العِبرة
قَبضٌ على طَرَفٍ يَجري بِصاحِبِهِ إلى الطَّرَفِ الآخَر. المُصحَفُ المَنشورُ لا يَكتُبُها إلّا واحِدةً مُنَكَّرةً في خَبَرٍ مُؤَكَّدٍ يَنتَهي إلى ذِكرِ مَن يَعبُر.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ع: قَبضٌ يَلتَحِمُ في أقصى الحَلقِ على رِقّةٍ يَجري فيهِ
النَّفَسُ مِن أعمَقِ المَجاري. شِحنَتُه: القَبضُ والالتِحامُ الحَلقيّ.
- ب: التِقاءُ الشَّفَتَينِ رَخواً يُمسِكُ النَّفَسَ ثُمَّ
يَنفَتِحُ عَنهُ خارِجاً. شِحنَتُه: الاتِّصالُ والتَّمَسُّك.
- ر: خَفَقاتٌ مُتَوالِياتٌ خَفيفاتٌ يَجري النَّفَسُ من تَحتِها
مُستَرسِلاً. شِحنَتُه: الجَرَيانُ المُستَرسِلُ (النَّفاذُ والامتِداد).
النَّواةُ عب (ع + ب) = قَبضٌ مُلتَحِمٌ يَتَمَسَّكُ بِما وَقَعَ عَلَيه: إمساكٌ من عُمقٍ لا يُفلِتُ ما أخَذ. والإغلاقُ بـر يُجري هذا التَّمَسُّكَ مُستَرسِلاً فيَصيرُ وَصلاً مُتَّصِلاً بَينَ طَرَفَين، فيَصيرُ الجَذرُ: مُجاوَزةٌ من ضِفّةٍ إلى ضِفّةٍ بِما يَصِلُ بَينَهُما.
ومنه في كَلامِ العَرَب: عَبَرَ النَّهرَ جاوَزَهُ إلى الطَّرَفِ الآخَر، والعِبارةُ ما يَحمِلُ المَعنى من نَفسٍ إلى نَفس، وتَعبيرُ الرُّؤيا عُبورٌ من الصّورةِ إلى ما تَدُلُّ عَلَيه.
الشِّحنةُ الجامِعة: قَبضٌ على ما يُرى يَجري بِصاحِبِهِ إلى ما لا يُرى.
وهذه القِراءةُ تُؤَدّي ما لا يُؤَدّيهِ لَفظُ الاتِّعاظِ وَحدَه: تُفَسِّرُ لِمَ كانَ الجَذرُ الواحِدُ يَحمِلُ عُبورَ النَّهرِ وحَملَ المَعنى ونَقلَ الرُّؤيا، فالثَّلاثةُ انتِقالٌ بِإمساك. وتُفَسِّرُ لِمَ لَزِمَتِ العِبرةُ في المَوضِعَينِ ذِكرَ العابِرِ بَعدَها بِاللّام: القَبضُ لا يَقومُ بِلا قابِض، فما لَم يوجَدْ مَن يُمسِكُ الطَّرَفَ الأوَّلَ لَم يَقَعْ عُبور.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- لَعِبْرَةً (اسمٌ على وَزنِ فِعلة، مُنَكَّرٌ مَنصوبٌ اسماً
لِـ«إنَّ»، مَسبوقٌ بِلامِ التَّوكيد)، في المَوضِعَينِ مَعاً بِحُروفِهِ نَفسِها: وَزنُ الفِعلةِ بِناءُ الهَيئةِ الواحِدةِ لا بِناءُ الحَدَثِ كُلِّه، فهي عُبورٌ واحِدٌ مُثبَتٌ لا جُملةُ العُبورِ ولا وَجهٌ مَحصور. واللّامُ تُؤَكِّدُ وُقوعَها، والتَّنكيرُ يَمنَعُ حَصرَها في وَجهٍ بِعَينِه.
ولا فِعلَ لِلجَذرِ في المَنشورِ ولا جَمعَ ولا اسمَ فاعِل.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: المُجاوَزةُ من الحُروف، والفِعلةُ تُفرِدُها
هَيئةً واحِدة.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ مُستَقِلّاً لِهذا الجَذرِ في المَنشور، ولا صيغةَ أُخرى تُنازِعُ هذه. وما يَفرِقُ بَينَ المَوضِعَينِ لَيسَ اللَّفظَ بَل المَنظورَ إلَيهِ والنّاظِر.
المَواضع: مَواقعُ الكَلِمةِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٣:١٣ ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. يَدخُلُ الجَذرُ في
خِتامِ مَشهَدٍ نَصَّت الآيةُ على أنَّ العَينَ أعطَت فيه عَدَداً مُضاعَفاً ﴿يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾، فيوضَعُ العُبورُ بَعدَ رُؤيةٍ حاصِلةٍ لا بَعدَ غَيبٍ لَم يُرَ. والمُشارُ إلَيهِ ﴿ذَٰلِكَ﴾ فِئَتانِ التَقَتا، والعابِرُ يُذكَرُ بِحاسَّتِهِ ﴿لِّأُولِي الْأَبْصَارِ﴾: فالبَصَرُ هو الطَّرَفُ الأوَّلُ الذي يُقبَضُ عَلَيه، ومَن وَقَفَ عِندَ ما عَدَّتهُ عَينُهُ لَم يُجاوِز. وسَبَقَ في الآيةِ نَفسِها ﴿آيَةٌ﴾، فالمَشهَدُ يُسَمّى عَلامةً أوَّلاً ثُمَّ يُسَمّى مَعبَراً. انظُر الآيات والبَصَر.
- ٧٩:٢٦ ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾: الجَديدُ: يُعادُ الخَبَرُ بِحُروفِهِ
كَما في ٣:١٣ إلى آخِرِ الاسم، ويَتَبَدَّلُ العابِرُ وَحدَه: هُناكَ أصحابُ حاسّةٍ، وهُنا صاحِبُ حالٍ مُتَجَدِّدةٍ لا تُسَمّى بِاسمِها ﴿لِّمَن يَخْشَىٰ﴾. فيَنتَقِلُ شَرطُ العُبورِ من آلةٍ في الرَّأسِ إلى وَصفٍ يَسري في صاحِبِه. والمُشارُ إلَيهِ هُنا لَيسَ مَشهَداً يُعايَنُ بَل واحِدٌ أُخِذَ فمَضى، فيَقَعُ العُبورُ على ما انتَهى لا على ما يُرى قائِماً. وبِهذا يَتِمُّ لِلجَذرِ طَرَفاهُ: مَشهَدٌ قائِمٌ أعطَتِ العَينُ فيهِ عَدَداً مُضاعَفاً في الأولى، ومُنقَضٍ لا تُدرِكُهُ العَينُ في الثّانِية. انظُر الخَشية.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
aya: ٣:١٣ تَفتَتِحُ بِتَسمِيةِ المَشهَدِ آيةً وتَختِمُ
بِتَسمِيَتِهِ عِبرة، فالعَلامةُ ما يُنصَبُ لِيُرى والعِبرةُ الانتِقالُ عَنه.
basar: ٣:١٣ تَخُصُّ العُبورَ بِأصحابِ الأبصار، فالطَّرَفُ
الأوَّلُ مَقبوضٌ بِالبَصَرِ ولا يَنتَهي العُبورُ عِندَه.
nazar: النَّظَرُ إطباقٌ يَقَعُ على المَنظور، والعُبورُ
جَريانٌ يُجاوِزُه، فيَتَعاقَبانِ ولا يُغني أحَدُهُما عن الآخَر.
khashya: ٧٩:٢٦ تُبدِلُ من أصحابِ الحاسّةِ صاحِبَ الحال،
فتَجعَلُ شَرطَ العُبورِ وَصفاً يَسري في الباطِنِ لا آلةً تُدرِكُ الظّاهِر.
fi2a: ٣:١٣ تَبني المَعبَرَ على فِئَتَينِ التَقَتا وعَلى
عَدَدٍ أعطَتهُ العَينُ مُضاعَفاً، فالمَقبوضُ عَلَيهِ عَدَدٌ وما يُجاوَزُ إلَيهِ غَيرُ العَدَد.
الإشكالات المَفتوحة
- أينَ تَقَعُ العِبرة: في المَنظورِ أم في النّاظِر؟ المَوقِف:
الحُروفُ تَجعَلُ القَبضَ والجَرَيانَ قائِمَينِ بِالعابِر، والمَنشورُ يَذكُرُ بَعدَ الاسمِ في المَوضِعَينِ صاحِبَ العُبورِ بِاللّامِ ولا يَذكُرُ ما عُبِرَ إلَيه. فالمَوضِعُ الذي يُسَمّى فيهِ شَيءٌ إنَّما هو جِهةُ العابِر.
- لِمَ لَم يُذكَرْ ما يُعبَرُ إلَيهِ في المَوضِعَين؟ المَوقِف:
المَتنُ يُثبِتُ الهَيئةَ ويَتُركُ الغايةَ بِلا تَسمِية، والفِعلةُ المُنَكَّرةُ تَحتَمِلُ وُجوهاً لا واحِداً. فما لَم يُسَمَّ لا يُملَأُ من خارِج، ويَبقى المَذكورُ هو الانتِقالُ ومَن يَقوى عَلَيه.