الحُسن
التَّعريف الجَذريّ
الكَمالُ الذي يَظهَرُ من باطِنِ الشَّيءِ بِدُونِ كُلفَة. الجَمالُ المُنبَعِثُ من الداخِلِ لا المُصطَنَعُ من الخارِج.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ح: تَضييقٌ واحتِواءٌ في الباطِن، شِحنَتُه: احتِواءٌ باطِنٌ يَخلُص.
- س: امتِدادٌ وسَيَلان، شِحنَتُه: انسِيابٌ ناعِم.
- ن: رَنينٌ وانبِعاث، شِحنَتُه: ظُهورٌ يَنفُذُ من الداخِل.
النَّواةُ حس (ح + س) = احتِواءٌ مُنساب: ما يَحتَويه الباطِنُ ثُمَّ يَنساب. الإغلاقُ بـن يُظهِرُ هذا المُحتَوى المُنسابَ من الباطِن: الحَسَنُ ما يَنبَعِثُ من كِيانِ الشَّيءِ خُلوصاً وانسِياباً (انظُر الإِحسان القِسم ١ لِلتَّحليلِ الكامِل).
الفَرقُ بَينَ «الحُسن» و«الإحسان»: الحُسنُ هو الكَمالُ الذي يَسكُنُ في الشَّيءِ أو الفِعلِ (صِفةٌ ذاتيَّة)، والإحسانُ إخراجُ هذا الكَمالِ إلى الغَيرِ (فِعلٌ تَعدِيٌّ). حُسنُ القَولِ صِفةٌ في القَول، والإحسانُ في القَولِ فِعلٌ يَصِلُ إلى المُخاطَب.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- حُسناً (مَصدَرٌ في مَوضِعِ الحال): في ٢:٨٣ ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. المَصدَرُ يَعمَلُ وَصفاً لِلقَولِ: أن يَكونَ القَولُ في نَفسِه حُسناً، لا مُجَرَّدَ قَولٍ عَلَيهِ طَلاء. الجُملةُ لا تَقولُ «قُولوا كَلاماً حَسَناً» (وَصفٌ ظاهِريّ) بَل «قُولوا حُسناً» (المَصدَرُ هوَ المَقصود): أي لِيَكُن القَولُ هو الحُسنُ نَفسَه.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الحُسنُ (مَصدَر، حالةٌ داخِليَّة) يَختَلِفُ عن «الحَسَن» (وَصف) وعن «الإحسان» (فِعل). الوَزنُ يُحَدِّدُ المَوقِعَ من الجَذر.
الفُروق المَعنويّة: الجِذرُ ذاتُه في مَفاهيم أُخرى
ihsan(الإحسان): الحُسنُ الكَمالُ في ذاتِه؛ الإحسانُ إخراجُه إلى الغَير. انظُر الإِحسان القِسم ٣.
المَواضع: مَواقعُ الحُسنِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٨٣ ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. «حُسناً» مَصدَرٌ حالٌ من القَول: القَولُ لا يَكفي أن يَكونَ صَحيحاً أو غَيرَ خاطئ، بَل يَجِبُ أن يَكونَ في ذاتِه حُسناً. ثُمَّ جاءَ المُخاطَبُ بِاللّامِ لا بِالإضافةِ أو الباء: «لِلنَّاس» = لِكُلِّ ناسٍ، بِلا شَرطِ انتِماء. الحُسنُ في القَولِ لا يُشتَرَطُ فيمَن تَعرِفُه أو تُحِبُّه، بَل في كُلِّ مَن يَبلُغُه صَوتُك.
- ٣:١٤ ﴿ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾: الجَديدُ: يُضافُ الحُسنُ إلى المَآبِ لا إلى فِعلٍ ولا إلى قَول، فيوصَفُ بِه مَوضِعُ الرُّجوع. وهو يُقابِلُ في الآيةِ نَفسِها مَتاعاً مَوصوفاً بِالزِّينة، فيَنفَصِلُ ما زُيِّنَ عمّا حَسُن. انظُر الدُّنيا.
- ٣:٣٧ ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾: الجَديدُ: يَتَكَرَّرُ النَّعتُ نَفسُه في فِعلَينِ مُتَتابِعَين، فيوصَفُ بِه الأخذُ والإنماءُ مَعاً. فالحُسنُ هُنا صِفةُ الطَّريقةِ لا صِفةُ المَأخوذ. انظُر القَبول.
- ٣:١٤٨ ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾: الجَديدُ: يُضافُ الحُسنُ إلى أحَدِ الثَّوابَينِ دونَ الآخَر، فيَصيرُ فارِقاً بَينَ عَطاءَينِ كِلاهُما واقِع. انظُر الآخِرة.
- ١٧:١١٠ ﴿أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾: الجَديدُ: تُوصَفُ الأسماءُ بِالحُسنى، فيَنتَقِلُ الجَذرُ من القَولِ (٢:٨٣) والمَآبِ (٣:١٤) والثَّوابِ (٣:١٤٨) إلى الاسمِ نَفسِه. وصيغةُ التَّفضيلِ المُؤَنَّثةُ تَستَغرِقُ الجَمعَ كُلَّه فلا يَبقى فيه اسمٌ دونَ اسم، ولِذلك جاءَت بَعدَ التَّخيير: «أيّاً ما تَدعوا». فالكَمالُ المُنبَعِثُ من الباطِنِ لا يَتَفاوَتُ بِاختِلافِ اللَّفظِ المَدعُوِّ بِه، والاختِلافُ في المُنادي لا في المُنادى.
- ٢٠:٨٦ ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾: الجَديدُ: يَقَعُ النَّعتُ على الوَعد، وهو مَحَلٌّ جَديدٌ لِلجَذرِ في المُسَجَّل. ويُحتَجُّ بِحُسنِ المَوعودِ على مَن أخلَفَ المَوعِد: إذا كانَ الوَعدُ حَسَناً فلا عُذرَ في نَقضِه. فالحُسنُ هُنا مُقَدِّمةٌ في مُحاجَّةٍ لا وَصفٌ مُجَرَّد، ويُقابَلُ في الآيةِ بِطولِ العَهدِ كَأنَّ الطّولَ هو ما يُذهِبُ أثَرَ الحُسنِ من النَّفسِ فيَنسى الواعِدَ مَن وُعِد.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
ihsan: الشَّقيقُ الأَقرَب. حُسنُ القَولِ ظُهورُ الإحسانِ في اللِّسان.qawl: الحُسنُ هنا وَصفٌ لِلقَول. القَولُ يَحمِلُ شِحنةَ الحُروفِ ومَقصِدَ الباطِن؛ حينَ يَكونُ في ذاتِه حُسناً يَبلُغُ غايَتَه.nas: اتِّساعُ المُخاطَبِ (لِلنَّاس) يَكسِرُ شَرطَ الانتِماء.
الإشكالات المَفتوحة
- ما العَلاقةُ بَينَ «الحُسنى» (مُؤنَّثُ الأَحسَن) وَ«الحُسن»؟ الحُسنى في القُرآنِ تَرِدُ مَوعوداً (﴿وَلِلَّهِ الأَسماءُ الحُسنى﴾ وغَيرها). البَحثُ مُؤَجَّل لِحينِ وُرودِها في آياتٍ مَعمولَة.