آل عمران · الآية 13

﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ

«آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا»: العلامةُ داخِلَ اللِّقاء

تَفتَحُ «قد» بابَ التَّحقيق، فالآيةُ «قد كانَ»، ولم تَعُد احتمالاً مُنتَظَراً، ومَكانُها «في فئتين»، داخِلَ المَشهَدِ غيرَ خارِجٍ عنه. والفِئةُ من ف-أ-ي، وهي جَماعةٌ تَنفَصِلُ في حَدٍّ ثُمَّ يَمتَدُّ أفرادُها في جهةٍ واحدة، ولذلك استطاعت الآيةُ أن تُقيمَ فئتَين مُتَمايزتَين من غيرِ أن تَجعَلَ المَشهَدَ أفراداً مُبعثرين.

والفِئتانِ «التقتا»، واللِّقاءُ من ل-ق-ي: تَعَلُّقٌ يَبلُغُ حَدّاً مُحكَماً ثُمَّ يَمتَدُّ أثرُه. وقد صارَت كُلٌّ منهما في مَجالِ الثَّانية، ولم تَمُرَّ إحداهما بجانبِ الأُخرى، والعلامةُ إذن في اللَّحظةِ التي انقَطَعَ فيها البُعدُ وصارَ التَّمايزُ مُواجَهة.

«فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ»: فِعلٌ ومسارٌ في مُقابِل وَصف

وتُعرَضُ الفئةُ الأُولى بفِعلٍ جارٍ ومَجرىً: «تُقاتل في سبيل الله»، فقد جَعَلَت الآيةُ القتالَ فِعلاً واقِعاً «في سبيل»، أي داخِلَ طريقٍ له جهة، ولم تَجعَلْه هُويَّتَها. وأمّا الأُخرى فجاءَت «كافرة»، اسمَ فاعِلٍ يَحمِلُ طبيعةَ السِّترِ مستمرّةً في مَوقِفِها.

وحَرفُ العَطفِ يَجمَعُ الفئتَينِ في المَشهَد، غيرَ أنَّ الوَصفَينِ يَمنَعانِ ذَوبانَ الجِهتَين، وليس كُلُّ لقاءٍ دَليلاً على تَساوي ما التقى، ولا كُلُّ مُواجَهةٍ تُسقِطُ السَّبيلَ الذي يَحمِلُ أحدَ طَرَفَيها.

«يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ»: العَينُ تَرى والعَدَدُ يَتَضاعَف

ويَتَكَرَّرُ جِذرُ الرُّؤيةِ في «يرونهم» و«رأي العين». والرُّؤيةُ من ر-أ-ي، ومَعناها جَريانٌ يَقطَعُ ما يَبلُغُه فيُعَيِّنُه ثُمَّ يَمتَدُّ به إلى الإدراك. وإضافةُ الرَّأي إلى العَينِ تَحبِسُ المَشهَدَ في الإدراكِ الظاهِر، فما يُرى يُؤخَذُ مِثلَين، ويَصيرُ العَدَدُ نفسُه جُزءاً من العلامة.

على أنَّ الجُملةَ تَمضي إلى ما بعدَ حسابِ العَين، فيأتي بَعدَه «والله يُؤيِّدُ بنَصرِه مَن يشاء». والتأييدُ من أ-ي-د، وهو قُوّةٌ تُحتَبَسُ مُتَهَيِّئةً ثُمَّ تَندَفِعُ نافِذةً، شِدّةٌ دافِعةٌ يُمَدُّ بها الفاعِل. والنَّصرُ من ن-ص-ر: انبِعاثٌ يَنغَلِقُ بإحكامٍ ثُمَّ يَجري، أي مَدَدٌ يَصلُ صاحِبَه ويَدفَعُ عنه الانكِشاف. فالعَينُ تَعدُّ، والتأييدُ يُدخِلُ في المَشهَدِ ما لا يَضبِطُه العَدَدُ وحدَه.

«لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ»: مِنَ المَشهَدِ إلى ما وَراءَه

والعِبرةُ من ع-ب-ر، وأصلُها قَبضٌ يَصِلُ ويَعبُرُ من طرفٍ إلى طرف، فهي انتقالٌ من صورةِ الفئتَين إلى قانونٍ يَحمِلُه مَن يَنظُر، وليست تَكراراً لتلك الصورة. ولذلك خُصَّ بها «أولو الأبصار»، وهم أصحابُ بَصَرٍ يَنفُذُ من صَلابةِ السَّطحِ إلى ما يَجري وَراءَه.

وقد ذُكِرَت العَينُ في وَسَطِ الآية، والبَصائرُ في خِتامِها، فالأُولى تَرى المِثلَين، والثانيةُ تَعبُرُ من المِثلَين إلى التأييد. وحينَ يَقِفُ النَّظرُ عندَ العَدَدِ يَحصُرُ العلامةَ في صُورتِها، وحينَ يَعبُرُ يَفهَمُ لماذا سُمِّيَ المَشهَدُ آية.


حَصيلة

كانت العلامةُ «في» فئتَين، أي داخِلَ لقاءٍ أزالَ المسافةَ وأبقى التَّمايز: فِئةٌ يَجري فِعلُها في سَبيل، وأُخرى يَستَمِرُّ فيها وصفُ السِّتر، وعَينٌ تَرى العَدَدَ مِثلَين. ثمَّ تَفتحُ الآيةُ ما لا يَستوعِبُه العَدُّ، وهو تأييدٌ يَثبُتُ بنَصرٍ يُوصَلُ إلى مَن تَتَعَلَّقُ به المَشيئة، ولذلك تَكتَمِلُ الآيةُ ببَصَرٍ يَعبُر، ولا تَكتَمِلُ بعَينٍ تَرى. فالعَدَدُ صُورةُ المَشهَد، والعِبرةُ هي الطريقُ الذي يَخرُجُ منه المَعنى.