النَّفس
الذّاتُ التي تَنفَتِحُ إلى العالَمِ وتَنسابُ فيه. الكَيانُ الذي يَصدُرُ من الداخِلِ ويَتَّصِلُ بِالخارِج. المَحَلُّ الذي يَحمِلُ الإنسانَ في حِسابِه ومَسيرَتِه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثَلاثةُ حُروف:
- ن: رَنينٌ وانبِعاثٌ من الباطِن، ظُهورٌ يَنفُذُ إلى الخارِج.
- ف: انفِتاحٌ وشَقّ. الفاءُ تَفتَحُ ما كانَ مُغلَقاً.
- س: امتِدادٌ سَيَلاني، انسِيابٌ دَقيق.
النَّواةُ نف = انبِعاثٌ يَنفَتِح: ظُهورٌ داخِليٌّ يَشُقُّ طَريقَه إلى الخارِج. الإغلاقُ بـس يُطيلُ هذا الانفِتاحَ في حَرَكةٍ مُنسابة، فيَصيرُ الجَذرُ: انبِعاثٌ يَنفَتِحُ إلى الخارِجِ ويَنسابُ فيه بِاستِمرار.
ومنه في كَلامِ العَرَب:
- النَّفَس (بِفَتحِ الفاء): الهَواءُ الذي يَخرُجُ من الصَّدر.
- النَّفَق: الطَّريقُ الذي يَنفُذُ فيه الهَواء.
- النَّفيسُ: ما يَنبُعُ من عُمقٍ ثَمين.
- النَّفسُ: الذّاتُ التي تَنبُعُ من الداخِلِ وتَمتَدُّ في العالَم.
الجَذرُ يَكشِفُ أنَّ النَّفسَ ليسَت شَيئاً مُنغَلِقاً على ذاتِه؛ هي كَيانٌ مُنفَتِحٌ يَنسابُ في العالَمِ ويَتَأَثَّرُ بِما فيه. «وما يَخدَعونَ إلّا أَنفُسَهُم»: الخِداعُ يَحفِرُ في هذا المَنفَذِ المُنسابِ ذاتِه.
المِفتاحُ البِنيَويُّ، النَّفسُ كَالمَوضِعِ الذي تَجري فيه جَميعُ الأَفعال: النَّفسُ ليسَت قانوناً ولا إطاراً، بَل السَّطحُ الذي تَلتَقي عَلَيه كُلُّ القَوانين. هي مَفعولُ الأَفعالِ الإلَهيَّة ومُنطَلَقُ الأَفعالِ الإنسانيَّة في آنٍ واحِد:
- في الإيمان (قانونٌ سَبَبيّ): النَّفسُ هي مَفعولُ الجَعلِ المُؤَمَّن
(«مَن يُؤمِنُ بِالله» = جَعَلَ نَفسَه آمِنةً بِنِسبَتِها إلى الله).
- في التَّقوى (قانونٌ راجِعٌ على صاحِبِه): النَّفسُ هي ما يُحرَسُ
ومَن يَحرُسُ مَعاً («اتَّقى نَفسَه»).
- في الشُّكر (قانونُ مُضاعَفة): النَّفسُ هي المَوضِعُ الذي يَنزِلُ
فيه الفَضلُ المُضاعَف.
- في الذِّكر (قانونُ مِرآة): النَّفسُ هي ما يَحضُرُ ويُحضِر.
- في الحِسابِ (ضِمن إطارِ
din): «كُلُّ نَفسٍ بِما كَسَبَت رَهينة»
(٧٤:٣٨)، النَّفسُ هي المُحاسَبَة، الوَحدةُ التي تُوزَنُ وَحدَها.
ولِذلكَ في يَومِ الدِّينِ تَنحَصِرُ النَّفسُ في نَفسِها (٢:٤٨ ﴿لا تَجزي نَفسٌ عَن نَفسٍ شَيئاً﴾): البِنيَةُ التَّبادُليَّةُ تَنغَلِق، وَيَتَجَرَّدُ السَّطحُ من سائِرِ السُّطوحِ لِيُحاسَبَ وَحدَه. ما اكتَسَبَتهُ النَّفسُ في مُدَّةِ «الدِّين» (الإطارِ الزَّمَنيّ) يَظهَرُ في نَفسِه.
الزَّوجُ البِنيَوي مَع qalb: النَّفسُ ما يَنفَتِحُ، القَلبُ ما يَتَقَلَّب. النَّفسُ السَّطحُ المُنساب، القَلبُ المِحوَرُ الذي يَدورُ. لا تَفنى إحداهُما في الأُخرى، كُلٌّ مِنهُما يَكشِفُ وَجهاً مِن باطِنِ الإنسان. انظُر القَلب.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
هذا المَفهوم يَجمَعُ جَميعَ الصُّوَر:
- نَفسٌ عَن نَفسٍ (نَكِرةٌ لِلعُموم): في ٢:٤٨. التَّنكيرُ يُفيدُ الشُّمول: أيُّ نَفسٍ عَن أيِّ نَفس.
- أَنفُسَكُم (مُضافٌ إلى ضَميرِ جَمعٍ مُخاطَب): في ٢:٤٤. النَّفسُ هُنا ما يُنسى في المُحاسَبة.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الانبِعاثُ المُنفَتِحُ المُنسابُ من الجَذر. «النَّفس» اسمٌ يَجمَعُ هذه الشِّحنة.
الفُروق المَعنويّة
لا فُروعَ مُتَمَيِّزةٌ بِجَذرٍ مُنفَصِل. انظُر الرُّوح لِلتَّمييزِ بَينَ النَّفسِ والرُّوح.
المَواضع: مَواقعُ النَّفسِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٤٤ ﴿وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾: أَوَّلُ مَوضِعٍ تَظهَرُ فيه «النَّفس» في سِياقِ بَني إسرائيل. «أَنفُسَكُم» مَفعولٌ بِه مَعَ نَسِيَ: النُّفوسُ هي ما يُفلَتُ من قَبضةِ المُحاسَبة. الشِّحنةُ الجَذريّةُ تُضيءُ: النَّفسُ كَيانٌ مُنفَتِحٌ يَنسابُ، فَمَن أَفلَتَ نَفسَه من قَبضةِ المُحاسَبةِ تَركَها تَنسابُ بِغَيرِ اتِّجاه.
- ٢:٤٨ ﴿لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾: النَّفسُ في يَومِ الحِسابِ تَقِفُ مَحصورةً في نَفسِها: لا مُقاصَّةَ بَينَ نُفوس، لا شَفاعةَ مُفروضة، لا فِداء، لا نَصرٌ خارِجيٌّ. أَربَعةُ أَبوابٍ تُغلَقُ على النَّفس. ما يَبقى هو ما بَنَتهُ النَّفسُ في نَفسِها قَبلَ ذلك اليَوم. البِنيةُ الجَذريّةُ تُضيءُ: النَّفسُ كَيانٌ مُنفَتِحٌ في الدُّنيا يُستَطاعُ فيه البِناء؛ يَومَ الحِسابِ يَظهَرُ ما بُنيَ في داخِلِه.
- ٢:٥٤ ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾: النَّفسُ تَرِدُ مَرَّتَين في آيةٍ واحِدة: مَرَّةً مَفعولاً بِه للظُّلم («ظَلَمتُم أَنفُسَكُم»)، ومَرَّةً مَفعولاً بِه للقَتلِ («اقتُلوا أَنفُسَكُم»). المَوضِعُ الأوّلُ يُقَرِّرُ أنَّ الظُّلمَ الذي وَقَعَ على الغَيرِ (وَضعُ العِجلِ في غَيرِ مَوضِعِه) ارتَدَّ على النَّفسِ. والمَوضِعُ الثّاني يَطلُبُ إِنهاءَ النَّمطِ النَّفسيِّ المُتَكَوِّنِ حَولَ العِجل: النَّفسُ الجَديدةُ لا تُولَدُ إلّا بِإِنهاءِ النَّفسِ القَديمة.
- ٢:٥٧ ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: النَّفسُ هُنا مَحَلُّ الاسترداد: الفِعلُ الذي بَدا أنَّه مُوَجَّهٌ للخارجِ ارتَدَّ على «أَنفُسَهُم». صيغةُ التَّقديمِ «أَنفُسَهُم يَظلِمون» تَجعَلُ النَّفسَ مَفعولاً مُقَدَّماً تَأكيداً: لا تَعَدِّيَ على سِواها. النَّفسُ المُنفَتِحةُ التي تَنسابُ في العالَمِ تَستَقبِلُ أَثَرَ ما تَصنَعُه ذاتُها.
- ٢:٦٢: «مَن آمَنَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً» يَضَعُ الفِعلَ الفَرديَّ على مُستوى «مَن»: كُلُّ نَفسٍ مُنفَرِدةٌ بِالشَّرطِ. النَّفسُ هُنا تَقِفُ أَمامَ شَرطِها الفَرديِّ لا الجَماعيّ.
- ٢:٧٢ ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾: النَّفسُ مَفعولٌ بِه للقَتلِ. نَكِرةٌ (نَفساً): تُشيرُ إلى نَفسٍ واحِدةٍ بِعَينِها مَجهولةِ الهُويَّةِ في القِصَّةِ المَذكورة. التَّدارؤُ حَولَها يَجعَلُها نُقطةَ ثِقلٍ: النَّفسُ المَقتولةُ مَحَلُّ التَّدافُعِ بَينَ المُتَهَمين.
- ٢:٧٩ ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾: النَّفسُ غائِبةٌ لفظاً لكِنَّ الأَيديَ («أَيديهِم») والكَسبَ («يَكسِبون») يُحيلانِ إلى فاعِلٍ يَكسِبُ لِنَفسِه ثُمَّ يَحمِلُ نَتيجةَ كَسبِه.
- ٢:٨١ ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: «مَن» مُفرَّدٌ يَتَحَدَّثُ عَن النَّفسِ بِصورةٍ غَيرِ مُباشِرة. «أَحاطَت بِهِ» الكَيانُ المُحاطُ هو النَّفسُ التي يَكسِبُها الفاعِل. البُنيةُ الجَذريَّةُ: النَّفسُ المُنفَتِحةُ إذا كَسَبَت وَتَراكَمَ الكَسبُ السَّيِّئُ أَحاطَت بِها خَطيئتُها حَتّى أَغلَقَت انفِتاحَها.
- ٢:١٢٣ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾: تَكرارُ صِيغةِ ٢:٤٨ في سِياقٍ مُختَلِف. القانونُ يُكَرَّرُ لِيَرسَخ: النَّفسُ مُنعَزِلةٌ في حِسابِها في ذلك اليَوم، ولَيسَ هذا حُكماً خاصّاً بِخِطابٍ واحِد.
- ٢:١٣٠ ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: «سَفِهَ نَفسَهُ» = أَضاعَ نَفسَه وهَدَرَ طاقَتَها. الجَذرُ ن-ف-س هنا في سِياقِ الإهدار: مَن أَعرَضَ عَن مِلَّةِ إبراهيمَ أَفلَتَ نَفسَه من يَدِه ولَم يُحكِمَ قَبضَتَه عليها. «سَفِهَ» فِعلٌ لازِمٌ جاءَ مُتَعَدِّياً هنا بِالنَّفس: الخِفَّةُ (س-ف-ه) وَقَعَت على النَّفسِ ذاتِها.
- ٢:٢٧٢ ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ﴾: «لِأَنفُسِكُم»: الإنفاقُ يَعودُ على النَّفسِ نَفسِها. النَّفسُ هُنا مُستَفيدةٌ من فِعلِها لا فَقط مُؤَدِّيةٌ واجِباً.
- ٢:٢٨١ ﴿ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾: «كُلُّ نَفسٍ» بِالتَّنكير الشَّامِل: كُلُّ نَفسٍ بِغَيرِ استِثناء. «مَا كَسَبَت» ما أَنتَجَته مِن عَمَلٍ يَعودُ إليها كامِلاً. جَذرُ النَّفسِ يُضيء: ما انفَتَحَت عَلَيهِ وانسابَت فيه يَعودُ وَفاءً.
- ٢:٢٨٢ ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾: النَّفسُ ضِمنيَّةٌ في «عَلَيه الحَقّ»: هي التي يَلزَمُها الحَقُّ وهي التي تُملي.
- ٢:٢٨٤ ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾: «ما في أَنفُسِكُم»: النَّفسُ مَظَلَّةٌ للنِّيَّاتِ الخَفيَّة. ما يَسكُنُ في النَّفسِ لا يَخفى.
- ٢:٢٨٦ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾: الآيةُ الذُّروة. النَّفسُ هُنا في أَرقى صورةٍ: مَحَلُّ التَّكليفِ المَحدودِ بِالوُسعِ. الجَذرُ يُضيء: النَّفسُ المُنفَتِحةُ لَها سَعةٌ طَبيعيَّة، والتَّكليفُ لا يَتجاوَزُ هذه السَّعةَ. «لَها ما كَسَبَت وعَلَيها ما اكتَسَبَت»: وَجهانِ للانفِتاح، ما جاءَها من خَيرٍ وما بَادَرَت إلَيه من شَرّ. ثُمَّ الدُّعاء: «رَبَّنا لا تُؤاخِذنا إن نَسينا أَو أَخطَأنا»، النِّسيانُ والخَطأُ مَواضِعُ هَشاشةِ النَّفس.
- ٣:٣٠ ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا﴾: الجَديدُ: تُسنَدُ إلى النَّفسِ أفعالُ العَمَلِ والوِجدانِ والوُدِّ في آيةٍ واحِدة، فتَظهَرُ فاعِلةً ومُدرِكةً ومُتَمَنِّيةً مَعاً. وخِتامُها «ويُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفسَه» يَستَعمِلُ اللَّفظَ لِلذّاتِ الإلهيّةِ في الآيةِ نَفسِها، فيَجتَمِعُ فيه أعلى مُسَمّىً وأدناه. انظُر اليَوم.
- ٣:٦١ ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ﴾: الجَديدُ: يُذكَرُ اللَّفظُ آخِرَ ثَلاثةِ مُعَدَّداتٍ تَبدَأُ بِالأبعَدِ وتَنتَهي بِالأقرَب، فيُجعَلُ في مَرتَبةِ ما لا شَيءَ وَراءَه من الأعزّ. فهو هُنا مِقياسُ غايةِ البَذلِ في المُباهَلة.
- ٣:١٦٥ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾: الجَديدُ: تُجعَلُ النَّفسُ مَصدَراً تَصدُرُ عَنه المُصيبةُ بِظَرفِ «عِند»، فتَنتَقِلُ من كَونِها مَحَلَّ الفِعلِ إلى كَونِها مَنشَأَه. وهو جَوابٌ عن سُؤالِ «أَنّى هٰذا»، فالسُّؤالُ عنِ السَّبَبِ يُرَدُّ إلى السّائل.
- ٣:١٨٥ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾: الجَديدُ: تُجعَلُ النَّفسُ ذائقةً والمَوتُ مَذوقاً، فتَقَعُ فاعِلةً في أشَدِّ ما يُظَنُّ أنَّه يَقَعُ بِها. وتُعَمَّمُ بِـ«كُلُّ» بِلا استِثناء. انظُر المَوت.
- ١٧:٧ ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ … وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾: لامٌ واحِدةٌ لِلطَّرَفَين. الجَديدُ: تُعادُ لامُ ٢:٢٧٢ في الإحسان، ثُمَّ تُستَعمَلُ اللّامُ نَفسُها لِلإساءةِ حَيثُ يُنتَظَرُ حَرفُ الوُقوعِ من فَوق، فتُمَلَّكُ النَّفسُ سَيِّئَتَها كَما مُلِّكَت حَسَنَتَها. والحِملُ يُوضَعُ عن صاحِبِه وأمّا المِلكُ فيَتبَعُه. ثُمَّ يَنتَقِلُ اللَّفظُ من جَمعٍ «لِأَنفُسِكُمْ» إلى مُفرَدٍ مُؤَنَّثٍ «فَلَهَا»، فتَتَفَرَّقُ الأنفُسُ في الإحسانِ وتُرَدُّ نَفساً واحِدةً حينَ يُقالُ لَها ما لَها.
- ١٧:١٤ ﴿كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾: النَّفسُ تُحاسِبُ صاحِبَها. الجَديدُ: تُنصَبُ النَّفسُ حَسيباً وتُعَدّى بِـ«على» إلى صاحِبِها نَفسِه، فتَنقَسِمُ في اللَّفظِ الواحِدِ إلى مُحاسِبٍ ومُحاسَب. وقَد كانَت في ٢:٢٨٤ مَظَلَّةً لِما يَخفى ويُحاسِبُ اللهُ عَلَيه، فيُوَلّى الحِسابُ هُنا إلَيها هي. ومَقامُه بَعدَ الأمرِ بِقِراءةِ الكِتاب: يُقرَأُ المَكتوبُ ولا يُطلَبُ شاهِدٌ من خارِج.
- ١٧:١٥ ﴿مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ … وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾: الحَرفانِ يَفتَرِقان. الجَديدُ: يُقابَلُ في آيةٍ واحِدةٍ بَينَ لامٍ لِلاهتِداءِ و«على» لِلضَّلال، فيُعلَمُ أنَّ الحَرفَ في هذه السّورةِ مَقصودٌ لا مُتَّفَق. وقِراءةُ ١٧:٧ تَقِفُ عِندَ هذا: هُناكَ سُلِّمَتِ السَّيِّئةُ بِاللّامِ ولم يُذكَرْ لَها جَواب، وهُنا يُذكَرُ الضَّلالُ بِـ«على» ويُتبَعُ بِأنَّ الوِزرَ لا يُحمَلُ عن أحَد: «وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ». فالنَّفسُ تَملِكُ ما كَسَبَت ولا يُقاصُّ بِها غَيرُها.
- ١٧:٢٥ ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾: جَمعٌ ثانٍ لِلَّفظ. الجَديدُ: يَرِدُ الجَمعُ على «فُعول» في مَوضِعٍ واحِدٍ من المَنشورِ كُلِّه بِإزاءِ «أنفُس» المُطَّرِدة. والمَضمونُ مَضمونُ ٢:٢٨٤: ما في النُّفوسِ مَعلوم. فالزّائِدُ في البِنيَةِ لا في الحُكم، ويُقرَنُ العِلمُ هُنا بِالرُّبوبيَّةِ لا بِالحِساب، ويُعقَبُ بِفَتحِ بابِ الرُّجوعِ لِمَن أوَّاب.
- ١٧:٣٣ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: الحُرمةُ وَصفٌ لازِمٌ لَها. الجَديدُ: تُعَرَّفُ النَّفسُ ثُمَّ توصَلُ بِفِعلِ تَحريمٍ فاعِلُه الله، فتَصيرُ حُرمَتُها صِفةً فيها لا حُكماً على قاتِلِها. وقَد وَرَدَت في ٢:٧٢ نَكِرةً مَقتولةً في حِكاية، وتوضَعُ هُنا في مَوضِعِ المَصونِ قَبلَ أن يَقَعَ شَيء. والاستِثناءُ بِالحَقِّ يُبقي الحُرمةَ ويُسَمّي ما يَنقُضُها، فلا تُرفَعُ بَل يُحَدُّ نَقضُها.
- ٢٠:١٥ ﴿لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ﴾: النَّفسُ عِلّةُ الإخفاء. الجَديدُ: تُعَلَّلُ عَظَمةُ إخفاءِ السّاعةِ بِجَزاءِ كُلِّ نَفس، فتَصيرُ النَّفسُ الغايةَ التي سُتِرَ المَوعِدُ من أجلِها، ولم يُعَلَّلْ إخفاءٌ إلهيٌّ بِها في المُسَجَّلِ قَبلَه. ووُزِنَتِ النَّفسُ فيما مَضى بِالكَسبِ (٢:٢٨١) وبِالعَمَلِ (٣:٣٠)، وتُوزَنُ هُنا بِالسَّعي، وهو البَذلُ الجاري لا العَينُ المُتَمَيِّزة. انظُر السَّعي.
- ٢٠:٤١ ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾: اللَّفظُ لِلذّاتِ الإلهيَّةِ ثانِيَةً. الجَديدُ: يُضافُ اللَّفظُ إلى ضَميرِ المُتَكَلِّمِ الإلهيِّ ويُجعَلُ غايةً بِلامِ الاختِصاصِ بَعدَ فِعلِ الاصطِناع، فبَعدَ أن وَرَدَ في ٣:٣٠ مَحَلَّ تَحذيرٍ يَرِدُ هُنا مَحَلَّ اختِصاص. والمَصنوعُ لَه عَبدٌ صُنِعَ على عَينِ صانِعِه، فيَجتَمِعُ في اللَّفظِ الواحِدِ أعلى مُسَمّىً وأدناه كَما اجتَمَعا هُناك.
- ٢٠:٩٦ ﴿وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾: النَّفسُ فاعِلةً على صاحِبِها. الجَديدُ: يُسنَدُ إلى النَّفسِ فِعلُ التَّسويلِ ويُعَدّى بِاللّامِ إلى صاحِبِها، ويَنطِقُ بِذلك لِسانُه هو مُقِرّاً بِأنَّها التي زَيَّنَت. وقَد كانَت في ٣:١٦٥ مَنشَأً لِلمُصيبةِ بِظَرفِ «عِند»، فتَبلُغُ هُنا أن تَكونَ فاعِلاً يُخاطِبُ صاحِبَه بِفِعلِه. والإقرارُ واقِعٌ بَعدَ السُّؤالِ لا قَبلَه، فلا يُدفَعُ الفِعلُ عنها ولا يُنسَبُ إلى سِواها.
- ٣٦:٣٢ ﴿وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾: الجَديدُ: يُجمَعُ الأوَّلونَ والآخِرونَ في وَصفِ الإحضارِ بِلَفظِ «كُلٌّ» المُستَغرِق، فيُقرَأُ المَصيرُ الواحِدُ لِمَن لا يَرجِعُ بَعضُهُم إلى بَعضٍ في الدُّنيا. فما انقَطَعَ في الزَّمَنِ يَجتَمِعُ في المَوقِف. انظُر الرَّجعة.
- ٩١:٧-١٠ ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾: أَكثَفُ آياتٍ قُرآنيَّةٍ تَصِفُ النَّفسَ في رِحلَتِها الكامِلة. «وَنَفسٍ» قَسَمٌ بِالنَّفسِ ذاتِها. «وما سَوَّاها» = اللهُ سَوَّاها بِخَلقِها مُعتَدِلة. «فَأَلهَمَها فُجورَها وتَقواها» = أَودَعَ فيها مَعرِفةَ المَسالِك. «قَد أَفلَحَ مَن زَكَّاها» = مَن أَطلَقَ طاقتَها الباطِنِيَّة نحوَ الصَّواب. «قَد خابَ مَن دَسَّاها» = مَن طَمَسَها وأَخفاها. الجَذرُ ن-ف-س (الانفِتاحُ في العالَم) يَجِدُ هنا رِسالَتَه الأَكملَ: النَّفسُ مُنفَتِحةٌ على المَسالِكِ كُلِّها، والاختِيارُ بَينَ التَّزكيةِ والدَّسِّ ما يُحَدِّدُ مَصيرَها.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
jaza: الجَزاءُ بَينَ نَفسَين مَنفيٌّ في ٢:٤٨.shafa3a: الشَّفاعةُ لِلنَّفسِ مَنفيَّةٌ في ٢:٤٨.nasr: النَّصرُ للنَّفسِ مَنفيٌّ في ٢:٤٨.taqwa: التَّقوى الرَّدُّ البِنائيُّ الوَحيدُ أَمامَ الأَبوابِ المُغلَقة.nisyan: نِسيانُ النَّفسِ في ٢:٤٤ يَتَّصِلُ بِعَلاقةِ الإنسانِ بِنَفسِه.
الإشكالات المَفتوحة
- هَل النَّفسُ في القُرآنِ مُرادِفةٌ للرُّوحِ؟ مَوقِفُنا: مُتَمَيِّزتانِ. الرُّوحُ ما يُفاضُ من الخالِق؛ النَّفسُ الكَيانُ المُتَشَكِّلُ الذي يَنسابُ في العالَم. سيُفَصَّلُ في الرُّوح.
- هَل النَّفسُ في ٢:٤٨ بِمَعنى «الشَّخص» فَحَسب؟ الجَذرُ يُضيفُ: الكَيانُ الذي يَنسابُ بِانفِتاحِه. النَّفيُ يُشيرُ إلى عُزلةِ هذا الانسِيابِ يَومَ الحِساب.