النازعات · الآية 26

﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ

«إِنَّ فِي ذَٰلِكَ»: إشارةٌ تَلُمُّ ولا تُفَصِّل

«ذلك» إشارةٌ إلى البَعيد، والمُشارُ إلَيهِ قَريبٌ في اللَّفظ: سَطرٌ واحِدٌ قَبلَه. فالبُعدُ هُنا بُعدُ مَقامٍ لا بُعدُ مَسافة. وهي مُفرَدةٌ تَلُمُّ الدَّعوى والقَبضةَ والنَّكالَ في مُشارٍ واحِدٍ ولا تُعَدِّدُها. ما يُفَصَّلُ يُحفَظُ بَنداً بَنداً، وما يُجمَعُ في إشارةٍ يُحمَلُ جُملةً واحِدة.

و«في» تَضَعُ العِبرةَ داخِلَ المُشارِ إلَيهِ ولا تَجعَلُها هُوَ. المَشهَدُ وِعاء، والعِبرةُ ما يُستَخرَجُ مِنه. فمَن وَقَفَ عِندَ الخَبَرِ يَرويهِ فقد أمسَكَ الوِعاءَ وتَرَكَ ما فيه.

«لَعِبْرَةً»: مَعبَرٌ يُقطَعُ لا مَوعِظةٌ تُلقى

العِبرةُ من ع-ب-ر عُبورٌ من ضِفّةٍ إلى ضِفّة. ومنه «عَبَرَ النَّهرَ» جاوَزَهُ إلى الطَّرَفِ الآخَر، و«العِبارة» ما يَحمِلُ المَعنى من نَفسٍ إلى نَفس، و«تَعبيرُ الرُّؤيا» عُبورٌ من الصّورةِ إلى ما تَدُلُّ عَلَيه. فلَيسَتِ العِبرةُ حِكمةً تُضافُ إلى آخِرِ الخَبَر، بَل مَمَرٌّ يَمشيهِ النّاظِرُ بِقَدَمِه.

وجاءَت نَكِرةً مُنَوَّنة: «عِبرةً» لا «العِبرة». عُبورٌ واحِدٌ مُثبَتٌ لا جُملةُ ما يُعبَرُ إلَيه، فلا يُحصَرُ المَعبَرُ في وَجهٍ واحِدٍ يُلَقَّنُ ويُعادُ حِفظُه. واللّامُ قَبلَها لامُ تَوكيدٍ تَشُدُّ الخَبَرَ وتَقطَعُ التَّرَدُّدَ فيه. والمَعبَرُ يُبنى ولا يَعبُرُ بِأحَد.

«لِّمَن يَخْشَىٰ»: الشَّرطُ في النّاظِرِ لا في المَشهَد

لامانِ في آيةٍ واحِدة: لامُ التَّوكيدِ في «لَعِبرة»، ولامُ الاختِصاصِ في «لِمَن». الأُولى تُثبِتُ وُجودَ العُبور، والثّانِيةُ تَصرِفُهُ إلى صِنفٍ بِعَينِه. المَشهَدُ مَعروضٌ لِكُلِّ عَين، والعُبورُ لِعَينٍ دونَ عَين.

و«يَخشى» مُضارِعٌ بِلا مَفعولٍ مَذكور، صِلةً لِـ«مَن» التي لا تُسَمّي أحَداً. والخَشيةُ من خ-ش-ي نُفوذٌ يَنتَشِرُ في الباطِنِ فيَسري في صاحِبِه، لا فَزَعٌ يَقِفُ على الجِلد. ومَجيئُها فِعلاً مُتَجَدِّداً لا اسماً ثابِتاً يَجعَلُ الوَصفَ حالاً تُستَأنَف، لا لَقَباً يُحمَلُ مَرَّةً فيُغني.

وهذا اللَّفظُ عَمودٌ في السّورة. عُرِضَ أوَّلاً غايةً تُرجى بَعدَ هُدىً: وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ﴾، ويُقالُ آخِراً حَدّاً لِمَن يَبلُغُهُ الإنذار: إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾. عُرِضَ على الذي مَضى في الآياتِ قَبلُ فلم يَأخُذْه، وهو هُنا شَرطُ الانتِفاعِ بِما جَرى له. ومَن رَدَّ الخَشيةَ حينَ عُرِضَت عَلَيهِ صارَ مَعبَراً لِمَن قَبِلَها.


حَصيلة

إشارةٌ واحِدةٌ تَلُمُّ ما مَضى ولا تُعَدِّدُه، و«في» تَجعَلُ العِبرةَ في المُشارِ إلَيهِ لا هُوَ، فالمَشهَدُ وِعاءٌ يُستَخرَجُ مِنه. والعِبرةُ في جِذرِها عُبورٌ من ضِفّةٍ إلى ضِفّة، مَمَرٌّ يُمشى لا حِكمةٌ تُلحَقُ بِآخِرِ الخَبَر، وجاءَت مُنَوَّنةً فلم تُحصَرْ في وَجه. ثُمَّ لامان: واحِدةٌ تُثبِتُ العُبور، وأُخرى تَصرِفُهُ إلى «مَن يَخشى»، والفِعلُ مُضارِعٌ بِلا مَفعولٍ مَذكورٍ ولا اسمٍ يُسَمّي صاحِبَه. والخَشيةُ في جِذرِها نُفوذٌ يَسري في الباطِنِ لا فَزَعٌ على الظّاهِر، وقد عُرِضَت في هذه السّورةِ غايةً لِهُدىً وتُذكَرُ فيها حَدّاً لِمَن يَبلُغُهُ الإنذار. المَشهَدُ واحِد، والفارِقُ في العَينِ التي تَنظُرُ إلَيه.