اليَوم
حِصّةٌ زَمَنيّةٌ ذاتُ بِدايَةٍ ونِهاية، تَدورُ فيها الأحداثُ ثُمّ تَلتَئِم. ليس الزَّمَنَ المُطلَق، حِصّةٌ مِنه مَحدودةٌ بطَرَفَين.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ي — حرفُ مَدٍّ مع لِين. الفَمُ يَنبَسِطُ بانسِيابيّة. شِحنَتُه: امتِدادٌ مَعَ لِين، حركةٌ تَنزَلِقُ بِسُهولة.
- و — حرفُ مَدٍّ مع ارتِفاعٍ واستِدارة. الشَّفَتانِ تَدوُرانِ. شِحنَتُه: امتِدادٌ يَدور، حَيِّزٌ مُنبَسِطٌ مُدَوَّر.
- م — تَجَمُّعٌ وتَلاصُق، إغلاقٌ يَحفَظ.
النَّواةُ يو (ي + و) = امتِدادٌ مُنبَسِطٌ في حَيِّزٍ مُدَوَّر، مَدّةٌ تَنزَلِقُ ثُمّ تَستَدير. الإغلاقُ بـم يَجمَعُ هذا الامتِدادَ ويَحبِسُه في حَيِّز، فيَصيرُ الجَذرُ كلُّه: مُدّةٌ مُمتَدّةٌ تَنتَهي إلى تَجَمُّع، حَيِّزٌ زَمَنيٌّ تَدورُ فيه الأحداثُ ثُمّ تَلتَئِم.
الشِّحنةُ الجامعةُ للجَذرِ ي-و-م: حَيِّزٌ زَمَنيٌّ ذو طَرَفَين، حِصّةٌ مَحدودةٌ من المُدّة. هذه شِحنَةٌ تَنطِقُ بِها حُروفُ الكَلِمَةِ كاملةً في العَرَبيَّة من غَيرِ حاجَةٍ إلى رَدٍّ خارِجَها.
الصِّيَغ — كيف يَردُ «اليَوم» في القرآن
- يَوم (مُفرَد، نَكِرة) — حِصّةٌ زَمَنيّةٌ غَيرُ مُعَيَّنة. تَنتَظِرُ ما يُحَدِّدُها بإضافةٍ أو وَصف.
- اليَوم (مُعَرَّف) — حِصّةٌ زَمَنيّةٌ مَعروفة، إمّا اليَومُ الحاضِر، أو يَومٌ مَوعودٌ تُتَّفَقُ علَيه الإشارة.
- يَومَ ... (مُضاف) — أكثرُ المَواضِعِ. اليَومُ مُضافاً إلى ما يُمَيِّزُه: «يَومَ القِيامة»، «يَومَ الدِّين»، «يَومَ يَلقَونَه». الإضافةُ هي التي تَكشِفُ مَدى الحِصّة.
- يَومَئذٍ — اليَومُ الذي وَقَعَ فيه ذلك. يُحَدِّدُ بحَدَثٍ سابِق.
- أيّام (جَمع) — حِصَصٌ زَمَنيّةٌ مُتَعَدِّدة.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: «يَوم» اسمٌ مُجَرَّد، لا وَزنَ يَتَدَخَّلُ في
دَلالَتِه. الجَذرُ يُعطي «حِصّةً زَمَنيّةً مَحدودة»، والصِّيَغُ
تَختَلِفُ في تَعريفِها وَتَعَدُّدِها.
المِفتاحُ البِنيَويُّ — اليَومُ كَالحَيِّزِ الزَّمَنيِّ الذي تَتَفَعَّلُ فيه القَوانينُ وتُغلَقُ: في تَيبولوجيا §IX (انظُر [مَنهَجَ المَلَفّات](../../../methodology/13-dossier-method.md)) اليَومُ لَيسَ قانوناً بَل الحاوي الزَّمَنيُّ الذي تَجري داخِلَه قَوانينُ §IX. كَما أنَّ المُلكَ حاوٍ مَكانيٌّ، اليَومُ حاوٍ زَمَنيّ. كُلُّ يَومٍ في القُرآنِ يُحَدَّدُ بِما يَفعَلُه فيه القانون:
- يَومُ الدِّين (١:٤): اليَومُ الذي تُسَدَّدُ فيه العُقود.
- اليَومُ الآخِر (٢:٨، ٢:٦٢): يَومُ النِّهايَةِ الذي يُعقَدُ عَلَيه الإيمان.
- يَومُ الجَزاء (٢:٤٨، ٢:١٢٣): يَومُ إغلاقِ الأَبوابِ الأَربَعَة.
- اليَومُ المَوعود (٨٥:٢): يَومُ تَحَقُّقِ الوَعد.
- يَومُ الغاشِيَة (٨٨:١): يَومُ الإِطباقِ الكاشِف.
اليَومُ إذَن الفاصِلُ الزَّمَنيُّ بَين طَرَفَين: ما قَبلَه دُنيا (قَوانينُ مَفتوحَة) وما بَعدَه أَبَدِيَّةٌ (قَوانينُ مُغلَقَة). ولِأَنَّ كُلَّ قانونٍ يَحتاجُ زَمَناً يَفعَلُ فيه، يَأتي اليَومُ مُضافاً غالِباً إلى ما يُمَيِّزُ طَبيعَةَ الفِعلِ فيه: يَومُ الدِّين (سَدادُ الدَّيوُن)، يَومُ الفَصل (الفَصلُ بَينَ المُتَخاصِمين)، يَومُ القِيامَة (انبِعاثُ الأَجسام).
الجَذرُ يَكشِفُ البِنيَة: امتِدادٌ لَيِّن (ي) — استِدارَةٌ (و) — تَجَمُّع (م). اليَومُ هو المُدَّةُ المُمتَدَّةُ المُستَديرَةُ المَجموعَة: لَه بِدايَةٌ ونِهايَة، يَدورُ فيه ما يَدور، ثُمَّ يَلتَئِم. اليَومُ في القُرآنِ لَيسَ زَمَناً مُجَرَّداً بَل حِصَّةً مُقَدَّرَة لِأَجلِ حَدَثٍ مُعَيَّن.
ولِذلكَ يَفتَتِحُ مَفهومُ اليَومِ في الفاتِحَةِ بِأَهَمِّ يَومٍ في المَنظومَة ﴿مالِكِ يَومِ الدِّين﴾ (١:٤): اليَومُ الأَخيرُ الذي تَلتَقي فيه كُلُّ خُيوطِ الدِّين. مِنه تَتَفَرَّعُ كُلُّ الإحالاتِ الزَّمَنيَّةِ الأُخرى.
الفُروق المَعنويّة — الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى
(لا فُروقَ مَعنويّةً مُستَقِلّةً تَستَحِقُّ مَلَفّاً مُنفَصِلاً تَحتَ هذا الجَذر. الجَذرُ ي-و-م قَليلُ الإنتاج، يُعطي «اليَوم» وَ«الأيّام» وَلا يُولِّدُ فُروعاً ذاتَ شِحنةٍ مُختَلِفة.)
المَواضع — مَواقعُ اليَوم في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ١:٤ ﴿مالِكِ يَومِ الدِّينِ﴾ — مَوضعُ الافتِتاح«يَوم» يَأتي مُضافاً إلى «الدِّين» وَمَجروراً بإضافةِ «مالِك» إلَيه. الكَلِمةُ تَدخُلُ القرآنَ هنا في صورَتِها التي تَتَكَرَّرُ كَثيراً في الكتاب: يَومٌ مُسَمًّى، مَوصوفٌ بما يَكشِفُه. هذا أوّلُ ما يَلتَقي القارئُ بمَفهومِ «يَوم» في القرآن، وَلَيسَ يَوماً عادِيّاً من أيّامِ الدُّنيا، يَومٌ تَنكَشِفُ فيه نُقطةُ النِّهايةِ. الفاتحةُ تَفتَتِحُ بكَلِمةٍ ستَتَكَرَّرُ في البَقَرةِ كَثيراً (٢:٤٨ ﴿واتَّقوا يَوماً﴾، ٢:١٢٣، ٢:٢٥٤، ٢:٢٨١).
- ٢:٨ ﴿وَبِاليَومِ الآخِرِ﴾ — اليَومُ يَرِدُ هنا مُضافاً إلى «الآخِر» في ادِّعاءِ المُنافِقين. الصِّيغةُ «اليَومُ الآخِر» لا «الآخِرة»: تَحديدٌ زَمَنيٌّ (حِصَّةٌ ذاتُ طَرَفَين) يَجعَلُ الادِّعاءَ مَبنِيّاً على أُطُرٍ زَمَنِيَّةٍ مَعروفة. مَن يَتَشَدَّقُ باليَومِ الآخِرِ ادِّعاءً دُونَ أن يَعمَلَ لَه يُثبِتُ أنَّ اليَقينَ بهذا اليَومِ لم يَستَقِرَّ في قَلبِه كَما في ٢:٤ ﴿وَبِالآخِرةِ هُم يوقِنون﴾. انظُر الآخِرة والنِّفاق.
- ٢:٤٨ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ — المَوضِعُ المُتَوَقَّعُ يَتَحَقَّق. «يَوماً» بِالتَّنكيرِ: يَومٌ من جِنسٍ لا يَعرِفُه المُخاطَب. أَربَعةُ أَبوابٍ مَنفيَّةٌ في هذا اليَوم: الجَزاءُ والشَّفاعةُ والعَدلُ والنَّصر. الأَمرُ بِالتَّقوى مُتَوَجِّهٌ نَحوَ هذا اليَوم. انظُر التَّقوى والجَزاء والنَّفس.
- ٨٥:٢ ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ — القَسَمُ الثَّاني في سورةِ البُروج. «اليَومُ المَوعود» = اليَومُ الذي وَعَدَ اللهُ به: حِصَّةٌ زَمَنِيَّةٌ مُؤكَّدةُ الوُقوعِ بِالوَعدِ الإلهيّ. التَّعريفُ بـ«ال» والإضافةُ بـ«مَوعود» يَجعَلانِه مَعهوداً في ذِهنِ المُخاطَب.
- ٨٨:١ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ — الغاشِيةُ اسمٌ لِليَومِ يَكشِفُ طَبيعَتَه: يَومٌ يَغشى ويُطبِق.
- ٢:٦٢ ﴿مَن آمَنَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِر﴾ — اليَومُ الآخِرُ يَرِدُ هُنا شَرطاً فَرديّاً في سِياقِ الأَسماءِ الأَربَعة. الجَديدُ: اليَومُ الآخِرُ مَذكورٌ في ثُنائيَّةٍ مَعَ الإيمانِ بِالله لا بِالآخِرةِ وَحدَها: «آمَنَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِر» مَبدَأٌ ومَصير، بِداءةٌ ونِهاية. مَن جَمَعَ الاثنَين فَقَد جَمَعَ القَوسَين.
- ٢:١٢٣ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ — تَكرارُ صِيغةِ ٢:٤٨ حَرفِيّاً تَقريباً. الجَديدُ: السِّياقُ مُختَلِف — بَعدَ الخِطابِ الإبراهيميِّ. التَّكرارُ يُقَرِّرُ أنَّ قانونَ «لا تَجزي نَفسٌ عَن نَفسٍ» ليسَ مَوقوفاً على خِطابِ بَني إسرائيلَ وَحدَه بَل هو قانونٌ كَونيٌّ يَسري على كُلِّ مَن استَمَعَ.
- ٢:١٢٦ ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ — اليَومُ الآخِرُ غَيرُ مُصَرَّحٍ بِه لكنَّ «أَضطَرُّه إلى عَذابِ النّار» يَدُلُّ على مَصيرٍ زَمَنيٍّ مُقبِل. السِّياقُ دُعاءُ إبراهيم: اليَومُ حاضِرٌ ضِمنَ أُفُقِ الدُّعاء.
التَّقاطُعات — مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
din— التَّجاوُرُ المُلازِمُ في ١:٤. اليَومُ مُضافٌ إلى الدِّين لِيُحَدَّدَ ما يَجري فيه: حِصّةُ زَمَنٍ تُستَرَدُّ فيها العُهود. بدونِ هذه الإضافة، اليَومُ مُجَرَّد؛ بها يَنكَشِفُ مَدى الحِصّة.malik— تَلتَقي «اليَوم» بـ«مالِك» في ١:٤ في مَوقِعٍ بِنيَوِيٍّ: المالِكُ مالِكُ هذا اليَومِ خاصّةً، وَفي هذا اليَومِ تَنكَشِفُ المَلِكِيّةُ نَهائيّاً.
الإشكالات المَفتوحة
- هل «اليَوم» في القرآنِ يَومٌ من أيّامِ الدُّنيا (٢٤ ساعة)؟ بَعضُ المَواضِعِ نَعَم (يَومُ المَعركة، يَومُ المَوعِد). كَثيرٌ من المَواضِعِ لا، إذ يُذكَرُ يَومٌ مِقدارُه ألفُ سَنة (مَوضِعٌ في غَيرِ ما كَتَبنا بَعد). الكَلِمةُ تَقبَلُ تَوَسُّعَ المَدى ما دامَ هناكَ طَرَفانِ مَحدودان. مَوقِفُنا: «اليَوم» في القرآنِ حِصّةٌ زَمَنيّةٌ مَحدودة، لكنَّ مِقدارَها ليس ثابِتاً، يَتَحَدَّدُ بسِياقِه.
- هل «يَومُ الدِّين» = «يَومُ القِيامة»؟ المَوقِفُ المُعتاد: نَعَم، بمُرادَفة. مَوقِفُنا: شِحنةُ كلٍّ مُختَلِفة. القِيامةُ تَركيزُها على انبِعاثِ الناسِ، الدِّينُ تَركيزُه على استِردادِ العُهود. الكَلِمَتانِ تَصِفانِ يَوماً واحِداً من زاوِيَتَين. سَنُلتَقي «القِيامة» في ٢:٨٥ وَنُسَجِّلُ هناك.