النَّصر
اختِراقُ حِصارٍ وإطلاقُ مَن كانَ مَحصوراً. نَفاذٌ يَخترِقُ الجِدارَ الصُّلبَ ثُمَّ يَنطَلِقُ مُحَرِّراً. في ٢:٤٨ هذا البابُ الرّابِعُ المَنفيُّ على ذلك اليَوم.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثَلاثةُ حُروف:
- ن: رَنينٌ وانبِعاثٌ من الداخِل.
- ص: صَلابةٌ وإطباق.
- ر: تَكرارٌ وجَريان.
النَّواةُ نص = انبِعاثٌ يَخترِقُ الصَّلابة: نَفاذٌ يَشُقُّ جِداراً مُغلَقاً. الإغلاقُ بـر يُطَلِقُ هذا النَّفاذَ في حَرَكةٍ مُستَمِرَّة، فيَصيرُ الجَذرُ: نَفاذٌ يَخترِقُ الحِصارَ ويَنطَلِقُ مُحَرِّراً من يَجِدُه.
ومنه في كَلامِ العَرَب:
- نَصَرَه: فَتَحَ له طَريقاً حينَ كانَ مَغلوقاً.
- النَّصرةُ: المَعونةُ في وَقتِ الضِّيق.
- النَّصير: مَن يَخترِقُ الحِصارَ عَنك.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- ولا هُم يُنصَرون (نَفيٌ بِالمَجهول مَعَ ضَميرِ غَيبة): في ٢:٤٨. تَحَوُّلٌ مِن المُفرَدِ «نَفسٌ» إلى الجَمعِ «هُم»: إعلانٌ عَن حالٍ جَماعيّة. لا قُوَّةٌ خارِجيّةٌ تَخترِقُ حِصارَ الحِساب.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: النَّفاذُ المُحَرِّرُ من الجَذر. «يُنصَرون» مُضارِعٌ مَجهولٌ.
المِفتاحُ البِنيَويُّ، النَّصرُ كَقانونِ الاختِراقِ التَّحريريِّ المَشروط: النَّصرُ قانونٌ تَبادُليٌّ ذو وَجهَين: في الدُّنيا قَناةٌ مَفتوحَةٌ بَين اللهِ والمُؤمِنين («فَانصُرنا»، «نَصرُ الله»)، وفي الآخِرَةِ قَناةٌ مُغلَقَةٌ بَين النُّفوسِ كُلِّها («ولا هُم يُنصَرون»):
- في الدُّنيا: النَّصرُ ضِمنُ قانونِ تَبادُلِ الهَدِيَّة: العَبدُ يَطلُبُ
والله يُجيب ﴿فَانصُرْنَا﴾ (٢:٢٨٦)، ﴿نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (١١٠:١). الاتِّجاهُ من الله إلى العَبدِ بِشَرطِ الاتِّجاهِ من العَبدِ إلى الله.
- في الآخِرَة: النَّصرُ يُغلَقُ بَينَ النُّفوسِ ﴿وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾
(٢:٤٨) و﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٢:١٢٣)، تَكتَمِلُ أَبوابُ الإغلاقِ الأَربَعَة.
النَّصرُ إذَن قانونٌ مُتَدَرِّجٌ: مَفتوحٌ في الدُّنيا، مَشروطٌ بِالتَّقوى، مَنفيٌّ عَن الظَّالِمين (٢:٢٧٠)، مُغلَقٌ كُلِّيّاً يَومَ الجَزاء. الجَذرُ يَكشِفُ هذا: انبِعاثٌ (ن)، اختِراقُ صَلابة (ص)، جَريانٌ مُستَمِرّ (ر). النَّصرُ هو النَّفاذُ المُحَرِّرُ الذي يَفتَحُ الحِصار؛ ونَفيُه يَعني تَجَمُّدَ الحِصارِ عَلى المَحصور.
ولِذلكَ يَقتَرِنُ النَّصرُ بِالفَتح في «نَصرُ اللهِ والفَتح» (١١٠:١): هَما وَجهانِ لِفِعلٍ واحِد. النَّصرُ يَكسِرُ الحِصارَ مِن خارِجٍ بِفاعِلٍ (الله، النَّصير، النَّاصِر)؛ والفَتحُ يَفتَحُ ما كانَ مُغلَقاً دُونَ بِناءِ فاعِلٍ مُحَدَّد. وَجهانِ لِنَفسِ الحَدَث.
الفُروق المَعنويّة
لا فُروعَ مُتَمَيِّزةٌ بِجَذرٍ مُنفَصِل.
المَواضع: مَواقعُ النَّصرِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٤٨ ﴿وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. النَّصرُ يَدخُلُ القُرآنَ هُنا مَنفِياً. البابُ الرّابِعُ المَنفيُّ بَعدَ الجَزاءِ والشَّفاعةِ والعَدل. الدَّورةُ مُكتَمِلة: لا نَقلُ حِسابٍ (جَزاء)، لا انضِمامُ شَفيعٍ (شَفاعة)، لا بَديلُ مُعادِلٍ (عَدل)، لا اختِراقٌ من خارِج (نَصر). كُلُّ الأَبوابِ مُغلَقة؛ لا يَبقى إلّا ما بَنَتهُ النَّفسُ في نَفسِها.
- ٢:١٠٧ ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: النَّصيرُ مَقرونٌ بِالوَليّ: المُزدَوَجُ الأَوَّل. النَّصيرُ من يَقِفُ عِندَ الضَّرورةِ ويَتَدَخَّل. «لا نَصيرَ من دونِ الله»: نَفيُ الحامي المُتَدَخِّلِ من أيِّ جِهةٍ أُخرى. ليسَ تَرهيباً بَل بَيانُ واقِع: مُلكُ السَّماواتِ والأَرضِ بِيَدِ الله فَلا نَصيرَ خارِجَ هذا الإحاطة. انظُر الوَليّ.
- ٢:١٢٠ ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: تَكرارُ النَّفيِ المُزدَوَجِ بِصيغةٍ مُضيَّقة: «ما لَك» بِالمُفرَد لا الجَمع، مُوَجَّهٌ للنَّبيِّ مُباشَرةً. الجَديدُ: النَّصرُ وَلايةٌ حِسابُها مَبنيٌّ على الاتِّجاه: إن تَوَلَّيتَ نَحوَ أَهواءِ الآخَرينَ انقَطَعَ عَنكَ النَّصرُ لا لِعُقوبةٍ بَل لِأنَّ اتِّجاهَكَ لَم يَعُد نَحوَ مَصدَرِ النَّصر.
- ٢:١٢٣ ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: الصِّيغةُ ذاتُها من ٢:٤٨ تَعودُ في سِياقٍ مُواصَلٍ: التَّحذيرُ من اليَومِ الذي لا جَزاءَ فيه ولا شَفاعةَ ولا عَدلَ ولا نَصر. التَّكرارُ يُقَرِّرُ اطِّرادَ القانون: هذه الأَبوابُ المُغلَقةُ ليسَت مَوقوفةً على خِطابِ بَني إسرائيل بَل هي قانونٌ كَونيٌّ.
- ٢:٢٧٠ ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾: النَّصرُ مَنفيٌّ عَن الظَّالِمين. الجَديدُ: «أَنصار» جَمعُ نَصير، يَنفي تَعَدُّدَ المَصادِرِ التي يَأمُلُها الظَّالم. النِّسبَةُ تَخصيصيَّة: ليسَ نَفيُ النَّصرِ مُطلَقاً، بَل نَفيُه عَمَّن أَخَلَّ بِوَضعِ الأَشياءِ في مَواضِعِها. الظُّلمُ يَقطَعُ شَرعيَّةَ طَلَبِ النَّصر. انظُر الظُّلم.
- ٢:٢٨٦ ﴿فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: النَّصرُ في صيغةِ الأَمر (دُعاء) المُوَجَّهِ إلى الاسم. خاتِمَةُ السُّورَة. الجَديدُ: المُؤمِنونَ يَطلُبونَ النَّصرَ على المَوقِفِ الكافِر، لا على أَفرادٍ بِأَعيانِهِم. «انصُرنا على القَومِ الكافِرين»، على وَصفِ الكُفرِ لا على ذاتِ كُفر. النَّصرُ هُنا نَهائيُّ السُّورَة، ويَفتَحُ بابَ سؤالِ المَصدَرِ بِالاسم. انظُر الكُفر.
- ٣:١١١ ﴿وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾: الجَديدُ: يُنفى النَّصرُ بَعدَ التَّوَلّي بِـ«ثُمَّ» المُفيدةِ لِلتَّراخي، فيُقرَأُ انقِطاعُ العَونِ نَتيجةً لاحِقةً لا حالاً مُصاحِبة. وهو نَفيٌ في حَقِّ مَن قاتَلَ لا في حَقِّ مَن قَعَد.
- ٣:١٢٦ ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾: الجَديدُ: يُفصَلُ هُنا بَينَ النَّصرِ وبَينَ ما يُبَشِّرُ بِه: ما جُعِلَ بُشرى وطُمَأنينةً لَيسَ هو النَّصر، والنَّصرُ «مِن عِندِ الله» وَحدَه. فالحَصرُ مُكَرَّرٌ مَرَّتَين في الآيةِ بِـ«ما… إلّا»، مَرّةً لِحَصرِ وَظيفةِ السَّبَبِ ومَرّةً لِحَصرِ مَصدَرِ النَّصر. انظُر البَشير.
- ٣:١٦٠ ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ﴾: الجَديدُ: النَّصرُ يَرِدُ هُنا في شَرطَينِ مُتَقابِلَين، فيوضَعُ الفِعلُ وضِدُّه في مِيزانٍ واحِد: نَصرٌ يَنفي الغالِبَ، وخِذلانٌ يُبطِلُ كُلَّ ناصِرٍ بَعدَه. وصيغةُ الاستِفهامِ «فمَن ذا الذي» تَسُدُّ البَديلَ بِالسُّؤالِ لا بِالنَّفي. وخِتامُها يَنقُلُ الأمرَ إلى التَّوَكُّل، فالنَّصرُ لا يُطلَبُ بِتَدبيرِ بَديلٍ بَل بِإسنادِ الأمرِ إلى مَصدَرِه.
- ٣٦:٧٥ ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ﴾: الجَديدُ: يُنفى النَّصرُ عنِ المُتَّخَذينَ ثُمَّ يُقلَبُ الوَضعُ: المُتَّخِذونَ هُمُ الجُندُ المُحضَرونَ لَها لا هي لَهُم. فيُقرَأُ النَّصرُ من جِهةِ مَن يَخدُمُ مَن. انظُر الشِّرك.
- ١١٠:١ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾: النَّصرُ في صيغةِ المُضافِ إلى الاسمِ الجامِع: «نَصرُ الله». الجَديدُ: «إذا جاءَ» يَجعَلُ النَّصرَ حَدَثاً قادِماً مَوعوداً. اقتِرانُه بِـ«الفَتح» يَكشِفُ بِنيَةَ النَّصرِ القُرآنيَّة: ما يَأتي ليسَ غَلَبَةً عَسكَريَّةً مُجَرَّدَة بَل فَتحٌ يَفتَحُ بابَ ما كانَ مُغلَقاً. سُورَةُ النَّصرِ تَفتَتِحُ بِنِسبَتِه إلى الاسمِ المُطلَقَة. انظُر الله والفَتح.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
nafs: النَّصرُ مَنفيٌّ عَن النُّفوسِ في ٢:٤٨.jaza: الجَزاءُ والشَّفاعةُ والعَدلُ والنَّصرُ أَربَعةُ أَبوابٍ مُغلَقة.
الإشكالات المَفتوحة
- هَل النَّصرُ مَنفيٌّ مُطلَقاً عَن المُؤمِنين يَومَ القيامة؟ الآيةُ لا تَستَثني أَحَداً، وصَدرُها ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ خِطابٌ لِمَن يُؤمَرُ بِالتَّقوى لا وَصفٌ لِمَن تَرَكَها. مَوقِفُنا: المَنفيُّ في ٢:٤٨ و٢:١٢٣ هو النَّصرُ الأُفُقيُّ وَحدَه، بِدَليلِ صَدرِ الآيةِ نَفسِه ﴿لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾: الأَبوابُ الأَربَعةُ كُلُّها «نَفسٌ عَن نَفسٍ». ولا يَمَسُّ ذلكَ القَناةَ العَمودِيَّة، وقد حَصَرَتها ٣:١٢٦ في مَصدَرٍ واحِد: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾. فالنَّفيُ عامٌّ في مَوضوعِه لا في أشخاصِه، وهذا يَستَقيمُ مَع قَولِ §٤ في ٢:١٢٣ إنَّه قانونٌ لا يَقِفُ عِندَ خِطابِ بَني إسرائيل.