القَبول
أَخذُ ما يُعرَضُ ووَضعُه في مُقابِلٍ مُناسِب. اتِّجاهٌ يَستَقبِلُ ما يَأتي. في ٢:٤٨ نَفيُ قَبولِ الشَّفاعةِ يُغلِقُ هذا الاتِّجاه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثَلاثةُ حُروف:
- ق: قَطعٌ وإحكام.
- ب: اتِّصالٌ يَتَمَسَّك.
- ل: تَعَلُّقٌ وامتِداد.
النَّواةُ قب = قَطعٌ يَتَمَسَّك: ما يَنفَصِلُ ثُمَّ يُمسَكُ ويُضَمُّ. الإغلاقُ بـل يَجعَلُ هذا الضَّمَّ يَتَعَلَّقُ ويَمتَدُّ في اتِّجاه، فيَصيرُ الجَذرُ: ضَمٌّ يَتَعَلَّقُ بِما يَأتيه ويُمسِكُه في اتِّجاهِ مُقابِلٍ مُناسِب.
ومنه في كَلامِ العَرَب:
- القَبلة: اتِّجاهُ الصَّلاة.
- قَبِلَ: ضَمَّ ما جاءَه واستَمسَكَ بِه.
- المُقابِل: ما يَقِفُ تِجاهَه.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- لا يُقبَلُ مِنها شَفاعةٌ (نَفيٌ بِالمَجهول): في ٢:٤٨. «لا يُقبَل» إغلاقُ اتِّجاهِ الاستِقبال: ذلك اليَومُ لا يَستَقبِلُ الشَّفاعةَ المَفروضة.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الضَّمُّ المُتَعَلِّقُ في مُقابِلٍ مُناسِبٍ من الجَذر. «يُقبَل» مُضارِعٌ مَجهولٌ من قَبِلَ.
المِفتاحُ البِنيَويُّ، القَبولُ كَالاستِجابَةُ الإلَهيَّةُ التي تُكَمِّلُ قانونَ الفِعل: القَبولُ لَيسَ قانوناً مُستَقِلّاً بَل الاستِجابَةُ الإِلَهِيَّةُ المُكَمِّلَةُ لِكُلِّ فِعلٍ إنسانيٍّ تَبادُليّ. كُلُّ قانونٍ يَحتاجُ قَبولاً من جِهَةِ الله:
- في التَّوبَة: «إنَّ اللهَ هو التَّوَّاب»: قانونُ القَبول.
- في الدُّعاء (٢:١٢٧): «رَبَّنا تَقَبَّل مِنَّا»: طَلَبُ القَبول.
- في الشَّفاعَة (٢:٤٨): «لا يُقبَلُ مِنها شَفاعَة»: إغلاقُ القَبولِ
في الآخِرَة.
- في العَمَل: «إنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ من المُتَّقين» (٥:٢٧): شَرطُ
القَبولِ التَّقوى.
القَبولُ إذَن النِّصفُ الإلَهيُّ من كُلِّ قانونٍ تَبادُليّ: العَبدُ يَفعَلُ، والله يَقبَل. لَيسَ كُلُّ فِعلٍ يُقبَلُ تِلقائيّاً؛ يُشتَرَطُ صِدقُه. التَّقَبُّلُ (وَزنُ تَفَعَّل) يَكشِفُ الإنتقائِيَّةَ: اللهُ يَختارُ ما يَقبَلُه.
والجَذرُ يَكشِفُ هذا: قَطعٌ مُحكَم (ق)، اتِّصالٌ يُمسِك (ب)، تَعَلُّقٌ يَمتَدّ (ل). القَبولُ هو الإمساكُ المُتَعَلِّقُ الحاسِم: يَأخُذُ ما يُعرَض، يُمسِكُه، يُمَدِّدُ أَثَرَه. ولِأَنَّه ضِدُّ النَّبذ، يُكَمِّلُ بِنيَةَ التَّبادُل: لَو رُدَّ كُلُّ فِعلٍ لانكَسَرَت بِنيَةُ التَّبادُل.
ولِذلكَ يَكونُ نَفيُ القَبولِ في يَومِ الجَزاء (٢:٤٨) إعلاناً نِهائيّاً لِإغلاقِ كُلِّ القَوانينِ التَّبادُليَّة: لا قَبولَ يَومَئِذٍ لِشَفاعَةٍ ولا عَدلٍ ولا نَصرٍ. كُلُّ قَناةٍ كانَت مَفتوحَةً في الدُّنيا تُغلَقُ في تِلكَ السَّاعَة.
الفُروق المَعنويّة
لا فُروعَ مُتَمَيِّزةٌ بِجَذرٍ مُنفَصِل.
المَواضع: مَواقعُ القَبولِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٤٨ ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. القَبولُ يَدخُلُ القُرآنَ هُنا في صيغةِ النَّفيِ المُطلَق. إغلاقُ اتِّجاهِ القَبولِ يَعني: ذلك اليَومُ لا يَفتَحُ وَجهَه لِشَفاعةٍ لَم يَأذَن بِها صاحِبُ الحُكم. القَبولُ مُتَعَلِّقٌ بِالإذن لا بِقُوَّةِ الشَّافِع.
- ٣:٣٥ ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾: الجَديدُ: يُطلَبُ القَبولُ بِصيغةِ الأمرِ قَبلَ وُقوعِه، فيَسبِقُ الطَّلَبُ الجَوابَ الذي يَجيءُ في ٣:٣٧. والمَنذورُ مَوصوفٌ بِالتَّحريرِ أي إخراجِه من كُلِّ مِلكٍ سِوى المَنذورِ لَه، فالقَبولُ يُطلَبُ لِما فُرِّغَ أوَّلاً.
- ٣:٣٧ ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾: الجَديدُ: أوَّلُ مَوضِعٍ يَقَعُ فيه القَبولُ فِعلاً تامّاً بَعدَ أن كانَ في ٢:٤٨ مَنفيّاً عن شَفاعة. والصِّيغةُ صيغةُ تَكَلُّفٍ وتَدَرُّج («تَقَبَّلَ»)، مُؤَكَّدةٌ بِمَصدَرٍ مَوصوفٍ «بِقَبولٍ حَسَن»، فالقَبولُ لَه صِفةٌ ودَرَجة. والفاءُ تَصِلُه بِنَذرٍ سابِقٍ فيَظهَرُ أنَّه جَوابُ عَرض: ما عُرِضَ قُبِلَ، ثُمَّ أُتبِعَ القَبولُ بِإنباتٍ نُعِتَ بِالنَّعتِ نَفسِه. فالقَبولُ لا يَقِفُ عِندَ الأخذِ بَل يُنمي المَأخوذ.
- ٣:٨٥ ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾: الجَديدُ: القَبولُ يَرِدُ مَبنيّاً لِلمَجهولِ مَنفيّاً بِـ«لَن»، ومَوضوعُه ما ابتُغيَ بَديلاً لا عَمَلٌ عُمِل. فيَتَبَيَّنُ أنَّ القَبولَ يَقَعُ على الوِجهةِ قَبلَ أن يَقَعَ على الفِعل: ما لم تُقبَلْ جِهَتُه لم يُنظَرْ في تَفصيلِه. انظُر الإسلام / أَسلَمَ.
- ٣:٩١ ﴿فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ﴾: الجَديدُ: يُقَدَّرُ المَعروضُ هُنا بِأقصى ما يُتَصَوَّرُ من مِقدار: «مِلءُ الأرضِ ذَهَباً»، فيَظهَرُ أنَّ القَبولَ لا يُشترى بِكَمٍّ مَهما بَلَغ. وهو الوَجهُ المُقابِلُ لِـ٣:٣٧: هُناكَ قَليلٌ نُذِرَ فقُبِلَ وأُنمِيَ، وهُنا كَثيرٌ عُرِضَ فرُدّ. والفارِقُ في الوَقتِ لا في المِقدار: العَرضُ الأوَّلُ سابِقٌ والثّاني بَعدَ المَوتِ على الكُفر.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
shafa3a: القَبولُ مَنفيٌّ عَن الشَّفاعةِ في ٢:٤٨.
الإشكالات المَفتوحة
- هَل القَبولُ مَرتَبطٌ بِالإذنِ في مَواضِعَ أُخرى؟ مَوقِفُنا: نَعَم. الآيةُ هُنا تَنفي القَبولَ بِغَيرِ إذن.