّاسُ يُجمَعونَ لِـيَومٍ. ويوصَفُ بِنَفيِ الرَّيبِ، وهو الوَصفُ الذي وُصِفَ بِه الكِتابُ في ٢:٢، فيَشتَرِكُ المُنَزَّلُ والمَوعِدُ في انتِفاءِ الشُّقوق. انظُر النّاس.
- ٣:٣٠ ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا﴾: الجَديدُ: يُذكَرُ اليَومُ ظَرفاً لِفِعلِ الوِجدانِ لا لِفِعلِ الحِساب، والمَوجودُ هو العَمَلُ نَفسُه «مُحضَراً». فيَتَحَوَّلُ اليَومُ من مَوعِدٍ يُخبَرُ عَنه إلى مَشهَدٍ يَجِدُ فيه كُلُّ واحِدٍ ما قَدَّم. انظُر النَّفس.
- ٣:١٠٦ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾: الجَديدُ: يوصَفُ اليَومُ بِما يَقَعُ فيه على الوُجوهِ لا بِما يَقَعُ فيه من قَضاء، فيُعرَفُ بِعَلامةٍ مَرئيّةٍ تُفَرِّقُ الفَريقَين. وهو أوَّلُ مَوضِعٍ يُعَرَّفُ فيه اليَومُ بِأثَرِه في الأبدانِ لا بِحُكمِه.
- ٣:١٨٥ ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: الجَديدُ: يُحصَرُ التَّوفيةُ في اليَومِ بِـ«إنَّما»، فيَصيرُ اليَومُ مَوضِعَ الاستيفاءِ وَحدَه لا مَوضِعَ العَطاء. وسِياقُه ذَوقُ المَوت، فيُوصَلُ اليَومُ بِنِهايةِ الأجَلِ لا بِبِدايةِ الحِساب. انظُر المَوت.
- ١٧:١٤ ﴿كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾: «اليَوم» مُعَرَّفاً مَنصوباً على الظَّرف، مَقولاً من داخِلِ اليَومِ لا عَنه. الجَديدُ: لم يَرِدِ «اليَوم» مُعَرَّفاً في المُسَجَّلِ إلّا مُلحَقاً بِـ«الآخِر» (٢:٨، ٢:٦٢)، أي مَوعِداً يُخبَرُ عَنه من خارِجِه؛ وهُنا يَقَعُ وَحدَه ظَرفاً لِخِطابٍ يَجري فيه، فتَنقَلِبُ الحِصّةُ من مَوعودٍ إلى حاضِر. والحاضِرُ فيه حَسيباً ليس آتِياً من خارِجٍ بَل «نَفسُك»، فيَتِمُّ ما يَقولُه الجَذر: حَيِّزٌ مُغلَقٌ بِطَرَفَينِ لا يُستَعانُ فيه بِما وَراءَهُما. انظُر النَّفس.
- ١٧:٥٢ ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾: اليَومُ مُضافاً إلى جُملةِ دُعاءٍ واستِجابة. الجَديدُ: تُقاسُ هُنا المُدّةُ السّابِقةُ بِمِقياسٍ يَنطِقُ بِه أهلُها أنفُسُهم لا بِمِقياسٍ يُخبَرونَ بِه: «إن لَبِثتُم إلّا قَليلاً». فالمِقدارُ مَنسوبٌ إلى المَوقِفِ الذي يُنظَرُ مِنه، ومَن وَقَفَ في الحِصّةِ المَفتوحةِ رَأى ما قَبلَها قَليلاً. وهذا أوَّلُ شاهِدٍ في المُسَجَّلِ على سُؤالِ القِسمِ السّادِسِ عن مِقدارِ الحِصّة: المِقدارُ ليس ثابِتاً لِأنَّه مَوقوفٌ على مَوضِعِ القائِس.
- ١٧:٥٨ ﴿نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: الجَديدُ: يَأخُذُ اليَومُ «قَبلاً» يُؤَرَّخُ بِه سِواه. كانَ في المُسَجَّلِ مَوعِداً يُنتَظَرُ أو ظَرفاً يَقَعُ فيه الفِعل، وهُنا يَصيرُ حَدّاً تُقاسُ إليه آجالُ القُرى: كُلُّ قَريةٍ مُهلَكةٌ أو مُعَذَّبةٌ قَبلَه. فالطَّرَفُ الذي يَقولُه الجَذرُ لا يُغلِقُ الحِصّةَ وَحدَها بَل يُوَقِّتُ ما دونَها.
- ٢٠:٥٩ ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾: الجَديدُ: أوَّلُ يَومٍ في المُسَجَّلِ ليس آخِرَ الآجالِ بَل يَومٌ يَجري في الدُّنيا، يُسَمّى بِما يُقامُ فيه («الزِّينة») ويُتَواعَدُ علَيه بَينَ خَصمَين. ويَرِدُ مَرفوعاً خَبَراً لِـ«مَوعِدُكُم» لا مَنصوباً على الظَّرف، فيَصيرُ اليَومُ نَفسُه هو المَوعِدَ لا وِعاءَ المَوعِد. ثُمَّ يُحَدُّ داخِلُه بِساعةٍ مِنه («ضُحًى»)، فتَظهَرُ الحِصّةُ قابِلةً لِلقِسمةِ إلى ما دونَها. وهو الشّاهِدُ الذي يَطلُبُه القِسمُ السّادِس: الكَلِمةُ تَحمِلُ يَومَ الدُّنيا كَما تَحمِلُ يَومَ الدِّين.
- ٢٠:١٠٢ ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾: الجَديدُ: يَجتَمِعُ «يَومَ» و«يَومَئِذٍ» في آيةٍ واحِدة، فيَنكَشِفُ في مَوضِعٍ واحِدٍ ما يُقَرِّرُه القِسمُ الثّاني: «يَومَئِذٍ» لا يَقومُ بِنَفسِه، يَرتَدُّ إلى يَومٍ سَمّاه حَدَثٌ قَبلَه، وهو هُنا مَذكورٌ صَريحاً («يُنفَخُ في الصُّور»). وفي ٨٩:٢٣ تُعادُ الكَلِمةُ مَرَّتَينِ ومُسنَدُها مَطويّ، وهُنا يُذكَرُ المُسنَدُ والإشارةُ مَعاً في نَفَسٍ واحِد.
- ٢٠:١٠٣ ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾: الجَديدُ: يُعَدُّ اللَّبثُ بِعَدَدٍ بِلا مَعدودٍ مَذكور: ﴿إِلَّا عَشْرًا﴾. فبَعدَ أن قيسَ المِقدارُ بِاليَومِ صَريحاً في ١٧:٥٢، ويُقاسُ بِه في الآيةِ التّالِيَةِ ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾، يَجيءُ العَدَدُ هُنا وَحدَه ويُحذَفُ تَمييزُه: فاليَومُ من الظُّهورِ بِحَيثُ يُفهَمُ وهو غائِبٌ عَنِ اللَّفظ. والقَولُ مُتَخافَتٌ بِه بَينَهُم، فالتَّقديرُ يُتَناقَلُ هَمساً ولا يُعلَن، ثُمَّ يُنطَقُ في ٢٠:١٠٤ بِتَقديرٍ آخَرَ مَذكورٍ فيه اليَوم. فوَحدةُ القِياسِ واحِدةٌ وإن اختَلَفَ العَدَدُ عَلَيها، والاختِلافُ في العَدِّ لا في المِقياس.
- ٢٠:١٠٤ ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾: الجَديدُ: يَرِدُ «يَوماً» نَكِرةً وَحدةَ عَدٍّ لا حِصّةً مَوعودة. كانَ التَّنكيرُ في ٢:٤٨ و٢:١٢٣ يَجعَلُه يَوماً من جِنسٍ لا يَعرِفُه المُخاطَب، وهُنا يَجعَلُه أصغَرَ ما يُقاسُ بِه اللَّبث. ويُقابِلُه في الآيةِ التي قَبلَه قَولٌ آخَرُ («إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا»)، فالعَدَدُ مُختَلَفٌ فيه بَينَ القائِلين، ويُوصَفُ صاحِبُ «يَوماً» بِأنَّه «أمثَلُهُم طَريقةً»: أقرَبُهُم إلى الصَّوابِ أشَدُّهُم تَقليلاً. وهو تَمامُ ما فَتَحَه ١٧:٥٢.
- ٨٥:٢ ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾: القَسَمُ الثَّاني في سورةِ البُروج. «اليَومُ المَوعود» = اليَومُ الذي وَعَدَ اللهُ به: حِصَّةٌ زَمَنِيَّةٌ مُؤكَّدةُ الوُقوعِ بِالوَعدِ الإلهيّ. التَّعريفُ بـ«ال» والإضافةُ بـ«مَوعود» يَجعَلانِه مَعهوداً في ذِهنِ المُخاطَب.
- ٨٨:١ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾: الغاشِيةُ اسمٌ يَكشِفُ طَبيعَةَ ما يُسَمّيه: ما يَغشى ويُطبِق. والسّورةُ نَفسُها تَصِلُه بِاليَومِ في الآيةِ التّالِيَة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾، فيُقرَأُ الاسمُ وَصفاً لِلحَيِّزِ الزَّمَنيِّ لا لِحَدَثٍ يَقَعُ فيه.
- ٨٩:٢٣ ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ﴾: الجَديدُ: يُعادُ «يَومَئِذٍ» مَرَّتَينِ في آيةٍ واحِدة، وهو أكثَفُ ما وَرَدَ اللَّفظُ في المُسَجَّل. والمَرَّتانِ تَقسِمانِ الحِصَّةَ فِعلَين: مَجيءٌ يَقَعُ من خارِجِ الإنسان، وتَذَكُّرٌ يَقَعُ في داخِلِه. ثُمَّ يُبطِلُ ذَيلُ الآيةِ الثّانيَ («وأَنّى لَه الذِّكرى») ولا يُبطِلُ الأوَّل. فيَتَبَيَّنُ ما يَقولُه الجَذر: الحِصَّةُ ذاتُ طَرَفَينِ مُغلَقَين، تَقبَلُ ما يُجاءُ بِها فيه ولا تَقبَلُ ما يُستَدرَكُ بَعدَ طَرَفِها.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
din: التَّجاوُرُ المُلازِمُ في ١:٤. اليَومُ مُضافٌ إلى الدِّين
لِيُحَدَّدَ ما يَجري فيه: حِصّةُ زَمَنٍ تُستَرَدُّ فيها العُهود. بدونِ هذه الإضافة، اليَومُ مُجَرَّد؛ بها يَنكَشِفُ مَدى الحِصّة.
malik: تَلتَقي «اليَوم» بـ«مالِك» في ١:٤ في مَوقِعٍ بِنيَوِيٍّ:
المالِكُ مالِكُ هذا اليَومِ خاصّةً، وَفي هذا اليَومِ تَنكَشِفُ المَلِكِيّةُ نَهائيّاً.
الإشكالات المَفتوحة
- هل «اليَوم» في القرآنِ يَومٌ من أيّامِ الدُّنيا (٢٤ ساعة)؟ بَعضُ
المَواضِعِ نَعَم (يَومُ المَعركة، يَومُ المَوعِد). كَثيرٌ من المَواضِعِ لا، إذ يُذكَرُ يَومٌ مِقدارُه ألفُ سَنة (مَوضِعٌ في غَيرِ ما كَتَبنا بَعد). الكَلِمةُ تَقبَلُ تَوَسُّعَ المَدى ما دامَ هناكَ طَرَفانِ مَحدودان. مَوقِفُنا: «اليَوم» في القرآنِ حِصّةٌ زَمَنيّةٌ مَحدودة، لكنَّ مِقدارَها ليس ثابِتاً، يَتَحَدَّدُ بسِياقِه.
- هل «يَومُ الدِّين» = «يَومُ القِيامة»؟ المَوقِفُ المُعتاد: نَعَم،
بمُرادَفة. مَوقِفُنا: شِحنةُ كلٍّ مُختَلِفة. القِيامةُ تَركيزُها على انبِعاثِ الناسِ، الدِّينُ تَركيزُه على استِردادِ العُهود. الكَلِمَتانِ تَصِفانِ يَوماً واحِداً من زاوِيَتَين. و«القِيامة» تَرِدُ في ٢:٨٥، ومَفهومُها مُرتَقَبٌ لَم يُكتَب بَعد.