الفُجور
تَفريقٌ يَنفَجِرُ في الأَخلاق: شَقُّ حُدودِ الحَقِّ واختِراقُها بِجُرأةٍ مُتَدَفِّقة.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ف :: استِنادُ الشَّفةِ السُّفلى إلى أطرافِ الثَّنايا العُليا
يَشُقُّ مَجرىً ضَيِّقاً، وصِفَتُه القُوّة. فالمَبدَأُ شَقٌّ ضَيِّقٌ بِقُوّة.
- ج :: اجتِماعُ وَسَطِ اللِّسانِ بِوَسَطِ الحَنَكِ **يَحبِسُ
النَّفَسَ في جَوفِ الفَمِ ثُمَّ يَنبَثِقُ عَنه بارِزاً. ووَجهُه الثّاني الاحتِباسُ في الجَوفِ والسَّتر، والثّالِثُ الانبِثاقُ والبُروزُ والانكِشاف. فالوَسَطُ ما كانَ مَستوراً في الجَوفِ يَبرُز**.
- ر :: خَفَقاتٌ مُتَوالِياتٌ والنَّفَسُ يَجري من تَحتِها
جَرَياناً مُستَرسِلاً لا يَحتَبِس. فالمُنتَهى جَرَيانٌ لا يَقِفُ عِندَ الشَّقّ.
فالتَّركيبُ: شَقٌّ بِقُوّة، فبُروزُ ما كانَ مَستوراً، فجَرَيانٌ مُستَرسِل. وهذه ثَلاثُ خَصائِصَ لِلفُجورِ لا تُوجَدُ في مُطلَقِ المَعصِية: أنَّه يَحتاجُ حاجِزاً يُشَقّ، وأنَّ الخارِجَ مِنه كانَ مَخزوناً في الدّاخِلِ قَبلَ الشَّقّ، وأنَّه لا يَقِفُ عِندَ الحادِثةِ الواحِدة.
وما تَدفَعُه هذه القِراءة: أنَّ ٩١:٨ لا تَقولُ «عَلَّمَها» ولا «كَتَبَ عَلَيها»، بَل «فَأَلْهَمَهَا»، ولا تَقولُ اللَّفظَ مُطلَقاً بَل مُضافاً إلَيها، «فُجُورَهَا». والإضافةُ والإلهامُ كِلاهُما يَقتَضي أنَّ المُسَمَّى كانَ فيها قَبلَ أن يَظهَر. ولَو كانَ الجَذرُ اسماً لِتَجاوُزِ حَدٍّ مَوضوعٍ من خارِج لَكانَ الوَجهُ أن يُعَلَّمَ الحَدُّ لا أن يُلهَمَ الفُجور. وعلى وَجهِ الجيمِ يَستَقيمُ اللَّفظُ: ما انبَثَقَ كانَ مَحبوساً في الجَوف، فالنَّفسُ تُلهَمُ ما تَحمِلُه هي. ومن هُنا صِلَتُه بِـfajr: اللَّيلُ يَحبِسُ الضَّوءَ فيُشَقُّ عَنه، والنَّفسُ تَحبِسُ ما فيها فيُشَقُّ عَنه. الحاجِزُ يَختَلِفُ والحَرَكةُ واحِدة.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- الفُجور (مَصدرٌ على فُعول: مُبالَغةٌ في المَصدَر)، ٩١:٨ «فَأَلهَمَها فُجورَها وتَقواها»: الفُجورُ مُضافٌ إلى ضَميرِ النَّفس. «فُعول» يُفيدُ الامتِلاءَ والاستِغراقَ في الفِعل.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: انظُر الفَجر. الفُجورُ شادِّيَّةٌ أَخلاقِيَّةٌ من جَذرِ الشَّقِّ.
الفُروق المَعنويّة
fajr: الشادِّيَّةُ الكَونِيَّةُ (الفَجرُ الزَّمانيّ). الفُجورُ يَخُصُّ المَجالَ الأَخلاقيَّ من نَفسِ الجَذر.infijar: الشادِّيَّةُ الماديَّةُ (انفِجارُ الماء). الفُجورُ خَلقِيٌّ، والانفِجارُ مادِّيٌّ.
المَواضع: مَواقعُ الفُجورِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٩١:٨ ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾: الفُجورُ والتَّقوى يُقدَّمانِ معاً كإلهامَين مُتَقابِلَين مُودَعَين في النَّفسِ الواحِدة. الإلهامُ يَكشِفُ أنَّهُما مَعرِفةٌ مَبنيَّةٌ في النَّفسِ لا مُكتَسَبةٌ من الخارِج: النَّفسُ تَعرِفُ الفُجورَ ما هو، وتَعرِفُ التَّقوى ما هي، قبلَ الاختِيار. وَضعُ الفُجورِ أَوَّلاً «فُجورَها وتَقواها» (لا العَكس) مُقَدِّمٌ الأَثقَلَ على القَلبِ أَوَّلاً: ما تَميلُ إليه النَّفسُ الثَّقيلةُ. السُّورةُ ثمّ تُكمِلُ (٩١:٩-١٠): «قد أَفلَحَ من زَكَّاها وقد خابَ من دَسَّاها».
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
taqwa: قَرينُ الفُجورِ في الإلهام: النَّقيضانِ المُودَعانِ في النَّفسِ الواحِدة.nafs: مَوضِعُ الإلهام: النَّفسُ تَحمِلُ الفُجورَ والتَّقوى.dassa: ٩١:١٠ «دَسَّاها» هو طَمسُ التَّقوى وتَغليبُ الفُجور.fajr: الأُخوَّةُ الجَذريَّة: الفَجرُ يَشُقُّ الظَّلامَ، والفُجورُ يَشُقُّ حُدودَ الحَقّ.
الإشكالات المَفتوحة
- هل «فُجورَها» يَعني قُدرةَ النَّفسِ على الفُجورِ (مَعرِفةً بِمَساراتِه) أم ميلَها إليه بِطَبعِها؟ مَوقِفُنا: «أَلهَمَها» = أَودَعَ فيها إلهاماً (مَعرِفةً مَبنيَّة). اللهُ أَودَعَ في النَّفسِ مَعرِفةَ مَسالِكِ الفُجورِ ومَسالِكِ التَّقوى. الاختِيارُ بَعد ذلكَ لِلنَّفس.