البقرة · الآية 102

﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ

«تَتلو الشَّياطينُ عَلى مُلكِ سُلَيمان»: السَّنَدُ المُزَيَّف

«تَتلو» تَتَّبِعُ نَصّاً بِنَصّ، وتُنشِئُ سَرداً يَتبَعُ سَرداً. وفِعلُ «عَلى» هُنا مُهِمّ: جاءَ «عَلَيه» دونَ «في مُلكِ سُلَيمان»، أي فَوقَ الاسمِ ومُنتَسِباً إلَيه. والاسمُ الوَقورُ مَنَصّةٌ يُستَأجَرُ عَلَيها المَتاعُ غَيرُ المَشروع، والقُرآنُ يَفصِلُ المَنَصّةَ عن البِضاعة: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. فمَن يُجادِلُ في سُلَيمانَ فقدِ استُدرِجَ إلى مَعرَكةٍ فَرعِيّة، بَينَما الأصلُ تَزويرُ السَّنَد.

«وَما كَفَرَ سُلَيمانُ ولَكِنَّ الشَّياطينَ كَفَروا»: الكَلِمَةُ تُقالُ ثَلاثاً، وكُلُّ مَرَّةٍ تَكشِفُ السِّتارَ من جِهَة

وأصلُ الكُفرِ (ك ف ر) تَغطِيةٌ تَستُرُ ما تَحتَها، ومِنه سُمِّيَ الزّارِعُ كافِراً حينَ يَحفِنُ التُّرابَ على البَذرة. والمُعَلِّمُ بابُ سَنَد، يَأخُذُ بِيَدِ المُتَعَلِّمِ ويُريه من أينَ جاءَتِ العَطِيّة، فإذا قُلِبَ هذا البابُ على عَقِبِه صارَ التَّعليمُ سَتراً لا كَشفاً، يُمَرِّرُ المادّةَ ويَطمِسُ المَنبَع.

وتَتَحَرَّكُ الكَلِمةُ في الآيةِ ثَلاثَ مَرّات. أوَّلاً نَفياً: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾، أي إنَّ سُلَيمانَ أبقى مَصدَرَ مُلكِه مَكشوفاً ولم يَحجُبْه. ثُمَّ إثباتاً: وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾، والشَّياطينُ هُمُ الذينَ غَطَّوا، وتَحتَ اسمِ المَلِكِ الكَريمِ مَرَّروا ما يَقطَعُ المَرءَ عن رَبِّه. ثُمَّ تَنبيهاً يُغلِقُ الدّائِرة: المَلَكانِ لا يُعَلِّمانِ أحَداً حَتّى يَقولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، ومَعناه النَّهيُ عن سَترِ هذا التَّحذيرِ بَعدَ سَماعِه، وعن نَزعِ المادّةِ من إعلانِها.

والتَّعليمُ الصّادِقُ يُري المُتَعَلِّمَ النَّبع، والسِّحرُ يَقطَعُ السِّلكَ بَينَه وبَينَ النَّبع.

«يُعَلِّمونَ النّاسَ السِّحرَ»: عِلمٌ يَدُلُّ، وعِلمٌ يَهدِم

ويَتَرَدَّدُ الفِعلُ في الآيةِ كأنَّه نَفَسٌ واحِد: يُعَلِّمونَ، ثُمَّ يَتَعَلَّمونَ، ثُمَّ عَلِموا، وهي ثَلاثُ خُطُواتٍ من جِذرٍ واحِدٍ تَنحَدِرُ كالدَّرَج، غَيرَ أنَّ الدَّرَجَ هُنا نازِلٌ غَيرُ صاعِد.

وأصلُ الجِذرِ (ع ل م) عَلامةٌ تَدُلُّ المَرءَ على مَوضِعِه: تُريه مَشرَبَه كما في قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾، وتُقَوِّمُه كما في وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ﴾، وهو عِلمٌ يَفتَحُ ويُهَدّي. وفي آيةِ السِّحرِ يَنقَلِبُ المِحوَر: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾، أي يَختِمونَ في الباطِنِ مَعنىً يَفصِلُ صاحِبَه عن النّاسِ وعن نَفسِه. ثُمَّ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾، وفيه تُلصَقُ العَلامةُ في النَّفسِ ضِدَّها، فتَتَحَوَّلُ إلى جُرحٍ يَنمو فيها. ثُمَّ تَأتي الضَّربةُ التي تَكسِرُ آخِرَ عُذر: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، أي إنَّهُم يَعرِفونَ نِهايةَ الطَّريقِ ويَمشونَه.

عِلمٌ يَدُلُّ صاحِبَه على مَوضِعِه، وعِلمٌ يَدفَعُ صاحِبُه ثَمَنَه ضِدَّ مَوضِعِه.

«ما أُنزِلَ عَلى المَلَكَيْن»+«فِتنَة»: العِلمُ المَفتوحُ بِشَرطِه

و«ما أُنزِلَ» صيغةُ إذن، أي بابٌ مَأذونٌ بِه من المَصدَر، غَيرَ أنَّه مَأذونٌ بِشَرطِ الإعلانِ الصَّريح: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. والمُؤَكَّدُ أنَّ هذه الجُملةَ هي نَصُّ العَقد، وليسَت تَحذيراً أخلاقِيّاً يَتَعَدّى على العَقد، والمُتَعَلِّمُ يَعرِفُ أنَّ المادّةَ فِتنة، وأنَّ استِخدامَها خارِجَ شَرطِها كُفر. فالشَّرطُ مَوضِعُ الإذنِ نَفسِه، وليسَ غِطاءً مَصنوعاً، ومَن أخَذَ المَضمونَ دونَ شَرطِه أخَذَ شَيئاً لم يُؤذَنْ لَه بِأخذِه.

«ما يُفَرِّقون به بَينَ المَرءِ وزَوجِه»: أَثَرٌ اجتِماعيٌّ دَقيق

وخُصَّ الأثَرُ بِالذِّكر، وهو تَفريقُ المَرءِ وزَوجِه، ولم يُكتَفَ بِـ«يَسحَرون». والمَرءُ وزَوجُه أصغَرُ وَحدةٍ اجتِماعِيّةٍ قائِمةٍ على سَكَنٍ مُتَبادَل، والإنتاجُ الرَّئيسُ لِهذه المادّةِ هو تَفكيكُ الدَّوائِرِ الصَّغيرةِ التي تَحمِلُ الأمان. ومَن يُفَكِّكُ السَّكَنَ يُفَكِّكُ المُجتَمَعَ من قاعِدَتِه، لا من سَقفِه، فتَشخيصُ الضَّرَرِ هُنا دَقيقٌ غَيرُ عُمومِيّ.

(ض ر ر)+«إلَّا بِإذنِ اللَّه»: الشَّرطُ الذي يُسقِطُ دَعوى السُّلطان

والضَّرَرُ يَحدُثُ ولا يُنكَرُ حُدوثُه، غَيرَ أنَّ مَوقِعَ الفاعِلِ الأخيرِ عِندَ اللَّه، وإِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ تَضَعُ كُلَّ وَسيلةٍ في مَوقِعِها الصَّحيح: وَسيلةٌ مُشَرَّطةٌ بِإذن، لا قُوّةٌ مُستَقِلّة. وكُلَّما نَسِيَ المُجتَمَعُ هذا الاستِثناءَ صَعِدَ الأداتِيُّ إلى مَقامِ الرَّبّ: صارَ السّاحِرُ مَعبوداً، والحِرزُ أصلاً، والكَلِمةُ المُتَوارَثةُ قَضاءً، والقُرآنُ يُعيدُ كُلَّ ذلك إلى بابِه.

(ش ر ي)+«بِئسَ ما شَرَوا بِه أَنفُسَهُم»: البَيعُ مَعَ العِلمِ بِالخَسارَة

وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، و«لَقَد عَلِموا» تَكسِرُ أيَّ ذَريعةِ جَهل، والخَسارةُ مَعلومةٌ سَلَفاً. ثُمَّ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾، والسِّلعةُ المُقَدَّمةُ في العَقدِ هي النَّفسُ ذاتُها، مُقابِلَ مادّةٍ يَعلَمونَ قَبلَ الشِّراءِ أنَّها لا نَصيبَ لَها في الآخِرة. فالشِّراءُ هُنا تَحويلٌ كامِل: النَّفسُ تَصيرُ ثَمَناً، والمادّةُ الضّارّةُ تَصيرُ سِلعةً مُقَدَّسة، وهذا البَيعُ هو مَوضِعُ المَأساة، ولا يَنحَصِرُ الأمرُ في الحُصولِ على السِّحر.

فتَزويرُ السَّنَدِ يَستَعيرُ الاسمَ الوَقورَ لِيُمَرِّرَ المادَّةَ الضارَّة، والشَّرطُ «إنَّما نَحنُ فِتنَة فَلا تَكفُر» جُزءٌ من العَقدِ لا زينَتُه، والإذنُ يَبقى لِلَّهِ فَلا سُلطانَ مُستَقِلٌّ لِأداة، والشِّراءُ الواعي لِلمادَّةِ الضّارَّة بَيعٌ لِلنَّفسِ بِثَمَنٍ مَعلومِ الخَسارَة.


حَصيلة

تَفتَحُ الآيةُ بِتَشخيصِ آلِيّةِ التَّزوير: الجَذرُ (ش-ط-ن) يُحَدِّدُ القُوى الضّارّةَ بِوَصفِها قُوىً مُبتَعِدةً عن المَركَزِ تَنفُذُ في الباطِن، وهي تَضَعُ مادَّتَها «عَلى» مُلكِ سُلَيمانَ لا «في» سيرَتِه، أي تَستَعيرُ الاسمَ الوَقورَ مَنَصّةَ عُبورٍ لا مُحتَوىً. والقُرآنُ يَقطَعُ هذا السَّنَدَ بِثَلاثِ حَرَكاتٍ من الجَذرِ (ك-ف-ر): نَفياً «ما كَفَرَ سُلَيمان»، وإثباتاً «الشَّياطينُ كَفَروا»، ثُمَّ تَحذيراً مَبنِيّاً على لِسانِ المَلَكَينِ أنفُسِهِما: «إنَّما نَحنُ فِتنةٌ فَلا تَكفُر». وهذه الجُملةُ الأخيرةُ هي نَصُّ العَقدِ الذي يَجعَلُ ما أُنزِلَ بِبابِلَ مَأذوناً، وليسَت هامِشاً أخلاقِيّاً، ومَن أخَذَ المادّةَ وأسقَطَ التَّحذيرَ أخَذَ شَيئاً خارِجَ حُدودِ الإذن. ثُمَّ يَتَحَرَّكُ الجَذرُ (ع-ل-م) في ثَلاثِ خُطُواتٍ تَنحَدِر: «يُعَلِّمونَ» ثُمَّ «يَتَعَلَّمون» ثُمَّ «عَلِموا»، ويَكشِفُ أنَّ العِلمَ الذي لا يَدُلُّ صاحِبَه على مَوضِعِه يَنقَلِبُ ضِدَّه، وهُم فَوقَ ذلك يَعلَمونَ سَلَفاً أنَّ مَنِ اشتَرى هذا لا خَلاقَ لَه في الآخِرة. والاستِثناءُ «إلّا بِإذنِ اللهِ» يَسُدُّ بابَ الادِّعاءِ بِالسُّلطانِ المُستَقِلّ، فلا أداةٌ تَملِكُ ضَرَرَها من نَفسِها. والخاتِمةُ «وَلَبِئسَ ما شَرَوا بِهِ أنفُسَهُم» تُسَمّي نَوعَ الصَّفقة: بَيعٌ لِلنَّفسِ مُقابِلَ مادّةٍ عَرَفَ صاحِبُها قَبلَ إتمامِ العَقدِ أنَّها خاسِرة، وليسَت شِراءَ مَعرِفة.