هاروت وماروت
اسمانِ مُتَجاوِرانِ على وَزنِ «فَعَلوت» من جَذرَينِ أجوَفَين: هاروت من ه-و-ر (ما يَخلو داخِلُه فيَنهار)، وماروت من م-و-ر (جُملةٌ مُتَلاصِقةٌ تَمورُ ولا تَستَقِرّ). الاسمانِ في القُرآنِ كَيانانِ يُنزَلُ عَلَيهِما عِلمٌ مَقرونٌ بِتَحذيرٍ صَريح: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
هاروت: جَذرُ ه-و-ر
ثلاثةُ حُروف:
- ه: حَرفٌ يَنبَعِثُ من الحَلقِ في هَمسٍ خافِت. شِحنَتُه: الفراغُ والخلاء.
- و: حَرفُ مَدٍّ بَينَ الحَرفَين. شِحنَتُه: الوَصلُ المَمدود.
- ر: اللِّسانُ يَتَكَرَّرُ على الحَنَكِ بِجَريانٍ مُتَواصِل. شِحنَتُه: خفّةُ اللمسة.
النَّواةُ هر (ه + ر) = فَراغٌ خالٍ لا يَتَماسَكُ ما حَولَه إلّا بِلَمسةٍ خَفيفةٍ رِخوة. وامتدادُ الواوِ بَينَهُما يُطيلُ هذا الفَراغَ ويَمُدُّه في الشَّيء، ولا تَقومُ عَلَيه النَّواة. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: شَيءٌ يَخلو داخِلُه ويَرِقُّ تَماسُكُه حتّى لا يَبقى ما يُمسِكُه فيَتَساقَط: جُرفٌ خَلا ما تَحتَه فيَسقُطُ بِما عَلَيه.
ومنه في كَلامِ العَرَب: «هارَ» (الجِدارُ هارَ: تَهَدَّمَ وانهارَ تَدريجيّاً)، «انهارَ» (سَقَطَ مُتَهَدِّماً)، «هَوَّرَ» (أَوقَعَ الانهِيار)، «التَّهَوُّر» (الإقدامُ على ما يَنهار). وفي القُرآنِ بُنيانٌ أُسِّسَ ﴿عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ (٩:١٠٩).
الشِّحنةُ الجامِعةُ للجَذرِ ه-و-ر: ما يَخلو داخِلُه فلا يَبقى ما يُمسِكُه، انهِيارٌ يَسقُطُ بِما عَلَيه.
ماروت: جَذرُ م-و-ر
ثلاثةُ حُروف:
- م: الشَّفَتانِ تَلتَئِمانِ ثُمَّ تَنفَتِحان. شِحنَتُه: الضمُّ واللقاءُ والتلاصق.
- و: حَرفُ مَدٍّ بَينَ الحَرفَين. شِحنَتُه: الوَصلُ المَمدود.
- ر: اللِّسانُ يَتَكَرَّرُ على الحَنَكِ بِجَريانٍ مُتَواصِل. شِحنَتُه: الجريانُ المسترسِل.
النَّواةُ مر (م + ر) = مَضمومٌ مُتَلاصِقٌ يَجري مُستَرسِلاً. وامتدادُ الواوِ بَينَهُما يُطيلُ هذا الجَرَيانَ ويَمُدُّه، ولا تَقومُ عَلَيه النَّواة. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: جُملةٌ مُتَلاصِقةٌ تَجري كُلُّها مُستَرسِلةً فلا تَستَقِرّ: كُتلةٌ واحِدةٌ تَتَحَرَّكُ أجزاؤُها مَعاً، كالسَّماءِ تَمورُ بِجُملَتِها.
ومنه في كَلامِ العَرَب: «مارَ يَمور» (تَحَرَّكَ ذاهِباً جائِياً وماجَ)، و«المَور» (الاضطِرابُ والاهتِزاز). وفي القُرآنِ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ (٥٢:٩)، ولِلأَرضِ ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ (٦٧:١٦).
الشِّحنةُ الجامِعةُ للجَذرِ م-و-ر: جُملةٌ تَتَحَرَّكُ كُلُّها ولا تَستَقِرّ، مَورٌ يَعُمُّ ما التَأَم.
الاسمانِ مَعاً
«هاروت» و«ماروت» على وَزنِ «فَعَلوت» كـ«مَلَكوت» و«طاغوت»: أصلُهُما هَوَروت ومَوَروت، قُلِبَتِ الواوُ أَلِفاً كما قُلِبَت في «قالَ» من ق-و-ل، و«ـوت» لاحِقةُ الوَزنِ لا حَرفٌ من الجَذر. وعلى هذا الوَزنِ من الأجوَفِ «طالوت» من ط-و-ل و«جالوت» من ج-و-ل. والوَزنُ يَبلُغُ بِحَدَثِ الجَذرِ سَعَتَه: «هاروت» انهِيارٌ في أقصاه، و«ماروت» مَورٌ في أقصاه. والجَذرانِ مُتَجاوِرانِ في الشِّحنة: كِلاهُما ما يَفقِدُ قَرارَه، هذا يَخلو داخِلُه فيَسقُط، وذاكَ تَتَحَرَّكُ جُملَتُه فلا تَستَقِرّ.
الاسمانِ صِفةً لِصاحِبَيهِما. لا يُذكَرُ الاسمانِ في القُرآنِ إلّا في ٢:١٠٢، والآيةُ تُريهِما بِثَلاثةِ أشياء: ما ﴿أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾، وقَولُهُما قَبلَ كُلِّ تَعليمٍ ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، وما يَأخُذُه النّاسُ عَنهُما ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾. والاسمانِ يُسَمِّيانِ المَلَكَينِ بِما يَقَعُ لِلمُلتَئِمِ عِندَ مَن يَأخُذُ عَنهُما: «ماروت» جُملةٌ مُتَلاصِقةٌ تَمورُ ولا تَستَقِرّ، و«هاروت» بِناءٌ خَلا ما تَحتَه فيَنهارُ بِما عَلَيه. والمَرءُ وزَوجُه جُملةٌ التَأَمَت، وما يُفَرِّقُ بَينَهُما يَهُزُّها ثُمَّ يُسقِطُها. وفي ٩:١٠٩ يَنهارُ الجُرُفُ بِمَن بَنى عَلَيه ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾، وفي ٢:١٠٢ يُقالُ فيمَنِ اشتَرى ما يُتَعَلَّمُ مِنهُما ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
وما لا تُعطيه الحُروف: الفِتنةُ والكُفرُ والتَّفريقُ والضَّرَرُ تَقولُها الآية، والحُروفُ تُعطي انهِياراً ومَوراً فَقَط. والاسمانِ يُسَمِّيانِ صورةَ ما يَحدُثُ لِلمُلتَئِمِ حينَ يَتَفَرَّق، ولا يَكشِفانِ جِنسَ المُسَمَّيَين.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: حُروفُ الاسمَين كلُّها عَرَبيَّةُ الشِّحنَة، تَنطِقُ بِشَحنَتِها المَنهَجيَّة، ولا تَحتاجُ إلى رَدٍّ خارِجَ العَرَبيَّة. والآيةُ تَهبُ المَعنى حَيثُ تُلازِمُ بَين هذَين الاسمَين وفِعلِ التَّفريق.
الصِّيَغ: كَيفَ يَرِدُ في القرآن
- هَارُوتَ وَمَارُوتَ (عَطفٌ بَيانيٌّ لِـ«المَلَكَين»، مَمنوعانِ
من الصَّرف، مَجرورانِ بِالفَتحة)، في ٢:١٠٢ ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾.
الفُروق المَعنويّة
- mawr (المَور): يَرِدُ بِجَذرِ م-و-ر في ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾
(٥٢:٩) و﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ (٦٧:١٦)، والسّورَتانِ خارِجَ المُدَوَّنةِ المَنشورة، ونَصُّهُما مَنقولٌ بِحُروفِه من نَصِّ المُصحَفِ المُعتَمَدِ في المَوقِع. شِحنَةُ الجَذرِ ذاتُها تَنطِقُ هُناكَ: السَّماءُ جُملةٌ واحِدةٌ تَمورُ ولا تَستَقِرّ.
المَواضع: مَواقِعُ هاروتَ وماروتَ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٠٢ ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾
، مَوضِعُ الافتِتاح. البِنيَةُ المُحكَمَةُ في الآية: ما أُنزِلَ عَلَى المَلَكَين لَيسَ سِحراً مُطلَقاً بَل عِلمٌ جاءَ مَع تَحذيرٍ من المَصدَرِ نَفسِه ﴿فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. ثُمَّ مَا تَعَلَّمَه النّاسُ منهُما: ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾، تَفريقُ ما كانَ مُقتَرِناً. الجَذرانِ ه-و-ر (انهِيار) وم-و-ر (مَور) يَنطِقانِ في المَوضوع: ما تَنهارُ بِه الأُلفَةُ أَو ما تَمورُ بِه فلا تَستَقِرّ. الضَّرَرُ مُقَيَّدٌ ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: لا سُلطانَ مُستَقِلَّ لِلسِّحرِ خارِجَ الإذنِ الإلَهيّ.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
sihr: السِّحرُ الذي تَعَلَّمَه النّاسُ منهُما.fitna: التَّحذيرُ الصَّريحُ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾.
هذا التَّحذيرُ شَرطٌ لِلتَّعليمِ نَفسِه.
tafriq: ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾.
جَذرا الاسمَين (انهِيار + مَور) يَنطِقانِ بِالتَّفريق.
dharar: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾.malak: وُصِفا بـ«المَلَكَين».inzal: ﴿وَمَا أُنزِلَ﴾: التَّنزيلُ على الكَيانَين بِإذنٍ.
الإشكالات المَفتوحة
- **هل «المَلَكَين» مَلَكانِ من المَلائِكةِ أَم «المَلِكَين» (بِفَتحِ
اللّام) بِمَعنى الحاكِمَين؟** مَوقِفُنا: المُصحَفُ يَرسُمُها «المَلَكَين»، وعَلى رَسمِه تُقرَأ. والآيةُ لا تَزيدُ على وَصفِ الكَيانَينِ بِما أُنزِلَ عَلَيهِما وبِما يَقولانِه قَبلَ التَّعليم، فلا تُعَيِّنُ جِنسَهُما. والوَظيفةُ في النَّصِّ واحِدةٌ على الوَجهَين. مَفتوح.
- **هل اسما «هاروت» و«ماروت» قُرآنيّاً عَلَمانِ مَحضانِ أم يَحمِلانِ
في حُروفِهِما وَصفاً؟** مَوقِفُنا، بِقَرارِ صاحِبِ المَشروع: الاسمانِ وَصفانِ لِصاحِبَيهِما، من الجَذرَينِ ه-و-ر وم-و-ر على وَزنِ «فَعَلوت»، وهُما عَرَبيّانِ مُنتِجانِ (هارَ، انهارَ، التَّهَوُّر؛ مارَ، المَور). شِحنَتُهُما (انهِيار + مَور) تَنطِقُ بِالمَوقِف: ما تَنهارُ بِه أُلفَةُ المَرءِ وزَوجِه. ويَبقى في البِناءِ وَجهٌ آخَر: أن يَكونا على «فاعول» فتَكونَ التّاءُ من الجَذر (ه-ر-ت، م-ر-ت). ويُرَجِّحُ «فَعَلوت» أنَّه وَزنُ «مَلَكوت» و«طاغوت» في المُصحَف، وأنَّ الوَجهَ الآخَرَ لا يَستَقيمُ في «طالوت» و«جالوت»، وأنَّ الجَذرَينِ يَرِدانِ في القُرآن (٩:١٠٩، ٥٢:٩، ٦٧:١٦). والقِراءةُ راجِحة، والصِّلةُ بِالمُسَمَّيَينِ قائِمةٌ على آيةٍ واحِدة.